تجاوز إلى المحتوى

من «البلدان» لابن الفقيه الهمذاني (ت نحو ٣٤٠هـ)

ذكر بعض مدن الأتراك وعجائبها

قال سعيد بن الحسن السمرقندي: منهم بادية يحلون ويرتحلون وينتجعون الغيث ويتبعون الكلأ كما تفعل البوادي في بلد الإسلام. وهم لا يدينون لملك ولا يعطون طاعة لأحد. يغير بعضهم على بعض فيسبون الحرم والذراري وربما فارق القوم منهم الحيّ الذي كانوا فيه وصاروا إلى حي آخر ومعهم من حرم أهل ذلك الحي الذين قد صاروا إليه وأولادهم قد استعبدوهم فلا يطالبونهم بهم، وهم ينظرون إليهم عبيدا لهم سنّة فيهم وشيء قد اصطلحوا عليه.

ولهم مدن كثيرة في بعضها تجار وأموال وفي جميعها أسواق.

فمنها مدينة التغزغز وهي أكبر مدائنهم وأحصنها ولها سور عظيم مبني بالصخر وله خندق دائر به، فيه ماء غزير، وأهلها لهم شدة وإقدام في الحرب وأكثر سلاحهم السيوف.

ومن مدنهم أيضا مدينة يقال لها حيوس تقرب من الشاش وهي كبيرة أيضا وأهلها بغير دين وهم شرار خلق الله يغير بعضهم على بعض ويقتل أقدرهم

ضعيفهم ولا يأمن الأخ أخاه ولا الوالد أبناءه. يأكلون جميع الحيوانات. الزنى فيهم ظاهر، يدخل الواحد منهم إلى منزل الآخر فيفترش حرمته وهو ينظر إليه لا يمتعض من ذلك ولا ينكره. وليست لهم شجاعة وفيهم جمال وأكثر رجالهم مؤنثون ويشربون الدم. وفي وسط مدينتهم بحيرة غزيرة الماء إذا مات الواحد منهم ألقي فيها.

ومن مدنهم أيضا مدينة يقال لها دي، لا يقول أهلها بالحرب بل يؤدون الاتاوة إلى كل من غلبت يده عليهم وينكحون كل ما لحقوه من امرأة أو غلام أو حيوان.

ومن مدنهم مدينة يقال لها سور يقاتل أهلها أهل الشاش وأهل سمرقند، ولهم بأس شديد ونكاية عظيمة ولهم أوصاف يعرفون بها في الحرب ولا تكاد تخطئ. وفي رجالهم جمال وفي نسائهم قبح. وهم ينكرون الزنى ويقتلون من يفعله من الذكر والأنثى. ولهم نبيذ يتخذونه من عقاقير يعرفونها، يسكر الرطل الواحد بالبغدادي منه سكرا مفرطا.

ومن مدنهم مدينة يقال لها جريسم أكثر غارة أهلها على المدينة التي يقال لها سور، وإذا أسروا من أهلها إنسانا قطعوه وطبخوه وأكلوه وهم همج لا يكاد بعضهم يفقه قولا ولا يعرف شيئا. وإذا خلا القوي منهم بالضعيف نكحه ولهم أيضا بأس شديد.

ومن مدنهم أيضا مدينة يقال لها اغرس أهلها قد خالفوا جميع الأتراك باعتدال الطبع وسلامة الناحية. يأكلون لحم أكثر الحيوان بعد الذبح ويعبدون أوثانا لهم. وفيهم علماء بمذهبهم، ولا يرون الزنى ويجتنبون الفواحش، ولهم بيت عبادة مفرط الطول والعرض والارتفاع يزعمون أنه نزل من السماء على هيئته التي هو عليها. ويقولون: إنما نعبد الأوثان لتقربنا إلى الله وتشفع لنا عنده لأنها بغير ذنوب. ولهم ملك منهم.

ومن مدنهم مدينة يقال لها كرشيم يأكل أهلها كلما دبّ على وجه الأرض بغير تذكية ولهم إقدام وصولة. وهم عراة كالبهائم يلقى الرجل المرأة في الطريق فيجامعها والناس ينظرون إليه. وهم أصحاب بيات وأكثر قتالهم بالنشاب المسموم ولا يعطون طاعة لأحد.

ومن مدنهم مدينة يقال لها دكس، لأهلها بأس شديد وصبر على القتل.

وبعضهم شديد الحب لبعض وغنيهم يعود على فقيرهم. ولهم يسار ظاهر من المواشي والخيل وغير ذلك. ومنهم تجار يخرجون إلى بلد الإسلام. ولهم وفاء

بالعهد إذا عاهدوا منهم دون جاره أو من يعرفه من غير بلده، إلّا أن الزنى عندهم غير مستنكر. ومدينتهم كثيرة الخير غزيرة المياه والبساتين ولهم ضروب من الفاكهة عجيبة لا تعرف في بلد الإسلام.

ومنهم مدينة يقال لها كيساه تقرب من بلد الخزر فأهلها يعزون على الخزر، وهم من شر خلق الله، إذا دخل الغريب مدينتهم نكحوه. وإذا وجدوا رجلا مع غلام جعلوا الغلام له أبدا. وفي بلدهم ضرب من الحيوان يأكل الناس يكون في قدر الكلب إلّا أنه شديد الضراوة على الناس قلّ من يفلت منه إذا نظر إليه سريع الخطو يسبق الخيل المضمرة. ولهم نبيذ أبيض طيب الرائحة والطعم.

يأكلون الميتة والدم مثل السباع. قليلة رحمتهم، لئام الظفر قباح الوجوه قصار الأجسام.

ومن مدنهم مدينة يقال لها داني رجالها طوال ونساؤها قصار ومدينتهم

بين الخزر والروم فهم يقاتلون هؤلاء وهؤلاء. ولهم قوة على الخزر ولا قوّة على الروم. يأكلون جميع الحيوان ويلحسون جراحاتهم ويقاتلون بالسيوف ولا صبر لهم على النشاب. يتزوج الرجل منهم بمائة امرأة وربما ذبح الواحد منهم امرأته وولده بحضرة أبي المرأة وأمها وإخوتها وأكلها هو وهم. ولهم جبل فيه ضرب من الحيات لا يبلّ سليمها. ولهم عقارب مفرطة العظم كثيرة في منازلهم ليست تنال ربما أكلوها. وعندهم خفاش يكون الواحد منهم مثل الحمامة الكبيرة وأعظم.

ومن مدنهم مدينة يقال لها سكوب وأهلها يتكلمون بالسريانية ولهم شجاعة وإقدام ونساؤهم يقاتلن معهم قتالا شديدا. والزنى في نسائهم طبع مركب، تنظر الواحدة منهن إلى الرجل الذي تشتهيه فتقبض عليه ولا يملك شيئا من نفسه وتمضي به إلى جبل بالقرب من المدينة فيه غيران وكهوف فتجعله في بعض تلك الغيران ولا يسهل له الخروج. وتجيؤه بجميع ما يحتاج إليه. ولا يجوز لزوج- إن كان لها- أو أخ أو ولد منعها من ذلك. وكذا الرجل لا يمكنه الخلاص من يدها إن كانت امرأة أو ولدا وغير ذلك من الأهل. فمتى يأبى عليها قتلته. وكذلك [إن] منعها منه مانع، استنجدت من النساء اللواتي على مذهبها فقاتلن معها حتى يبلغن لها ما تريد لأنهن على مذهب واحد فبعضهن بعضا. فإذا ضجرت منه أو ملّته أو هويت سواه صرفته إلى منزله ثم لم يقدرها غيرها على أن يقتطعه لأنها تمنع من ذلك كان معها أو لم يكن.

ولهذه المدينة حمّة عجيبة النفع تخرج من كهف في جبل شاهق لا يصل إنسان إلى الكهف الذي هي فيه، وإنما تجري فيه إلى عشرة أبيات مبنية بالصخر:

سبعة للرجال، وثلاثة للنساء. ماؤها في الشتاء شديد الحر وينقص حره في الصيف. وفي هذا الجبل ثعالب سود وحمر وبلق قلّ ما يصطاد شيء منها لتغلغلها بين الشجر وقلة نزولها إلى السهل. وهي أصبر الحيوان على الثلج وكذلك جميع ما في هذا الجبل لأن الثلج يقع فيه أكثر السنة.

ولهم مدن كثيرة ولم نذكرها ومدن ما وصل إليها إنسان من المسلمين ولا غيرهم يجيؤنا بصحة خبرها لأنها واغلة في المشرق لا يبلغها أحد ولا يقصدها تاجر ولا غيره.

ألقاب ملوك خراسان والمشرق والترك والنواحي الملتصقة بهم:

ملك نيسابور: كيان.

ملك مرو: ماهويه.

ملك سرخس: راذويه.

ملك أبيورد: بهمنه.

ملك نسا: إيران.

ملك غرجستان: براز بنده.

ملك مرو الروذ: كيلان.

ملك زابلستان: فيروز.

ملك كابل: كابل شاه.

ملك الترمذ: ترمذ شاه.

ملك الباميان: شيرباميان.

ملك السغد: أخشيد.

ملك فرغانة: أيضا أخشيد.

ملك رويشان: رويشان شاه.

ملك الجوزجان: كوزكان خداه.

ملك خوارزم: خوارزم شاه.

ملك الحبش: حبش كيلان.

ملك بخارا: بخارا خداه.

ملك أسروشنة: أفشين.

ملك سمرقند: طرخون.

ملك سجستان وبلاد الداور: زنبيل.

ملك هراة وبوشنج وباذغيس: برازان.

ملك كش والرخج: نيرون.

ملك ما وراء النهر: شار شاه.

أما ملوك الترك: هيلوب خاقان. جبغون. خاقان شابه. خاقان سنجبر.

مايوس خاقان. فيروز خاقان.

ومن ملوكهم الصغار: طرخان ونيزك وجورتكين ويمرون وسهران وغورك.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البلدان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.