من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
العيد الثاني من أعياد الفرس المهرجان
- وهو في السادس والعشرين من تشرين الأوّل من شهور السّريان، وفي السادس عشر من مهرماه من شهور الفرس، وفي التاسع من أبيب من شهور القبط؛ وبينه وبين النيروز مائة وسبعة وستون يوما، وهذا الأوان في وسط زمان الخريف، وفي ذلك يقول الشاعر:
أحبّ المهرجان لأنّ فيهسرورا للملوك ذوي السّناء
وبابا للمصير إلى أوانتفتّح فيه أبواب السّماء
ومدّته ستة أيام، ويسمّى اليوم السادس منه المهرجان الأكبر، كما يسمّى اليوم السادس من أيام النّيروز عندهم النّيروز الأكبر.
قال المسعودي: وسبب تسميتهم لهذا اليوم بهذا الاسم أنهم كانوا يسمّون شهورهم بأسماء ملوكهم، وكان لهم ملك يسمّى مهرا يسير فيهم بالعنف والعسف
فمات في النصف من هذا الشهر، وهو مهرماه، فسمّي ذلك اليوم مهرجان، وتفسيره نفس مهر ذهبت، والفرس تقدّم في لغتها ما تؤخّره العرب في كلامها وهذه اللغة الفهلوية وهي الفارسية الأولى وزعم آخرون أن مهر بالفارسية حفاظ وجان الروح، وفي ذلك يقول عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
إذا ما تحقّق بالمهرجانمن ليس يعرف معناه غاظا
ومعناه أن غلب الفرس فيهفسمّوه للرّوح فيه حفاظا
ويقال: إنما ظهر في عهد افريدون الملك، ومعنى هذا الاسم إدراك الثأر؛ وذلك أن افريدون أخذ بثأر جدّه جم شاد من الضّحّاك، فإنه كان أفسد دين المجوسيّة وخرج على جم شاد فأخذ منه الملك وقتله؛ فلمّا غلبه افريدون قتله بجبل دنباوند وأعاد المجوسية إلى ما كانت، فاتّخذ الفرس يوم قتله عيدا، وسمّوه مهرجان، والمهر الوفاء، وجان سلطان، وكان معناه سلطان الوفاء.
وزعم بعض الفرس أن الضحّاك هو النّمرود وافريدون هو إبراهيم ﵇، بلغتهم.
ويقال إن المهرجان هو اليوم الذي عقد فيه التاج على رأس اردشير بن بابك، أوّل ملوك الفرس الساسانيّة، وكان مذهب الفرس في المهرجان أن يدّهن
ملكهم بدهن البان تبرّكا، وكذلك العوام، وأن يلبس القصب والوشي، ويتوّج بتاج عليه صورة الشمس وحجلتها الدائرة عليها، ويكون أوّل من يدخل إليه الموبذان بطبق فيه أترجّة، وقطعة سكّر، ونبق، وسفرجل وعنّاب، وتفّاح، وعنقود عنب أبيض، وسبع طاقات آس، قد زمزم عليها؛ ثم تدخل الناس على طبقاتهم بمثل ذلك، وربما كانوا يذهبون الى تفضيله على النّيروز؛ وفيه يقول عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
أخا الفرس إن الفرس تعلم إنّهلأطيب من نيروزها مهرجانها
لإدبار أيّام يغمّ هواؤهاوإقبال أيّام يسرّ زمانها
قال المسعودي: وأهل المروءات بالعراق وغيرها من مدن العجم يجعلون هذا اليوم أوّل يوم من الشتاء فيغيّرون فيه الفرش والآلات، وكثيرا من الملابس.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع