من «البلدان» لابن الفقيه الهمذاني (ت نحو ٣٤٠هـ)
افتخار الكوفيّين والبصريّين
قال: اجتمع عند أبي العبّاس أمير المؤمنين عدّة من بني عليّ، وعدّة من بني العبّاس، وفيهم بصريّون وكوفيّون منهم: أبو بكر الهذليّ وكان بصريّا، وابن عيّاش وكان كوفيّا، فقال أبو العبّاس: تناظروا حتى نعرف لمن الفضل منكم.
قال بعض بني عليّ: إن أهل البصرة قاتلوا عليّا يوم الجمل، وشقّوا عصا المسلمين.
قال أبو العبّاس: ما تقول يا أبا بكر؟
قال: معاذ الله أن يجهل أهل البصرة، إنما كانت شرذمة منها شذّت عن سبل
المنهج، واستحوذ عليها الشيطان، وفي كلّ قوم صالح وطالح فأما أهل البصرة فهم أكثر أموالا وأولادا، وأطوع للسلطان، وأعرف برسوم الإسلام.
قال ابن عيّاش: نحن أعلم بالفتوح منكم، نحن نفينا كسرى عن البلاد وأبرنا جنوده وأبحنا ملكه وفتحنا الأقاليم، وإنما البصرة من العراق بمنزلة المثانة من الجسد، ينتهي إليها الماء بعد تغييره وفساده، مضغوطة قبل ظهرها بأخشن أحجار الحجاز وأقلّها خيرا، مضغوطة من فوقها ببطيحتها، وإن كانوا يستعذبون ماءهم، ولولا ذلك ما انتفعوا بالعيش، ومضغوطة بالبحر الأخضر من أسفلها ونحن قلّلناهم على وجه المعزاء، وبعثنا إليهم من جندنا ما كان منه قوامهم، وإنما أهل البصرة بمنزلة الرسل لنا، ومحلّ الكوفة محلّ اللهوات واللسان من الجسد، وموضعها على صدور الأرضين ينتهي إليها الماء ببرده وعذوبته، ويتفرق في بلادنا ويجوز بالعذبة الزكيّة الفرات ودجلة، والبصرة من العراق بمنزلة المثانة من الجسد.
قال أبو بكر: أنتم مع ما وصفت أكثر أنبياء وما لنا إلّا نبي واحد وهو محمّد صلّى الله عليه وعامّة أنبيائكم الحاكة.
فضحك أبو العبّاس حتى كاد يسقط عن السرير ثم قال: لله درّك يا أبا بكر.
فقال أبو بكر: وما رأيت الأنبياء مصلوبين إلّا ببلاد الكوفة.
فقال ابن عيّاش: عيّرت أهل الكوفة بثلاثة مجانين من السفلة ادّعوا النبوّة بالجنون، فصلبهم الله بالكوفة، فمن يعيّر به أهل البصرة من المدّعين للعقول والشرف والروايات للحديث كثيرا، وكلّهم يزعم أنه يهدي نفسه ويضلّها، والمتنبّئ بالجنون أيسر خطبا من ادّعاء الصحيح هدى نفسه وضلالها، فلقد ادّعوا الربوبيّة في قول بعضهم.
فقال أبو العبّاس: هذه بتلك أو أشدّ يا أبا بكر، فاعترض عليهم بعض العلويّة وهو الحسن بن زيد فقال: يا أبا بكر ما قاتلتم عليّا يوم الجمل؟ فقال:
بلى، قاتله شرذمة، وكفّ الله ﷿ أيدينا وسلاحنا عن قتله نظرا منه لنا، ثم
رجع إلى الكوفة فقتلوه وولده وولد ولده وبني عمّه. وأخرجوا الحسن بن عليّ بعد بيعتهم له حتى هرب منهم.
فقال ابن عيّاش: بل قصّر الله أيديكم بطول أيدي الكوفة وبنصرتهم عليكم، وكيف تعيّرنا بباطل رجل واحد منّا يبلغ بباطله ما عجز عنه عامّتكم، ولقد حدّثني أشياخ من النّخع أن أهل الكوفة كانوا يوم الجمل تسعة آلاف رجل مع أمير المؤمنين ﵇، وكان عليه ثلاثون ألفا مع طلحة والزبير وعائشة، فلمّا التقوا لم يكن أهل البصرة إلّا كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف.
فقال أبو بكر: ومتى كان أهل البصرة ثلاثين ألفا يقاتلون أمير المؤمنين ﵇ وقد اعتزلهم الأحنف بن قيس في سعد والرّباب، وقد دخلنا بعد ذلك الكوفة، فذبحنا بها ستّة آلاف رجل من أصحاب نبيّهم المختار، كما يذبح الحملان، سوى من هرب بعد أن جاء أسماء بن خارجة الفزاريّ ومحمّد بن الأشعث الكنديّ وشبث بن ربعيّ التميميّ، واستعانوا بأهل البصرة وشكوا إليهم المختار وأصحابه، وما قتل من رجالهم واستباح من حريمهم، فخرجنا مع مصعب بن الزّبير حتى قتلنا نبيّهم المختار، ومن قدرنا عليه من أصحابه وأعتقناهم من الرقّ، فلنا الفضل على أهل الكوفة، ولنا المنّة عليهم وعلى أعقابهم لو كانوا يشكرون.
قال ابن عيّاش: أتاكم أهل الكوفة يوم الجمل مع عليّ فقتلوكم، فأرى أهل الكوفة غالبين ومغلوبين على الحقّ، وأرى أهل البصرة غالبين ومغلوبين على الباطل.
فقال أبو العبّاس: يا أبا بكر دونك فإني أرى ابن عيّاش مفوّها جدلا.
قال أبو بكر: ما لهم بنا طاقة.
قال ابن عيّاش: لسنا في حرب فيرى مغالبنا، وإنما نحن في كلام، فأحسن الكلام أوضحه حجّة.
فقال الحسن بن زيد: يا أبا بكر لا تغالب أهل الكوفة ولا تفاخرهم، فإنهم أكثر فقهاء وأشرافا منكم.
فقال أبو بكر: معاذ الله أنّى يكون هذا وما كان فيهم شريف إلّا وفينا أشرف منه، وما كان في تميم الكوفة مثل الأحنف في تميم البصرة، ولا في عبد القيس الكوفة مثل الحكم بن الجارود في عبد القيس البصرة، ولا كان في بكر الكوفة مثل مالك بن مسمع في بكر البصرة، ولا كان في قيس الكوفة مثل قتيبة بن مسلم في قيس البصرة.
قال ابن عيّاش: زدنا يا أبا بكر إن وجدت مزيدا، فعندنا أضعاف ما ذكرت ومن أنت ذاكره إن شاء الله.
قال أبو بكر: كفى بهذا فخرا وعزّا وشرفا.
فقال ابن عيّاش: قطع بك يا أبا بكر، إنما أهل البصرة مثل نظام البعر المستوي واسطته درّة فهي فيهم مشهورة، وأهل الكوفة مثل نظيم الدرّ فواسطته منه لها أشباه كثيرة، ذكرت الأحنف في تميم البصرة وفي تميم الكوفة محمّد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس رهن قوسه عن جميع العرب، والنعمان ابن مقرّن صاحب النبيّ ﷺ، المقدّم على جميع جيوش المسلمين أيّام عمر بن الخطّاب، وحسّان بن المنذر بن ضرار من بيت ضبّة، وسيّدها عتّاب بن ورقاء جواد العرب، وشبث بن ربعيّ التميميّ قائد أهل البصرة وسائقهم مع مصعب بن الزبير، وعكرمة بن ربعيّ التميميّ الذي قيل فيه:
وعكرمة الفيّاض ربّ الفضائل
فهؤلاء سادة تميم الكوفة، والعجب لفخرك بمالك بن مسمع في بكر بن وائل على مصقلة بن هبيرة، وقد أقرّ بين يدي عليّ بن أبي طالب بشرفه وفضله، ومنهم خالد بن معمّر وشقيق بن ثور السّدوسيّ وسويد بن منجوف وحريث بن جابر والحصين بن المنذر ومحدوج المخزوميّ ويزيد بن رويم الشيبانيّ والقعقاع بن شور الذهليّ، وأما فخرك بقتيبة بن مسلم فما أنت وذاك، إنما هو
رجل من باهلة صنعه الحجّاج، والشرف من قيس في عامر بن صعصعة في بني لبيد بن ربيعة الشاعر جاهليّا وإسلاميّا، وإنما فخرت بواحد من مائة، ألا أنّي أجمل لك: أميرنا عليّ بن أبي طالب ومؤذّننا عبد الله بن مسعود وقاضيا شريح، فهات في أهل البصرة واحدا من هؤلاء الثلاثة.
قال أبو بكر: أميرنا عبد الله بن عبّاس.
قال ابن عيّاش: نحن بطانة عبد الله وظهارته وأنصاره وجنده عليكم، ونحن أحقّ به منكم.
فقال أبو بكر: فإن كان مؤذّنكم عبد الله بن مسعود فمنّا أنس بن مالك خادم النبيّ ﷺ.
فقال ابن عيّاش: وأين أنس من ابن مسعود فتقيسه به، ولقد نزل الكوفة سوى من سمّيت لك سبعون رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ، فنقيم لك واحدا بأنس، ثم نفتخر عليك بتسعة وستّين باقين.
فقال أبو بكر: فإن كان شريح قاضيكم ففينا الحسن البصريّ سيّد التابعين، وابن سيرين في فضلهما وفقههما.
فقال ابن عيّاش: إن عددت هذين وباهيت بهما، عددنا لك أويسا القرنيّ الذي يشفع في مثل ربيعة ومضر، وربيع بن خثيم، والأسود بن يزيد وعلقمة، ومسروقا، وهبيرة بن يريم، وأبا ميسرة، وسعيد بن جبير، والحارث الأعور صاحب عليّ بن أبي طالب وراويته، وأين أنت عمّن لم تر عينك مثله في زمانه من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه، ولا أحفظ لما سمع، ولا أفقه في الدين، ولا أصدق في الحديث، ولا أعرف بمغازي النبيّ صلّى الله عليه وأيّام العرب وحدود الإسلام والفرائض والغريب والشعر، ولا أوصف لكل أمر من عامر بن شراحيل الشّعبيّ؟
فقال كلّ من حضر: لقد كان كذلك، وبالكوفة بيوتات العرب الأربعة:
فحاجب بن زرارة بيت تميم، وآل زيد بيت قيس، وآل ذي الجدّين بيت ربيعة، وآل قيس ابن معدي كرب الزّبيديّ بيت اليمن. وبالكوفة فرسان العرب الأربعة في
الجاهليّة والإسلام: عمرو بن معدي كرب، والعبّاس بن مرداس السّلميّ، وطليحة بن خويلد الأسديّ، وأبو محجن الثقفيّ، وأهل الكوفة جند سعد بن أبي وقّاص يوم القادسيّة، وأصحاب الجمل، وصفّين، وخانقين، وجلولاء، ونهاوند، وفرسانهم المعدودون في الإسلام: مالك بن الحارث الأشتر النخعيّ، وسعد بن قيس الهمذانيّ، وعروة بن زيد الطائيّ صاحب وقعة الديلم، وعبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث الكنديّ.
فقال أبو بكر: هذا الذي سلب الحسين بن عليّ قطيفة فسمّاه أهل الكوفة عبد الرحمن قطيفة، فقد كان ينبغي أن لا تذكره. فضحك أبو العبّاس من قول أبي بكر.
فقال ابن عيّاش: والذي سار تحت لوائه أهل الكوفة والبصرة وجماعة أهل العراق وبالكوفة من أحياء العرب بأسرهم ما ليس بالبصرة منهم إلّا أهل بيت واحد وهم الذين يقول فيهم عليّ بن أبي طالب: لو كنت بوّابا على باب جنّة لقلت لهمدان ادخلي بسلام فقال أبو بكر: فهل فيمن سمّيت أحد إلّا قاتل الحسين بن عليّ، وأهل بيته أو خذلهم أو سلبهم وأوطأ الخيل صدورهم؟
فقال ابن عيّاش: تركت الفخر وأقبلت على التعيير، أنتم قتلتم أباه عليّ بن أبي طالب، فأما أهل الكوفة فكان منهم مع الحسين يوم قتل أربعون رجلا، وإنما كان معه سبعون رجلا فماتوا كلّهم دونه وقتل كلّ واحد منهم عدوّة قبل أن يقتل.
فقال أبو بكر: إن أهل الكوفة قطعوا الرحم ووصلوا المثانة، كتبوا إلى الحسين بن عليّ إنّا معك مائة ألف وغرّوه حتى إذا جاء خرجوا إليه فقتلوه وأهل بيته صغيرهم وكبيرهم، ثم ذهبوا يطلبون دمه، فهل سمع السامعون بمثل هذا؟
فقال ابن عيّاش: ومن أهل الكوفة أبو عبد الله الجدليّ الذي صار ناصرا
لبني هاشم حين حصرهم ابن الزبير، وكتب ابن الحنفيّة يستنصرهم فسار في عدّة ممّن كان مع ابن الزبير حتى صيّر الله بني هاشم حيث أحبّوا فهل كان فيهم بصريّ؟
فنهض أبو العبّاس وهو يقول: الكوفة بلاد الأدب ووجه العراق ومبزغ أهلّة وعليها الجحاش وهي غاية الطالب، ومنزل خيار الصحابة وأهل الشرف، وأن أهل البصرة لأشبه الناس بهم ثم قام.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع