من «البلدان» لابن الفقيه الهمذاني (ت نحو ٣٤٠هـ)
منارة ذات الحوافر
وكان سنب بناء (ذات الحوافر) بهمذان وهي منارة عالية في رستاق يقال له ونجر بقرية يقال لها أسفجين.
/ وكان السبب في بنائها، أن شابور بن أردشير قال له منجّموه إن ملك هذا سيزول وإنك ستشقى أعواما كثيرة حتى تبلغ إلى حدّ الفقر والمسكنة، ثم يعود إليك الملك. قال: وما علامة رجوعه؟ قالوا: إذا أكلت من خبز الذهب على مائدة حديد، فذاك علامة رجوع ملكك. فاختر أن يكون ذلك في شبيبتك أو في كبرك.
قال فاختار أن يكون في شبيبته. وحدّوا له في ذلك حدّا، فلما بلغ الحدّ اعتزل ملكه ترفعه أرض وتخفضه أخرى إلى أن صار إلى هذه القرية، فتنكر وآجر نفسه من عظيم القرية. وكان معه جراب فيه تاجه وثيابه، فأودعه الرجل الذي آجره نفسه.
فكان يحرث له نهارا ويسقي زرعه ليلا. فإذا فرغ من سقي الزرع طرد الوحش عن الزرع حتى يصبح. فبقي على ذلك سنة. فرأى الرجل منه حذقا ونشاطا وأمانة في كل ما يأمره به. فرغب فيه الرجل واسترجحه فزوّجه بعض بناته. فلمّا حوّلها إليه كان شابور يعتزلها ولا يقربها. فلما أتى لذلك شهر، شكت إلى أبيها فاختلعها منه.
[وبقي شابور يعمل عنده. فلما كان بعد حول آخر سأله أن يتزوج ابنته الوسطى ووصف له جمالها وكمالها وعقلها فتزوجها. فلما حوّلها إليه كان شابور أيضا معتزلا لها ولا يقربها. فلما تمّ لها شهر سألها أبوها عن حالها مع زوجها فاختلعها منه].
فلما كان حول آخر وهو الثالث، سأله أن يتزوج ابنته الصغيرة. ووصف له جمالها وعقلها وكمالها. فتزوجها، فلما حوّلت إليه، كان شابور معتزلا لها لا
يقربها. فلما تم لها شهر، سألها أبوها عن حالها مع زوجها فأخبرته بأنها معه في أنعم عيش وأسره.
قال: ولما رأى شابور صبرها عليه وحسن خدمتها له، دنا منها فعلقت منه وولدت له ابنا.
فلمّا أتى على شابور أربع سنين، أحب الله أن يردّ ملكه عليه. فاتفق أن كان في القرية عرس اجتمع فيه رجالهم ونساؤهم. وكانت امرأة شابور تحمل طعامه إليه في كل يوم. ففي ذلك اليوم اشتغلت عنه إلى بعد العصر لم تحمل إليه شيئا ولا أصلحت له شيئا. فلما كان بعد العصر ذكرته فبادرت إلى منزلها وطلبت شيئا تحمله إليه فلم تجد إلّا رغيفا واحدا من جاورس، فحملته إليه وأدنته منه وهو يسقي الزرع وبينها وبينه ساقية ماء. فلما وصلت إليه لم تقدر على عبور الساقية.
فمدّ إليها سابور المرّ الذي كان يعمل به، فجعلت الرغيف عليه. فلما وضعه بين يديه وكسره وجده شديد الصفرة ورآه على الحديد فذكر قول المنجمين- وكانوا قد حدّدوا له الوقت- فتأمله فإذا هو قد انقضى. فقال للمرأة: اعلمي أيتها المرأة أني سابور، وقصّ عليها قصته ثم اغتسل في النهر وأخرج شعره من الرباط الذي كان قد ربطه عليه وقال لامرأته: قد تمّ أمري وزال شقائي. وصار إلى منزله وأمرها أن تخرج إليه الجراب الذي فيه تاجه وثيابه، فأخرجته إليه فلبس التاج وثياب الملك. فلما رآه أبو الجارية كفّر له وسجد بين يديه وحيّاه بتحية الملك.
