من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الأسلوب التاسع (أن يفتتح الكتاب بيقبّل الأرض)
ويتخلص إلى المقصود بلفظ «وينهي» ويقع الاختتام ب «طالع» أو «أنهى» وهذه المكاتبة مما هو موجود في بعض مكاتبات القاضي الفاضل، ولم أرها فيما قبله؛ وكأنهم لما استعملوا في صدور المكاتبات إلى الخلفاء المكاتبة بيقبّل الأرض والعتبات ونحو ذلك، استنبطوا منه ابتداء مكاتبة وجعلوها لمكاتبة الرّؤساء من السلطان ومن في معناه بالنّسبة إلى المرؤوس. والأصل في ذلك أن تحيّة الملوك والرّؤساء والأكابر في الأمم الخالية كانت بالسّجود، كما يحيّي المسلمون بعضهم بعضا بالسلام. وقد قال قتادة في قوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف ﵈: وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً
: كانت تحيّة الناس يومئذ سجود بعضهم لبعض، وعليه حمل قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا
على أحد التفاسير، وهو المرجّح عند الإمام فخر الدين وغيره من المفسّرين. قال الشيخ عماد الدين بن كثير ﵀ في تفسيره: وكان ذلك
مشروعا في الأمم الماضية ولكنه نسخ في ملّتنا. قال معاذ «يا رسول الله! إنّي قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لأساقفتهم وعلمائهم فأنت يا رسول الله أحقّ أن يسجد لك. فقال: [لا] لو كنت آمرا بشرا أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لبعلها من عظم حقّه عليها». وعن صهيب: «أن معاذا [لما] قدم من اليمن سجد للنبيّ ﷺ فقال يا معاذ، ما هذا؟ قال: إن اليهود تسجد لعظمائها وعلمائها، ورأيت النصارى تسجد لقسّيسيها وبطارقتها، قلت ما هذا؟
قالوا: تحيّة الأنبياء- فقال ﵇: كذبوا على أنبيائهم». وعن سفيان الثوريّ عن سماك بن هانيء قال: دخل الجاثليق على عليّ بن أبي طالب، فأراد أن يسجد له، فقال له عليّ: اسجد لله ولا تسجد لي.
فلما وردت شريعة الإسلام بنسخ التحيّة بالسجود وغلب ملوك العجم على الأقطار، استصحبوا ما كان عليه الأمر في الأمم الخالية، وعبّروا عنه بتقبيل الأرض فرارا من اسم السّجود ولورود الشريعة بالنهي عنه؛ واستمر ذلك تحية الملوك إلى الآن، فاستعار الكتّاب ذلك ونقلوه من الفعل إلى اللّفظ، فاستعملوه في مكاتباتهم إلى الخلفاء والملوك؛ ثم توسّعوا في ذلك فكاتبوا به كلّ من له عظمة بالنسبة إلى المكتوب عنه، ورتّبوه مراتب على ما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى. ولا خفاء فيما في هذه المكاتبة من الكراهة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع