تجاوز إلى المحتوى

من «البلدان» لابن الفقيه الهمذاني (ت نحو ٣٤٠هـ)

ذكر الخورنق

قالوا: ومن البناء المذكور الأبلق الفرد، وباليمن غمدان، وهو قصر من أعجب ما بنته الملوك، وقد ذكرنا خبره. وقصر نباج بناه الأخنس بن شهاب، والهرمان بمصر والإسكندرية ومنارتها، ومنف مدينة فرعون، وملعب فامية بحمص، وتدمر بالشام، وإيوان أنوشروان ومأرب وشبديز والخورنق بظهر الكوفة. وكان الذي بناه النعمان بن امرئ القيس، وهو ابن الشّقيقة بنت أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان فارس حليمة، ملك ثمانين سنة وبنى الخورنق في ستّين سنة، بناه له رجل روميّ. يقال له سنمّار، وكان يبني السنتين والثلاثة ثم يغيب الخمس سنين، فيطلب فلا يوجد، ثم يأتي فيبني كذلك حتى أتت عليه ستّون سنة وفرغ من الخورنق، فصعده النعمان على دابّته فنظر إلى البحر تجاهه والبرّ خلفه، ورأى الحوت والضبّ والظبي والطير والظليم والنخل والزرع فقال: ما رأيت مثل هذا البناء قطّ، فقال له سنمّار: أما أني أعلم موضع آجرّة لو زالت زال هذا القصر كلّه. فقال له النعمان: أيعرفها أحد غيرك؟ قال: لا. قال: لا جرم لأدعنّها لا يعرفها أحد، ثم أمر فقذف سنمّار من فوق القصر فتقطّع، فضربت العرب به المثل فتقول: جازاني جزاء سنمّار، فقال الشاعر:

جزاني جزاه الله شرّ جزائهجزاء سنمار وما كان ذا ذنب
للشاعر عبد العزى بن امرئ القيس، اقرأ القصيدة
سوى رمّه البنيان ستّين حجّةيعلّي عليه بالقراميد والسّكب
فلمّا رأى البنيان تمّ سحوقهوآض كمثل الطّود ذي الباذخ الصّعب
وظنّ سنمّار به كلّ خيرةوفوز لديه بالمودّة والقرب
فقال: أقذفوا بالعلج من فوق رأسهفهذا لعمر الله من أعجب الخطب

وكان النعمان غزا الشام مرارا وأكثر المصائب في أهلها وسباهم، وكان من أشدّ الملوك نكاية، فجلس ذات يوم في مجلسه من الخورنق فأشرف على النّجف وما يليه من البساتين والنخل والجنان والأنهار ممّا يلي المغرب، وعلى الفرات ممّا يلي المشرق، والخورنق قصر بحذاء الفرات، يدور عليه في عاقول كالخندق، فأعجبه ما رأى من الخضرة والنور والأنهار والزهر، فقال لوزيره: رأيت مثل هذا المنظر؟ قال: لا، لو كان يدوم. قال: وما الذي يدوم؟ قال: ما عند الله في الآخرة. قال: فبم ينال؟ قال: بتركك الدنيا وتعبد الله، وتلتمس ما عنده، فترك ملكه من ليلته ولبس مسوحه وخرج هاربا لا يعلم به أحد، وأصبح الناس لا يعلمون بحاله فحضروا بابه فلم يؤذن لهم ثلاثة، أيّام، فلمّا أبطأ الأذن سألوا عنه فلم يجدوه، ففي ذلك يقول عديّ بن زيد:

وتبيّن ربّ الخورنق إذ أشرف يوما وللهدى تفكير
سرّه حاله وكثرة ما يملك والبحر معرضا والسّدير
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «وتفكر رب الخورنقِ إِذ أش»
فارعوى قلبه وقال وما غبطة حيّ إلى الممات يصير
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
ثم صاروا كأنّهم ورق جفّ فألوت به الصّبا والدّبور
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «وتفكر رب الخورنقِ إِذ أش»

وسمّي السّدير لأن العرب نظرت إلى سواد النخل فسدرت أعينهم أي تحيّرت فقالوا: ما هذا إلّا سدير.

وقال الكلبيّ: أوّل من بنى الخورنق بهرام جور بن يزدجرد بن سابور ذي الأكتاف، وذلك أن يزدجرد كان لا يبقى له ولد، وكان بهرام أصابه جن في صغره، فسأل عن منزل مريء صحيح من الأدواء فقالت الأطبّاء: لا يبرأ حتى تخرجه من أرضك إلى بلاد العرب، ويسقى أبوال الإبل وألبانها، فوجّهه يزدجرد إلى النعمان وأمر ببناء الخورنق مسكنا له ليعالج فيه، فعولج فبرأ، فكان بهرام يكرم العرب ويركب الإبل وهو في الصّور التي تصوّرها العجم في أوانيها وبسطها وفرشها راكب بعيرا أبدا.

وقال الهيثم بن عديّ: لم يقدم الكوفة أحد إلّا أحدث في هذا القصر شيئا، يعني الخورنق، فلمّا قدمه الضحّاك بن قيس بناه وعمره، فدخل عليه شريح القاضي فقال: أبا أميّة أرأيت بناء قطّ أحسن منه؟ قال، نعم، قال: كذبت وأيّ بناء رأيته أحسن منه؟ قال: السماء. قال: وعن السماء سألتك أقسم لتسبّنّ أبا تراب.

قال: لا أفعل. قال: ولم؟ قال: لأنّا نعظّم أحياء قريش، ولا نسبّ موتاها، قال:

جزاك الله خيرا.

وأنشد لعليّ بن محمّد العلويّ:

كم وقفة لك بالخورنق لا توازى بالمواقف
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة
بين السّدير إلى الغدير إلى ديارات الأساقف
فمدارج الرّهبان فيأطمار خائفة وخائف
دمن كأنّ رسومهايكسين أعلام المطارف
وكأنّما غدرانهامنها عشور من مصاحف
وكأنّما أنوارهاتهتزّ بالرّيح العواصف
يلقى أواخرها أوائلها بألوان الرفارف
بحريّة شتواتهابرّيّة منها المصايف
درّيّة الحصباء كافوريّة منها المشارف
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البلدان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.