تجاوز إلى المحتوى

من «البلدان» لابن الفقيه الهمذاني (ت نحو ٣٤٠هـ)

افتخار الشاميّين على البصريّين وفضل الحبلة على النّخلة (٢)

(﵇، فأما اليوم فقد ذهب من يدّعيها وبطل من يعملها.

وفي الخبر: أن الروم لمّا أخربت بيت المقدس كتب الله عليهم السبي في كلّ يوم، فليس يمرّ يوم من أيّام الدهر إلّا وأمّة من الأمم المطيفة بالروم يسبون من الروم سبايا.

وبحر الروم من أنطاكية إلى قسطنطينيّة، ثم يدور آخذا من ناحية الدبور، حتى يخرج خلف الباب والأبواب من ناحية الخزر، حتى يبلغ قيروان إفريقية وأطرابلس إفريقية، حتى يبلغ الأندلس إلى السوس الأقصى إلى جزائر السعادة.

وأرض الروم غربيّة دبوريّة، وهي من أنطاكية إلى صقلّيّة، ومن قسطنطينيّة إلى تولية، الغالب عليها روسيّ وصقلبيّ وأندلسيّ، والصقالبة صنفان: سمر وأدم، وهو ممّا يلي البحر، ومنهم بيض فيهم جمال، وهم في البرّ، ومدينة الملك، قسطنطينيّة، وأنطاكية على ساحل البحر، وفيها مجمع البطارقة، ومن طرسوس إلى خليج قسطنطينيّة مائة ميل، فيه مسجد مسلمة بن عبد الملك حيث حصر قسطنطينيّة، ويمرّ خليج قسطنطينيّة حتى يصبّ إلى بحر الشام، وعرض الخليج بأبدس قدر غلوة، وإذا صار إلى بحر الشام فعرضه عند مصبّه أيضا قدر غلوة، وهناك صخرة عظيمة عليها برج فيه سلسلة تمنع سفن المسلمين من دخول الخليج وعمورية دون الخليج، وبينها وبين قسطنطينيّة ستّون ميلا، وذكر أن بطارقة الروم الذين هم مع الملك اثنا عشر بطريقا بقسطنطينيّة، وأن خيلها أربعة آلاف، ورجّالتها أربعة آلاف.

وروي عن كعب قال: شمتت قسطنطينيّة بخراب بيت المقدس فتعزّزت وتجبّرت فدعيت المستكبرة، وقالت: إن كان عرش ربّي ﷻ على الماء، فقد بنيت على الماء، فوعدها الله العذاب قبل يوم القيامة، فقال الله جلّ وعزّ لها:

وعزّتي وجلالي لأنزعنّ حليك وحريرك وخمرك وخميرك، ولأتركنّك لا يصيح فيك ديك، ولا أجعل لك عامرا إلّا الثعالب وبنات آوى، ولأنزلنّ عليك ثلاث

نيران: نارا من زفت، ونارا من كبريت، ونارا من نفط، ولأتركنّك جلحاء قرعاء لا يحول بينك وبين السماء شيء، وليبلغنّ صوتك عنان السماء، فإنه طال ما أشرك بي فيك، وعبد فيك غيري، وليفترعن فيك جواري ما كدن أن ترى الشمس من حسنهن، ولأسمعنّ خرير البحر صوتك، فلا يعجز من بلغ منكم ذلك أن يمشي إلى بيت بلاطة ملكهم، فإنكم ستجدون فيه كنز اثني عشر ملكا من ملوكهم، كلّهم يزيد فيه ولا ينقص منه، فتقسمون ذلك كيلا بالأترسة قطعا بالفؤوس فتحملون ما استطعتم من كنوزها فتقسمونه بالغدقدونيّة، فيأتيكم آت من قبل الشام أن الدجّال قد خرج، فترفضون ما في أيديكم، فإذا بلغتم الشام وجدتم الأمر باطلا، وإنما هي نفحة كذوب.

قال خالد بن معدان: ليس في الجنّة كلب إلّا كلب أصحاب الكهف، وحمار بلعم، واسم كلب أصحاب الكهف دين، وقال غيره: بل اسمه حمران، واسم الكهف جيرم، وأصحاب الرّقيم بقسطنطينيّة في جبل هناك في شعب وهم ثلاثة عشر رجلا.

وخراج الروم مساحة كلّ مائتي مدى ثلاثة دنانير في كلّ سنة، ويأخذ عشر الغلّات فيصير في الأهراء للجيوش، ويأخذ من اليهود والمجوس من كلّ رجل دينارا في السنة، ويؤخذ له في كلّ بيت يوقد فيه كلّ سنة درهم، وديوانه مقسوم على مائة ألف وعشرين ألف رجل، على كلّ عشرة آلاف رجل بطريق، وأجلّ البطارقة خليفة الملك ووزيره، ثم اللّغثيط صاحب ديوان الخراج، ثم اللغثيط صاحب عرض الكتب، ثم الحاجب وصاحب ديوان البريد، ثم القاضي، ثم صاحب الحرس، ثم المرقّب.

والروم أصحاب بقر وخيل وشاء، ولهم البزيون العجيب، والديباج الروميّ، ولهم من العطر الميعة والمصطكى والجواري الروميّات، والخدم وينبت في قعر

بحرهم البسّذ، وبها القبّة التي من الرصاص وهي في بعض مفاوزها، وذكر بعضهم أنه دخلها وعيان ما فيها، ووجد على لوح بها مكتوب عليه: يا ابن آدم خف الموت، وبادر الفوت، واستكثر من ادّخار صالح الأعمال، واعلم أن ذكر الموت يهون على اللسان، وأن الموت على الفراش أشدّ من ألف ضربة بالسيف، يا ابن آدم داو الموت بالطاعة، واعلم أن ملك الموت رؤوف بأهل الطاعة. يا ابن آدم إن كنت تحبّ نفسك فصنها عن المعاصي، واحملها على التعب الذي يعقبك الراحة، وأعدّ للسفر البعيد زادا، فإنّ من رحل بلا زاد عطب. يا ابن آدم ما أقسى قلبك تعمر دارا تخرب، وتخرب دارا تبقى، يا ابن آدم خذ لنفسك من نفسك، واعرف المذاهب بالأسباب، فإن سبب العقل المداراة، وسبب المزيد الشكر، وسبب زوال النعمة البطر، وسبب المروّة الأنفة، وسبب الأدب المواظبة، وسبب البغضاء الحسد، وسبب المحبّة الهديّة، وسبب الأخوّة البشاشة، وسبب القطيعة المعاتبة، وسبب الفقر إسراف المال، وسبب العداوة المراء، وسبب المحبّة السخاء، وسبب قضاء الحوائج الرفق، وسبب المذلّة مسألة الناس، وسبب الحرمان الكسل، وسبب الريبة مصاحبة الريب، وسبب النبل العفاف، وسبب ثياب العقل المرأة الصالحة، وسبب الغناء قلّة الفساد، وسبب الغضب الصّلف، والخير كلّه يجمعه العقل، ومن لا عقل له ولا حياء فلا خير في صحبته قال: وإذا خوان موضوع هناك من ملح قدر ما يأكل عليه ألف رجل مكتوب عليه: يا ابن آدم قد أكل على هذا الخوان مائة ملك، كلّهم مصاب بعينه اليسرى، فكم كان الأصحّاء؟ يا ابن آدم قد قضم في هذه القبّة مائتا ألف ملك، وقد رام حمل هذا الخوان واللوح ألف ملك فماتوا كلّهم.

قال: فدعاني قيصر فسألني عنه ففسّرته له فبكى ثم قال: لله درّ العرب ما أعظم أحلامها، وأكرم فروعها، ثم وصلني وأحسن جائزتي، ووجّه معي من أخرجني من بلاده.

قال أبو المنذر: سمّيت الروم بني الأصفر لأنه لمّا مات ملكهم لم يبق منهم من يصلح للملك إلّا امرأة، فأجمعوا أن يملّكوا عليهم أوّل طالع من الفجّ فطلع

حبشيّ قد أبق من مولاه، فأخذوه فزوّجوه الملكة فولدت له ابنا فسمّي الأصفر لأنه من أسود وأبيض.

ومن عجائب الروم: رومية الداخلة، فإنها عجيبة البناء، كثيرة الأهل، وبينها وبين قسطنطينيّة مسيرة سنة. وقال جبير بن مطعم: لولا صوت أهل رومية لسمع الناس وجبة الشمس من حيث تطلع وقال حسن بن عطيّة: يفتح على المسلمين مدينة خلف قسطنطينيّة يقال لها رومية فيها مائة ألف سوق، في كلّ سوق مائة ألف رجل وقال بعض العلماء: ينقّس برومية في كلّ يوم عشرون ومائة ألف ناقوس، لولا وجبة أهلها لسمع الناس تسبيح الملائكة ووقع غروب الشمس.

روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: حلية بيت المقدس أهبطت من الجنة فأصابتها الروم فانطلقت بها إلى مدينة لهم يقال لها رومية. قال: وكان الراكب يسير بضوء ذلك الحلي مسيرة خمس ليال.

وقال رجل من آل أبي موسى: أخبرني رجل يهودي قال: دخلت رومية وان سوق الطير فيها فرسخ.

وقال مجاهد: في بلد الروم مدينة يقال لها رومية فيها ستمائة ألف حمّام.

وقال الوليد بن مسلم الدمشقي: أخبرني رجل من التجار قال: ركبنا البحر وألقتنا السفينة إلى ساحل رومية فأرسلنا إليهم: إنّا إياكم أردنا، فأرسلوا إلينا رسولا. فخرجنا معه نريدها. فعلونا جبلا في الطريق فإذا بشيء أخضر كهيئة اللّج فكبّرنا فقال لنا الرسول: لم كبّرتم؟ قلنا: هذا البحر، ومن سبيلنا أن نكبر إذا رأيناه. فضحك وقال: هذه سقوف رومية وهي كلها مرصصة.

قال: فلما انتهينا إلى المدينة إذا استدارتها أربعون ميلا في كل ميل منها باب مفتوح.

قال: فانتهينا إلى أول باب وإذا سوق البياطرة وما أشبهه. ثم صعدنا درجا فإذا سوق الصيارفة والبزازين. ثم دخلنا المدينة فإذا في وسطها برج عظيم واسع في أحد جانبيه كنيسة قد استقبل بمحرابها المغرب وببابها المشرق وفي وسط البرج

بركة مبلطة بالنحاس يخرج منها ماء المدينة كله. وفي وسطها عمود من حجارة عليه صورة رجل من حجارة. قال: فسألت بعض أهلها فقلت: ما هذا؟ فقال: إن الذي بني هذه المدينة قال لأهلها لا تخافوا على مدينتكم حتى يأتيكم قوم على هذه الصفة، فهم الذين يفتحونها.

وذكر بعض الرهبان ممن دخلها وأقام بها أن طولها ثمانية وعشرون ميلا في ثلاثة وعشرين ميلا ولها ثلاثة أبواب من ذهب. فمن باب الذهب الذي في شرقيها إلى البابين الآخرين ثلاثة وعشرون ميلا، ولها ثلاثة جوانب في البحر، والرابع في البر. والباب الأول الشرقي والآخر الغربي والآخر اليمنى. ولها سبعة أبواب سوى هذه الثلاثة الأبواب من نحاس مذهب. ولها حائطان من حجارة رخام، وفضاء طوله مائتا ذراع بين الحائطين.

وعرض السور الخارج ثمانية عشر ذراعا وارتفاعه اثنان وستون ذراعا. وبين السورين نهر ماؤه عذب يدور في جميع المدينة ويدخل دورهم مطبّق برفوف النحاس، كل دفة منها ستة وأربعون ذراعا. وعدد الرفوف مائتان وأربعون ألف دفة. وهذا كله من نحاس.

وعمود النهر ثلاثة وتسعون ذراعا في عرض ثلاثة وأربعين ذراعا. فكلما همّ بهم عدو وأتاهم، رفعت تلك الرفوف فيصير بين السورين بحر لا يرام.

وفيما بين أبواب الذهب إلى باب الملك اثنا عشر ميلا وسوق ماد من شرقيها إلى غربيها بأساطين النحاس، مسقف بالنحاس وفوقه سوق آخر، وفي الجميع التجار.

وبين يدي هذا السوق سوق آخر على أعمدة نحاس، كل عمود منها ثلاثون ذراعا. وبين هذه الأعمدة نقيرة من نحاس في طول السوق من أوله إلى آخره فيه لسان تجري من البحر، فتجيء السفينة في هذا النقير وفيها الأمتعة حتى تجتاز في السوق بين يدي التجار فتقف على تاجر تاجر فيبتاع منها ما يريد ثم ترجع إلى البحر.

وفي داخل المدينة كنيسة مبنية على اسم مار فطرس ومار فولس الحواريين وهما مدفونان فيها. وطول هذه الكنيسة ألف ذراع في خمسمائة ذراع في سمك مائتي ذراع. وفيها ثلاث باسليقات بقناطر نحاس.

وفيها أيضا كنيسة بنيت باسم اصطفانوس رأس الشهداء طولها ستمائة ذراع في عرض ثلاثمائة ذراع في سمك مائة وخمسين ذراعا. وثلاث باسليقات بقناطرها وأركانها. وسقوف هذه الكنيسة وحيطانها وأرضها وأبوابها وكواؤها كلها وجميع ما فيها حجر واحد.

وفي المدينة كنائس منها أربع وعشرون كنيسة للخاصة وفيها كنائس لا تحصى للعامة.

وفي المدينة عشرة آلاف دير للرجال والنساء وحول سورها ثلاثون ألف عمود للرهبان.

وفيها اثنا عشر ألف زقاق يجري في كل زقاق منها نهران، واحد للشرب والآخر للحشوش.

وفيها اثنا عشر ألف سوق، في كل سوق قناة ماء عذب.

وأسواقها كلها مفروشة بالرخام الأبيض منصوبة على أعمدة النحاس مطبقة برفوف النحاس وفيها عشرون ألف سوق بعض هذه الأسواق صغار.

وفيها ستمائة ألف وستون ألف حمّام.

وليس يباع في هذه المدينة ولا يشترى من ست ساعات من يوم السبت حتى تغرب الشمس من يوم الأحد.

وفيها مجامع لمن يلتمس صنوف العلم من الطب والنجوم وغير ذلك، يقال إنها مائة وعشرون موضعا.

وفيها كنيسة الأمم إلى جانبها قصر الملك وتسمى هذه الكنيسة صهيون، بصهيون بيت المقدس، طولها فرسخ في فرسخ وفي سمك مائتي ذراع ومساحة

هيكلها ستة أجربة، والمذبح الذي يقدس عليه القربان من زبرجد أخضر طوله عشرون ذراعا في عرض عشرة أذرع يحمله عشرون تمثالا من ذهب طول كل تمثال ثلاثة أذرع، أعينها يواقيت حمر، وإذا قرّب على هذا المذبح قربان في الأعياد لا يطفأ إلّا يصاب.

وفي رومية من الثياب الفاخرة ما يليق به. وفي الكنيسة ألف ومائتا أسطوانة من المرمر الملمع ومثلها من النحاس المذهب، طول كل أسطوانة خمسون ذراعا.

وفي الهيكل ألف وأربعمائة وأربعون أسطوانة، كل أسطوانة ستون ذراعا لكل أسطوانة رجل معروف من الأساقفة. وفي الكنيسة ألف ومائتا باب كبار من النحاس الأصفر المفرّغ وأربعون بابا كبارا من ذهب سوى أبواب الابنوس والعاج وغير ذلك. وفيها ألف باسليق طول كل باسليق أربعمائة وثمانية وعشرون ذراعا في عرض أربعين ذراعا، لكل باسليق أربعمائة وثمانية وعشرون ذراعا، لكل باسليق أربعمائة وأربعون عمودا من رخام مختلف ألوانه طول كل واحد ستة وثلاثون ذراعا.

وفيها أربعمائة قنطرة يحمل كل قنطرة عشرون عمودا من رخام.

وفيها مائة وثلاثون ألف سلسلة ذهب معلق في السقف ببكر ذهب تعلق فيها القناديل سوى القناديل التي تسرج يوم الأحد. وهذه القناديل تسرج يوم أعيادهم وبعض مواسمهم. وفيها الأساقفة ستمائة وثمانية عشر أسقفا. ومن الكهنة والشمامسة ممن يجري عليهم الرزق من الكنيسة دون غيرهم خمسون ألف، كلما مات واحد أقاموا مكانه آخر.

وفي المدينة كنيسة الملك وفيها خزائنه التي فيها أواني الذهب والفضة مما قد جعل للمذبح، وفيها عشرة آلاف جرة ذهب يقال لها الميزان، وعشرة آلاف خوان ذهب وعشرة آلاف كأس وعشرة آلاف مروحة ذهب. ومن المنائر التي تدار حول المذبح سبعمائة منارة كلها ذهب، وفيها من الصلبان التي تخرج يوم الشعانين ثلاثون ألف صليب ذهب، ومن صلبان الحديد والنحاس المنقوشة المموهة بالذهب ما لا يحصى، ومن المقطوريات عشرون ألف مقطورية وفيها ألف مقطرة

من ذهب يمشون بها أمام القرابين. ومن المصاحف الذهب والفضة عشرة آلاف مصحف. وللبيعة وحدها سبعة آلاف حمّام سوى غير ذلك من المستغلات.

ومجلس الملك المعروف بالبلاط يكون مساحته مائة جريب وخمسين جريبا، والإيوان الذي فيه مائة ذراع في خمسين ذراعا ملبّس كله ذهبا. وقد مثّل في هذه الكنيسة مثال كل نبي منذ آدم ﵇ إلى عيسى ابن مريم ﵇، لا يشك الناظر إليهم أنهم أحياء. وفيها ثلاثة آلاف باب نحاس مموّه بالذهب، وحول مجلس الملك مائة عمود مموّهة. بالذهب على كل واحد منها صنم من نحاس مفرّغ، في يد كل صنم جرس مكتوب عليه ذكر أمّة من الأمم وجميعها طلسمات، فإذا همّ بغزوها ملك من الملوك تحرك ذلك الصنم وحرك الجرس الذي في يده فيعلمون أن ملك تلك الأمة يريدهم فيأخذون حذرهم.

وحول الكنيسة حائطان من حجارة طولهما فرسخ وارتفاع كل واحد منهما مائة ذراع وعشرون ذراعا. لهما أربعة أبواب. وبين يدي الكنيسة صحن يكون خمسة أميال في مثلها في وسطه عمود من نحاس ارتفاعه خمسون ذراعا. وهذا كله قطعة واحدة مفرغة وفوقه تمثال طائر يقال له السوداني، من ذهب على صدره نقش طلسم وفي منقاره مثال زيتونه وفي كل عشرين واحدة من رجليه مثال ذلك. فإذا كان أوان الزيتون لم يبق طائر في الأرض إلّا وأتى وفي منقاره زيتونه وفي كل واحدة من رجليه زيتونة حتى يطرح ذلك على رأس الطلسم. فزيت أهل رومية وزيتونهم من ذلك. وهذا الطلسم عمله لهم بليناس صاحب الطلسمات.

وهذا الصحن عليه أمناء وحفظة من قبل الملك، وأبوابه مختومة، فإذا امتلأ وذهب أصل الزيتون اجتمع الأمناء فعصروه فيعطى الملك والبطارقة ومن يجري مجراهم قسطهم من الزيت ويجعل الباقي للقناديل التي للبيع. وهذه القصة- أعني قصة السوداني- مشهورة قلما رأيت كتابا تذكر فيه عجائب البلاد إلّا وقد ذكرت فيه.

وقد روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: من عجائب الدنيا شجرة

برومية من نحاس عليها صورة سودانية في منقارها زيتونة، فإذا كان أوان الزيتون صفرت فوق الشجرة فيوافي كل طائر في الأرض من جنسها بثلاث زيتونات في منقاره ورجليه حتى يلقي ذلك على تلك الشجرة فيعصر أهل رومية ما يكفيهم لقناديل بيعتهم وأكلهم لجميع الحول.

وفي بعض كنائسهم نهر يدخل من خارج المدينة، في هذا النهر من الضفادع والسلاحف والسراطين أمر عظيم. فعلى الموضع الذي تدخل منه الكنيسة صورة صنم من حجارة وفي يده حديدة معقفة كأنه يريد أن يتناول بها شيئا من الماء. فإذا انتهت إليه هذه الدواب المؤذية رجعت مصاعدة، ولم يدخل الكنيسة منها شيء البتة

القول في العراق

قال أبو عبيدة: سمّي العراق عراقا لأنه سفل على نجد، ودنا من البحر، كعراق القربة وهو الخرز المثنيّ الذي في أسفلها وهو الذي يضعه السقّاء في صدره وقال الأصمعيّ: ما دون الرمل عراق وقال المدائنيّ: عمل العراق من هيت إلى الصين والسند والهند، ثم كذلك الريّ وخراسان، والديلم وجيلان والجبال، وإصبهان سرّة العراق، ومن ولي العراق فقد ولي البصرة والكوفة والأهواز وفارس وكرمان والهند والسند وسجستان وطبرستان وجرجان. والعراق في الطول من عانة إلى البصرة، والبصرة تتاخم الأهواز، والأهواز تتاخم فارس، وفارس تتاخم كرمان، وكرمان تتاخم كابل، وكابل تتاخم زرنج، وزرنج تتاخم الهند.

وقال بعض أهل النظر: أهل العراق هم أهل عقول صحيحة، وشهوات محمودة، وشمائل موزونة، وبراعة في كلّ صناعة، مع اعتدال الأعضاء، واستواء الأخلاط، وسمرة الألوان، وهي أعدلها وأقصدها، وهم الذين أنضجتهم الأرحام، فلم تخرجهم بين أشقر وأصهب وأمهق ومغرب، وكالذي يعتري أرحام نساء الصقالبة وما ضارعها وصاقبها، وهم الذين لم تتجاوز أرحام نسائهم في النضج إلى الإحراق، فيخرج الولد بين أسود وحالك ومنتن الريح ذفر ومفلفل الشعر مختلف الأعضاء ناقص العقل فاسد الشهوة كالزنج والحبشان ومن أشبهها من السودان، فهم بين فطير لم يختمر ونضيج قد احترق.

وقالوا: مناكحة الغرائب أنجب، ومناكحة القرائب أضوى.

وقالوا: اغتبروا ولا تضووا. وقالوا: فارس أعقل والروم أعلم وللروم صناعات.

القول في الكوفة

قال قطرب: سميت الكوفة من قولهم: تكوّف الرمل أي ركب بعضه بعضا.

والكوفان: الاستدارة. وقال أبو حاتم السجستاني: الكوفة رملة مستديرة، يقال كأنهم في كوفان.

وقال المغيرة بن شعبة: أخبرنا الفرس الذين كانوا بالحيرة قالوا: رأينا قبل الإسلام في موضع الكوفة فيما بين الحيرة إلى النخيلة نارا تأجج. فإذا أتينا موضعها لم نر شيئا. فكتب في ذلك صاحب الحيرة إلى كسرى فكتب إليه أن أبعث إليّ من تربتها. قال: فأخذنا من حواليها ووسطها وبعثنا به إليه، فأراه علماءه وكهنته فقالوا: يبنى في هذا الموضع قرية يكون على يدي أهلها هلاك الفرس.

قال: فرأينا- والله- الكوفة في ذلك الموضع.

قالوا: وأول من اختط مسجد الكوفة سعد بن أبي وقاص.

وقال غيره: اختط الكوفة السائب بن الأقرع وأبو الهيّاج الأسدي.

وكانت العرب تقول: أولع البرّ لسانه في الريف. فما كان يلي الفرات فهو الملطاط، وما كان يلي الطين فهو الخيف.

ويروى عن أمير المؤمنين أنه قال: الكوفة كنز الإيمان وجمجمة الإسلام وسيف الله ورمحه، يضعه حيث يشاء. والذي نفسي بيده لينصرن الله جلّ وعزّ بأهلها في شرق الأرض وغربها كما انتصر بالحجاز.

وكان ﵇ يقول: حبذا الكوفة، أرض سهلة معروفة، تعرفها جمالنا المعلوفة.

ويقال: موضع الكوفة اليوم كانت سورستان.

وكان سلمان يقول: الكوفة أهل الله، وهي قبة الإسلام، يحنّ إليه كل مسلم.

وقال أمير المؤمنين: ليأتين على الكوفة زمان وما من مؤمن ولا مؤمنة إلّا بها أو قلبه يحنّ إليها.

وقال ابن الكلبيّ: وفد الحجّاج على عبد الملك بن مروان ومعه أشراف العراق، فلمّا دخلوا عليه تذاكروا أمر الكوفة والبصرة. فقال محمّد بن عمير العطارديّ: إن أرض الكوفة أرض سفلت عن الشام وعملها ووباءها، وارتفعت عن البصرة وحرّها وعمقها، وجاورها الفرات فعذب ماؤها وطاب ثمرها، وهي مريئة مريعة.

فقال عبد الله بن الأهتم السّعديّ: نحن والله يا أمير المؤمنين أوسع منهم تربة، وأكثر منهم دربة، وأعظم منهم بريّة، وأغذّ منهم في السريّة، وأكثر منهم قندا ونقدا، يأتينا ما يأتينا، عفوا صفوا، ولا يخرج من عندنا إلّا سائق أو قائد أو ناعق.

فقال الحجّاج: إن لي بالبلدين خبرا يا أمير المؤمنين.

قال: هات فأنت غير متّهم فيهم.

قال: أما البصرة فعجوز شمطاء بخراء ذفراء، أوتيت من كلّ حليّ وزينة، وأما الكوفة فكبر عاطل لا حليّ لها ولا زينة.

فقال عبد الملك: ما أراك إلّا وقد فضّلت الكوفة.

وكان عمر بن الخطّاب يكتب: إلى سيّد الأمصار وجمجمة العرب يعني الكوفة.

وكان عبد الله بن عمر يقول: يا أهل الكوفة أنتم أسعد الناس بالمهديّ.

وقال أمير المؤمنين للكوفة: ويحك يا كوفة وأختك البصرة كأني بكما تمدّان مدّ الأديم، وتعركان عرك العكاظيّ، إلّا أني أعلم فيما أعلمني الله ﷿ أنه ما

أراد بكما جبّار سوءا إلّا ابتلاه الله بشاغل.

وكان محمّد بن عمير بن عطارد يقول: الكوفة سفلت عن الشام ووبائها، وارتفعت عن البصرة وعمقها، فهي مريئة مريعة بريّة بحريّة، إذا أتتنا الشمال هبّت مسيرة شهر على مثل رضراض الكافور، وإذا هبّت الجنوب جاءتنا بريح السواد، وورده، وياسمينه وخيريّه وأترجّه، ماؤنا عذب، ومحتشّنا خصب.

وكتب إليهم عمر بن الخطّاب: أني اختبرتكم فأحببت النزول بين أظهركم، لما أعرف من حكم الله ولرسوله، وقد بعثت إليكم عمّار بن ياسر أميرا، وعبد الله بن مسعود مؤذّنا ووزيرا، وهما من النجباء من أهل بدر، فخذوا عنهما واقتدوا بهما، وقد آثرتكم بعبد الله بن مسعود على نفسي.

وكان زياد يقول: الكوفة جارية حسناء، تصنّع لزوجها فكلّما رآها يسرّ بها.

قالوا: ولنا فتوح وأيّام، فمن فتوحنا: الحيرة، وبانقيا، والفلّوجتين، ونستر، وبغداد، وعين التّمر، ودومة، والأنبار، وما فتحوا مع خالد بن الوليد في مسيرهم إلى الشام: المصيّح، وحصيد، وبشر، وقراقر، وسوى، وأراك، وتدمر، ثم شاركوا أهل الشام في بصرى ودمشق، هذا كلّه في خلافة أبي بكر، ثم كان من آثارهم في خلافة عمر: يوم جسر أبي عبيد، ويوم مهران، ويوم القادسيّة، ويوم المدائن وجلولاء وحلوان، هذا كلّه قبل أن ينزلوا الكوفة، ثم نزلوها ففتحوا الموصل، وآذربيجان، وتستر، وماسبدان، ورامهرمز، وجرجان، والدّينور، ولهم مع أهل البصرة نهاوند، ولهم بعض الريّ، وبعض إصبهان، ولهم طميس ونامية من طبرستان، ونزل الكوفة من الخلفاء والأئمّة عليّ والحسن ﵇، ومن الملوك والخلفاء معاوية، وعبد الملك، وأبو العبّاس، وأبو جعفر المنصور،

والمهديّ، وهارون الرشيد، وكان بها عمّال العراق والدعوة لهم في العطاء قبل أهل البصرة عدّة أهل الكوفة ثمانون ألفا، ومقاتلتهم أربعون ألفا، وكان زياد يقول: أهل الكوفة أكثر طعاما، وأهل البصرة أكثر دراهم.

وقال الأحنف بن قيس: نزل أهل الكوفة في منازل كسرى بن هرمز بين الجنان الملتفّة والمياه الغزيرة والأنهار المطّردة، تأتيهم ثمارهم غضّة لم تخضد ولم تفسد، ونزلنا أرضا هشّاشة في طرف فلاة، وطرف ملح أجاج في سبخة نشّاشة، لا يجفّ ثراها، ولا ينبت مرعاها، يأتينا ما يأتينا في مثل مريء النّعامة.

قال: ولمّا ظهر أمير المؤمنين ﵇ على أهل البصرة قال أعشى همدان:

اكسع البصريّ إن لاقيتهإنّما يكسع من قلّ وذلّ
واجعل الكوفيّ في الخيل ولاتجعل البصريّ إلّا في النّفل
للشاعر أعشى همدان، اقرأ القصيدة
وإذا فاخرتمونا فاذكرواما فعلنا بكم يوم الجمل
بين شيخ خاضب عثنونهوفتى أبيض وضّاح رفل
للشاعر أعشى همدان، اقرأ القصيدة
جاءنا يخطر في سابغةفذبحناه ضحى ذبح الحمل
وعفونا فنسيتم عفوناوكفرتم نعمة الله الأجلّ
للشاعر أعشى همدان، اقرأ القصيدة

وقال فطر بن خليفة: نازعني قتادة في الكوفة والبصرة فقلت: دخل الكوفة سبعون بدريّا، ودخل البصرة عتبة بن غزوان فسكت.

وقال أمير المؤمنين: قبّة الإسلام الكوفة، والهجرة بالمدينة، والأبدال بالشام، والنجباء بمصر وهم قليل.

وقالوا: من نزل الكوفة فلم يقرّ لهم بفضل ثلاث، فليست له بدار: بفضل ماء الفرات، ورطب المشان، وفضل أمير المؤمنين عليّ ﵇ ومن نزل البصرة. فلم يقرّ لهم بثلاث فليست له بدار: بفضل عثمان، وفضل الحسن البصريّ ورطب الأزاذ.

قالوا: ومن أسخياء الكوفة: هلال بن عتّاب، وأسماء بن خارجة، وعكرمة بن ربعيّ الفيّاض، ومن فتيانها: خالد بن عتاب، وأبو سفيان بن عروة بن المغيرة بن شعبة، وعمرو بن محمّد بن حمزة.

وقال سعيد بن مسعود المازنيّ لسليمان بن عبد الملك: منّا أحلم الناس:

الأحنف، وأحملهم بحمالة: إياس بن قتادة، وأسخاهم: طلحة بن عبد الله بن خلف، وأشجعهم عبّاد بن حصين والحريش، وأعبدهم: عامر بن عبد قيس.

فقال نظّار الكوفة: منّا أشجع الناس الأشتر، وأسخاهم: خالد بن عتّاب، وأحملهم: عكرمة الفيّاض، وأعبدهم: عمرو بن عتبة بن فرقد.

وقالوا جميعا: إذا كان علم الرجل حجازيّا وطاعته شاميّا وسخاؤه كوفيّا فقد كمل.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البلدان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.