قال: وكان سابور قد عهد إلى وزرائه وعرّفهم ما قد امتحن به من الشقاء وذهاب الملك وأنّ مدة ذلك كذا وكذا سنة، وبيّن لهم الموضع الذي يوافونه إليه عند انقضاء شقائه وزوال البلاء عنه وأعلمهم الساعة التي يقصدونه فيها. فأخذ مقرعة كانت معه ودفعها إلى أبي الجارية وقال له: علّق هذه على باب القرية واصعد السور وانظر ما ترى. ففعل ذلك وصبر ساعة ثم نزل فقال: أرى أيها الملك
خيلا كثيرة يتبع بعضها بعضا. فلم يكن أسرع من أن وافت الخيل شماطيط.
فكان الفارس إذا رأى مقرعة سابور، نزل عن دابته وسجد له، حتى اجتمع خلق من أصحابه ووزرائه، فجلس لهم ودخلوا إليه وحيّوه بتحية الملك. فلما كان بعد أيام جلس يحدث وزراءه فقال له بعضهم: سعدت أيها الملك وعمرت عمرا طويلا، أخبرنا ما الذي أفدته في طول هذه المدة؟ قال: ما استفدت إلّا بقرة واحدة. ثم أحضرها إليهم وقال: ها هي. فمن أراد إكرامي فليكرمها. فأقبل الوزراء والأساورة يلقون عليها ما عليهم من الثياب والحليّ وما معهم من الدراهم والدنانير حتى اجتمع من ذلك ما لا يحصى كثرة. ثم قال لأبي الجارية: دونك جميع هذا المال فخذه لابنتك.
وقال له وزير آخر: أيها الملك المظفر، فما أشدّ شيء مرّ عليك وأصعبه؟
قال: طرد الوحش بالليل عن الزرع، فإنها كانت تعييني وتسهرني وتبلغ مني فمن أراد سروري فليصطد لي منها ما قدر عليه لأبني من حوافرها بنية يبقى ذكرها على سائر الدهر ومرّ الليالي والأيام.
فتفرق القوم في صيدها. فصادوا منها ما لا يبلغه العدد. فكان يأمر بقلع حوافرها أولا أولا حتى اجتمع من ذلك مثل التل العظيم. فأحضر البنائين وأمرهم أن يبنوا من ذلك منارة عظيمة يكون ارتفاعها خمسين ذراعا في استدارة ثلاثين ذراعا، وأن يجعلوها مصمتة بالكلس والحجارة، ثم تركب الحوافر حولها نظما من أسفلها إلى أعلاها مسمرة بالمسامير الحديد. ففعل ذلك فصارت كأنها منارة من حوافر.
فلما فرغ صانعها من بنائها جلس شابور يتأملها فاستحسنها واستظرفها وقال للذي بناها- وهو عليها ما نزل عنها بعد-: هل كنت تقدر على بناء أحسن منها؟
قال: نعم. قال: فهل بنيت مثلها لأحد؟ قال: لا. قال: فإن أمرك بعض الملوك
بناء أحسن منها، هل في استطاعتك ذلك؟ قال: نعم. قال: والله لأتركنّك لا تبني لأحد مثلها ولا دونها ولا أحسن منها. ثم تركه عليها وانصرف هو وأصحابه سائرين.
وكانت هذه البني قد بناها في فلاة ليس بقربها أحد، وإنما عمرت القرية التي فيها بعد ذلك. فقال: أيها الملك، قد كنت أرجو منك الحباء والكرامة. فإن كنت لا بدّ قاتلي فلي حاجة ما على الملك فيها مشقة. قال: وما هي؟ قال: يأمر الملك أن أعطى خشبا لأعمل لنفسي مكانا أكون فيه حتى يأتيني الموت لئلا تمزقني العقبان والنسور وسائر طيور الجو وجوارحه. قال: أعطوه ما سأل. فأعطي خشبا- وكانت معه آلة النجارة- فعمل لنفسه أجنحة من خشب جعلها مثل الريش وضمّ بعضها إلى بعض. فلما كان في بعض الليالي- وكانت ليلة ذات ريح- شدّها على نفسه [وبسطها حتى] دخل الريح فيها فحملته حتى ألقته إلى الأرض صحيحا لم يصبه شيء. وهرب فلم يقدر عليه. واتصل خبره بسابور فقال: قاتله الله! ما كان أحكمه وأصنع كفيه.
قال: فالمنارة قائمة في هذه القرية إلى يومنا هذا مشهورة المكان. ولشعراء همذان وغيرهم فيها أشعار لم نكتب شيئا منها لركاكتها وقلة الجيد فيها.
وفي ذلك يقول بعضهم:
رأيت بناء الناس في كل بلدةفلم أر بنيانا كذات الحوافر
بناء عجيبا لم ير الناس مثلهولا سمعوه في الدهور الغوابر
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع