من «البلدان» لابن الفقيه الهمذاني (ت نحو ٣٤٠هـ)
قصّة الغريّين
وبها الغريّان بناهما المنذر بن امرئ القيس، وهو ابن ماء السماء، وكان سبب ذلك أنه كان له نديمان من بني أسد خالد بن نضلة وعمرو بن مسعود وأنهما
ثملا من النبيذ ليلة فرادّا الملك بعض الكلام فأمر فحفر لهما حفيرتان، بجانب البئر بظهر الكوفة فدفنا فيه حيّين وفيهما يقول الشاعر:
ألا بكّر الناعي بخيري بني أسدبعمرو بن مسعود وبالسّيّد الصّمد
يعني خالد بن نضلة، وأمر ببناء طربالين عليهما وهما صومعتان، وجعل لهما في السنة يومين: يوم بؤس ويوم نعيم، فيذبح في يوم بؤسه كلّ من يلقاه، ويغرو بدمه الطربالين ما كان من شيء آدميّ أو وحشيّ، وفي يوم بؤسه قتل عبيد بن الأبرص الأسديّ الشاعر، وكان أوّل من أشرف عليه في يوم بؤسه، فقال له المنذر: هلّا كان الذبح لغيرك يا عبيد، فقال عبيد: أتتك بحائن رجلاه فأرسلها مثلا، فقال المنذر: أجلّ بلغ أناه، فقال له المنذر: أنشدني. فقال: حال الجريض دون القريض، وبلغ الحزام الطّبيين، فأرسلهما مثلا فقال المنذر: أسمعني. فقال:
عبيد المنايا على الحوايا، فأرسلها مثلا. فقال له بعض أصحاب الملك: أنشده هبلتك أمّك. فقال عبيد: وما قول قائل مقتول، فأرسلها مثلا. فقال له آخر: ما أشدّ جزعك من الموت. قال: لا يرحل رحلك من ليس معك، فأرسلها مثلا، أي لا تدخل في أمرك من لا يهتمّ بك. قال المنذر: قد أمللتني فأرحني، قال عبيد:
من عزّ بزّ، فأرسلها مثلا ثم قتله. وكان سبب تركه لهذين اليومين رجل من طيّء يقال له حنظلة، همّ بقتله فتكفّل به شريك بن عمرو بن شراحيل أبو الحوفزان على أن يرجع إلى أهله ويصلح حالهم، ثم يعود إليه فانقضت السنة ولم يرجع حنظلة فهمّ الملك بشريك، فلمّا وضع السيف على عنق شريك فإذا بحنظلة قد أقبل متحنّطا متكفّنا، فلمّا رآه المنذر عجب من وفائهما فخلّى عنهما وأبطل السّنّة، وقال: لا أكون الأم الثلاثة.
والغريّ في اللغة ما يبس عليه الدم من صنم وغيره. ولمّا دخل معن بن زائدة الكوفة رأى الغريين قد انهدما فأنشأ يقول:
لو كان شيء مقيما لا يبيد علىطول الزمان لما باد الغريّان
قد فرّق الدهر والأيّام بينهماوكلّ إلف إلى بين وهجران
قالوا: وبالكوفة الحيرة البيضاء، وكانت الملوك تنزلها قبل أن بنيت الكوفة لطيب هوائها وفضلها على سائر المواضع، وإنما سمّيت الحيرة لأن تبّعا لمّا سار إلى موضع الحيرة. أخطأ الطريق وتحيّر هو وأصحابه فسمّيت الحيرة وأوّل من نزل من العرب الحيرة جذيمة الأبرش، ويقال: بل أوّل ملوكها مالك بن فهم بن غنم بن دوس من الأزد. وقال ابن عيينة: سمعت ابن شبرمة يقول: يوم وليلة بالحيرة خير من دواء سنة، وكان ابن كناسة ينشد:
فإنّ بها لو تعلمين أصائلاوليلا رقيقا مثل حاشية البرد
قال: وكان أوّل من ملك منهم في زمن ملوك الطوائف مالك بن فهم، وكان منزله فيما يلي الأنبار، ثم مات فملك أخوه جذيمة الأبرش، وكان من أفضل ملوك العرب رأيا، وأبعدهم مغارا، وأشدّهم نكاية، وأظهرهم حزما، وصار الملك من بعده في ابن أخته عمرو بن عديّ، وهو أوّل من اتّخذ الحيرة منزلا من ملوك العراق، وهم ملوك آل نصر: إليه ينسبون ثم غلب على الأمر أردشير بن بابك في أهل فارس.
قالوا: وسوق يوسف بالحيرة نسب إلى يوسف بن عمرو بن محمّد بن الحكم بن عقيل الثقفيّ ابن عمّ الحجّاج بن يوسف وحمّام أعين نسب إلى أعين مولى سعد بن أبي وقّاص.
وشهار سوج معناه شهار طاق بجلة بالكوفة نسب إلى قبيلة بجلة، وهم ولد مالك بن ثعلبة وبجلة أمّهم وغالبتهم على نسبهم، ونسبوا إليها وغلط الناس فقالوا بجيلة.
وجبّانة عرزم منسوبة إلى رجل كان يلبّن فيها، ولبنها رديّ فيه قصب وخرق، فربّما أصابها شظيّة من نار فاحترقت الحيطان.
وزرارة نسبت إلى زرارة بن يزيد بن عمرو بن عدس من بني البكّاء، وكانت منزله فأخذها معاوية بن أبي سفيان. ودار حكيم بالكوفة في أصحاب الأنماط نسبت إلى حكيم بن سعد بن ثور البكّائيّ.
وقصر مقاتل نسب إلى مقاتل بن حسّان بن ثعلبة.
والسّوّاريّة بالكوفة نسبت إلى سوّار بن زيد العباديّ الشاعر.
وقرية أبي صلابة التي على الفرات نسبت إلى أبي صلابة بن مالك بن طارق العبديّ.
وأقساس مالك تنسب إلى مالك بن قيس.
ودير الأعور منسوب إلى رجل من إياد من بني أميّة بن حذاقة.
ودير قرّة ينسب إلى قرّة أحد بني أميّة بن حذاقة، وإليهم نسب دير السّوا والسّوا العدل.
ودير الجماجم دير لإياد، وكان بين حيّين منهم قتال، وهم: بنو بهراء بن الحاف بن قضاعة، وبين بني القين بن جسر بن شيع الله بن وبرة، فقتل منهم خلق، فلمّا انقضت الوقعة دفنوا قتلاهم عند الدير، فكان بعد ذلك إذا حفروا فيه لبعض أمورهم وجدوا جماجم فيخرجونها فسمّي دير الجماجم.
ويقال أيضا: إن دير كعب لإياد أيضا.
ودير هند لأمّ عمرو بن هند.
ودار قمام نسب إلى قمام بنت الحارث بن هانئ الكنديّ وهو عند دار الأشعث بن قيس.
وبيعة عديّ نسبت إلى بني عديّ بن الدّميل من لخم.
وكانت طيزناباذ تدعى ضيزناباذ منسوبة إلى ضيزن بن معاوية بن العبيد السّليحيّ.
ومسجد سماك بالكوفة منسوب إلى سماك بن مخزمة بن حمين الأسديّ.
وبها محلّة بني شيطان منسوبة إلى شيطان بن زهير من زيد مناة بن تميم.
ورحا عمارة نسبت إلى عمارة بن عقبة بن أبي معيط.
وجبّانة سالم نسبت إلى سالم بن عمّار من بكر بن هوازن.
وصحراء البردخت نسبت إلى البردخت الشاعر الضبّيّ.
ومسجد بني عنز ينسب إلى بني عنز بن وائل بن قاسط.
ومسجد بني جذيمة.
وقصر العدسيّين في طرف الحيرة لبني عمّار بن عبد المسيح نسبوا إلى جدّتهم عدسة بنت مالك بن عوف الكلبيّ.
وسكّة البريد اليوم بالكوفة كانت بيعة لأمّ خالد بن عبد الله القسريّ.
ونهر الجامع من حفر خالد وقصر خالد معروف هناك.
وسوق أسد منسوب إلى أخيه أسد بن عبد الله القسري.
وقنطرة الكوفة أحدثها عمر بن هبيرة وأصلحها خالد بن عبد الله القسريّ.
وقصر يزيد بن عمر بن هبيرة بالقرب من جسر سورا.
والمدينة الهاشميّة التي بناها أبو العبّاس بحيالها وكان نزلها، ثم اختار نزول الأنبار فبنى فيها مدينتها المعروفة به، فلمّا استخلف المنصور نزل المدينة الهاشميّة بالكوفة، واستتمّ بناءها وزاد فيها، ثم تحوّل منها إلى بغداذ فبنى مدينته ومصّر بغداذ، وسمّاها مدينة السلام.
وبنى المنصور بالكوفة الرّصافة، وأمر أبا الخصيب مرزوقا مولاه فبنى له القصر المعروف بأبي الخصيب على أساس قديم له، ويقال بل بناه لنفسه.
وأما الخورنق فقد أتمّ بناءه النعمان لبهرام جور.
وجبّانة ميمون نسبت إلى ميمون مولى محمّد بن عليّ بن عبد الله وهو أبو بشر بن ميمون صاحب الطاقات ببغداذ بالقرب من باب الشام.
وصحراء أمّ سلمة نسبت إلى أمّ سلمة بنت يعقوب بن سلمة بن عبد الله امرأة أبي العبّاس أمير المؤمنين.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع