تجاوز إلى المحتوى

من «البلدان» لابن الفقيه الهمذاني (ت نحو ٣٤٠هـ)

مجاراة عبد القاهر والحسين بن أبي سرح في مدح همذان والعراق وذمّهما

وكان عبد القاهر بن حمزة الواسطي والحسين بن أبي سرح كثيرا ما يلتقيان فيتجاريان الآداب ويتذاكران العلوم. وكان عبد القاهر لا يزال يذم الجبل وهواءه وأهله وشتاءه، لأنه رجل من أهل العراق. وكان ابن أبي سرح مخالفا له، كثير الذم للعراق والطعن على أهله. فالتقيا يوما عند محمد بن إسحاق الفقيه. وكان يوما شاتيا صادق البرد كثير الثلج. وكان البرد قد بلغ إلى عبد القاهر. فلما دخل وسلم قال: لعن الله الجبل ولعن ساكنيه وخصّ الله همذان من اللعن بأوفره وأكثره. فما أكدر هواءها وأشدّ بردها وأذاها وأكثر مؤونتها وأقل خيرها. قد

سلّط الله عليها الزمهرير الذي يعذب به أهل جهنم، مع ما يحتاج الإنسان منها إليه من الدثار والمؤن المجحفة.

فوجوهكم يا أهل همذان متشققة، وأنوفكم سائلة، وأطرافكم خضرة، وثيابكم متّسخة وروائحكم قذرة، ولحاكم دخانية، وسبلكم منقطعة، والفقر عليكم ظاهر والمستور في بلدكم مهتوك. لأن شتاءكم يهدم الحيطان ويبرز الحصان ويفسد الطرق ويشعث الآطام. فطرقكم وحلة تتهافت فيها الدواب، وتقذر فيها الثياب وتتحطم الإبل وتنخسف فيها الآبار وتغيض المياه، وتكف السطوح وتهيج الرياح العواصف، وتكون فيها الزلازل والخسوف والرعود والبروق والثلوج والدمق. فتنقطع عند ذلك السبل ويكثر الموت وتضيق المعايش. فالناس في جبلكم هذا سائر أيام الشتاء يتوقعون العذاب ويخافون السخطة والعقاب، ثم يسمونه العدو المحاصر والكلب الكلب. ولذلك كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى بعض عمّاله: إنه قد أظلكم الشتاء وهو العدو المحاصر، فاستعدوا له الفراء واستنعلوا الحذاء. وقد قال الشاعر:

إذا جاء الشتاء فأدفئونيفإن الشيخ يهدمه الشتاء

فالشتاء يهدم الحيطان، فكيف الأبدان، لا سيما شتاؤكم الملعون؟

/ ثم فيكم أخلاق الفرس وجفاء العلوج وبخل أهل أصفهان ووقاحة أهل الري وفدامة أهل نهاوند وغلظ طبع أهل همذان. على أن بلدكم هذا أشدّ البلدان بردا وأكثرها ثلجا وأضيقها طرقا وأوعرها مسلكا وأفقرها أهلا.

وكان يقال: إن أبرد البلدان ثلاثة: برذعة وقاليقلا وخوارزم. وهذا قول من لم يدخل بلدكم ولم يشاهد شتاءكم. وقد حدثني أبو جعفر محمد بن إسحاق المكتّب قال: لما قدم عبد الله بن المبارك همذان، أوقدت بين يديه، فكان إذا سخن باطن كفّه أصاب ظاهرها البرد. وإذا سخن ظاهرها أصاب باطنها البرد، فقال:

أقول لها ونحن على صلاءأما للنار عندك حرّ نار
لئن خيّرت في البلدان يومافما همذان عندي بالخيار

ثم التفت إلى ابن أبي سرح وقال: يا أبا عبد الله! وهذا والدك يقول:

النار في همذان يبرد حرّهاوالبرد في همذان داء مسقم
والفقر يكتم في بلاد غيرهاوالفقر في همذان ما لا يكتم
قد قال كسرى حين أبصر تلّكمهمذان، فانصرفوا فتلك جهنّم

والدليل على هذا أن الأكاسرة كانت لا تدخل همذان، لأن بناءهم متصل من المدائن إلى أزرميدخت من أسدآباد ولم يجوزوا عقبة أسدآباد.

وبلغنا أن كسرى أبرويز همّ بدخول همذان. فلما بلغ موضعا يقال له دوزخ دره ومعناه بالعربية باب جهنم أو كهف جهنم، قال لبعض وزرائه: ما يسمى هذا المكان؟ فعرّفه. فقال: انصرفوا. لا حاجة لنا في دخول مدينة فيها ذكر جهنم.

وقال شاعركم وهو وهب بن شاذان الهمذاني:

أما آن من همذان الرحيلمن البلدة الحزنة الجامدة
فما في البلاد ولا أهلهامن الخير من خصلة واحدة
يشيب الشباب ولم يهرموابها من ضبابتها الراكدة
سألتهم أين أقصى الشتاءومستقبل السنة الواردة
فقالوا إلى الجمرة المنتهىفقد سقطت جمرة جامدة

وقال أيضا:

يوم من الزمهرير مقرورعليه جبّ الضباب مزرور
للشاعر البارع البغدادي، اقرأ القصيدة
كأنما حشو جوّه إبروأرضه وجهها قوارير
وشمسه حرّة مخدّرةتسلّبت حين حمّ مقدور
/ تخال بالوجه من ضبابتهاإذ أخذت جلدة زنابير
يرى البصير الحديد نظرائهمنها لأجفانه سمادير

وسأل عمر بن الخطاب ﵁ رجلا فقال: من أين أنت؟ فقال: من همذان. قال: أما إنها مدينة همّ وأذى، تجمد قلوب أهلها كما يجمد ماؤها. وقال شاعركم أيضا محمد بن بشار يذم بلدكم ويذكر شدة برده وغلظ طبع أهله وما يحتاجون إليه من المؤن المجحفة الغليظة:

أتتك امارات الشتا ودلائلهووافاك من برد الخريف أوائله
فأصبحت محزونا ودمعي كأنّهجمان على الخدين ينثر هامله
أمامي صيف رعانيهوتيه رحيب جوزه ومجاهله
إذا البرد ردّاه رداء كأنهملاء عليه قد تنوّق غاسله
وهبّت له ريح الصبا ثم أعقبتجنوبا وهبّت بعد ذاك شمائله
وجدت فؤادي طائرا من حذارهوقلبي كثيبا ما تكفّ بلابله

وقال آخر:

أتانا الزمان ببرد الشتاءوسال به سيله مكفهرّا
وهبّت سيول شمال الرياحفكزّ الفقير لها واقشعرّا
يقرّب من رأسه منكبيهويغدو إلى ناره مشمئرّا
وأحجرت الكلب هوج الرياحوصرّ بأذنيه للبرد صرّا
وفارقت الوحش أوطانهاإلى كلّ غور يقيهنّ شرّا
وكرّ الولاة على من يكونفلم يجد المرء منهم مفرّا
وشحّ البخيل على مالهوزوّى له حاجبيه وهرّا

وقيل لأعرابي دخل همذان ثم انصرف إلى البادية: كيف رأيت همذان؟

فقال: أما نهارها فرقّاص وأما ليلهم فحمّال. يعني أنهم بالنهار يرقصون لتدفأ أرجلهم، وبالليل حمّالون لكثرة دثارهم.

ووقع أعرابي إلى همذان في الربيع فاستطاب الزمان وأنس بالأشجار والأنهار. فلما جاء الشتاء، ورد عليه ما لم يعهده من البرد والأذى فقال:

بهمذان شقيت أموريعند انقضاء الصيف والحرور
جاءت بشرّ شرّ من عقورورمت الآفاق بالهرير
والثلج مقرون بزمهريرلولا شعار العاقر النزور
أمّ الكبير وأبو الصغيرلم يدف إنسان من التخصير

ولقد سمعت شيخا من علمائكم وذوي المعرفة منكم أنه يقول: يربح أهل همذان إذا كان يوم في الشتاء صافيا له شمس حارة، مائة ألف درهم، لأنهم لا يحتاجون فيه إلى الوقود. وقيمته في همذان ورساتيقها في كل يوم مائة ألف درهم.

وقيل لابنة الخسّ: أيما أشدّ الشتاء أم الصيف؟ فقالت: من يجعل الأذى كالزمانة.

وقيل لأعرابي: ما غاية البرد عندكم؟ فقال: إذا كانت السماء نقية والأرض ندية والريح شامية فلا تسأل عن أهل البريّة.

وقد جاء في الخبر أن همذان تخرب لقلة الحطب.

ودخل أعرابي همذان. فلما رأى هواءها وسمع كلام أهلها، ذكر بلاده وقال:

وكيف أجيب داعيكم ودونيجبال الثلج مشرفة الرعان
/ بلاد شكلها من غير شكلوألسنها مخالفة لساني
وأسماء النساء بها زنانوأقرب بالزنان من الزواني

ودخل بعض الأعراب الجبل في الشتاء فجعل أنفه

يرعم. فرفع يده ووجأه فقال: لا والذي جلّ وعلا، ما رأيت عضوا أنتن منك.

إذا جمد كل شيء فأنت تذوب، وإذا ذاب كل شيء فأنت تجمد. أبيت إلّا خلافا.

وقال شاعركم وهو أحمد بن بشار.

لقد أتى همذان البرد فانطلقوارحل على شعب شمل غير متفق
بئس اعتياض الفتى أرض الجبال لهمن العراق وباب الرزق لم يضق
أما الملوك فقد أودت سراتهموالغابرون بها في شيمة السوق
ولا مقام على عيش ترنّقهأيدي الخطوب وشرّ العيش ذو الرنق
قد كنت أذكر شيئا من محاسنهاأيام لي فنن كاس من الورق
فاليوم لا بدّ من نعتي مساوئهاكما يغصّ بها الثاوي على شرق
لا خير فيها ولا في أن تقيم بهاولا تقلبت بين التبر والورق
أرض يعذب أهلوها ثمانيةمن الشهور كما عذّبت بالرهق
تبلى حياتك ما تمنى بنافعةإلّا كما انتفع المجروض بالرمق
فإن رضيت بثلث العمر فارض بهعلى شرائط من يقنع بها يبق
إذا زوى البقل هاجت في بلادهممن جربيائهم نشّافة العرق
تبشّر الناس بالبلوى وتنذرهمما لا يداوى بلبس الدرع والدرق
تلفّهم في عجاج لا تقوم لهاقوائم الفيل قبل المأقط الشبق
لا يملك المرء فيها كور عمّتهحتى تطيّرها من فرط مخترق
فإن تكلّم لاقته بمسكنةملء الخياشيم والأفواه والحدق
فعندها ذهبت ألوانهم جزعاواستقبلوا الجمع واستولوا على العلق
حتى تفاجئهم شهباء معضلةتستوعب الناس في سربالها اليقق
خطب بها غير هين من خطوبهمكالخنق ما منه من ملجا لمختنق
أمّا الغني فمحصور يكابدهاطول الشتاء مع اليربوع في نفق
يقول أطبق وأسبل يا غلاموأرخ الستر واعجل بردّ الباب واندفق
وأوقدوا بتنانير تذكّرهمنار الجحيم بها من يصل يحترق
والمحلقون بها سبحان ربّهمماذا يقاسون طول الليل من أرق
تنسدّ أبوابهم بالثلج فهو لهمدون الرتاج رتاج غير منطبق
والأرض تصبح والدنيا لها طبقتحار فيه عيون الناس في الطرق
حتى إذا استحكمت بردا غدا طبقمن الضباب فقد أوفى على طبق
ينهلّ منها عليهم دائبا ديمابالزمهرير عذابا صبّ من أفق
صبغ الثياب إذا حلّ الشتاء بهاصبغ المآتم للحسّانة الفنق
والذئب ليس إذا أمسى بمحتشممن أن يخالط أهل الدار والنسق
/ فويل من كان في حيطانه قصرولم يخصّ رتاج الباب بالغلق
يدعو الثبور على صبيانه فرقابعد العشاء ويدعوه من الفرق
وصاحب النسك ما تهدا فرائصهوالمستغيث بشرب الخمر في غرق
أما الصلاة فودّعها سوى طللأقوى وأقفر من سلمى بذي العمق
تمسي وتصبح والشيطان في قرنمستمسكا من حبال الدين بالرمق
والماء كالثلج والأنهار جامدةوالأرض أضراسها تلقاك بالدبق
حتى كأنّ قرون العفر ناتئةتحت المواطئ والأقدام في الطرق
والناس بيض اللحى تهمي أنوفهمفوق الشوارب كالمصدوم ذي البلق
تسعين يوما وعشرا أكلمت مائةيدعون ليلة متّت ليلة السدق
كأنهم عسكر هاج الحريق بهمفهم يموجون والضوضاء في فرق
/ كأنهم حين أفضوا في ثيابهمخلف الغرابيل أوهاها من الخرق
فما ترى بعدها يلقون من عذبمن الوحول التي طمّت على اللثق
والمشي شهرين بالميزان قد زهقتنفوسهم فرقا من خشية الزلق
فكلّ غاد بها أو رائح عجليمشي على أهلها غضبان ذا حنق
قوم غذاؤهم الألبان مذ خلقوافما لهم غيرها من مطعم أرنق
لا يعبق الطيب في أصداغ نسوتهمولا جلودهم تبتّل من عرق
فهم غلاظ جفاة في طباعهمإلّا تعلّة منسوب إلى الحمق
أفنيت عمري بها حولين من قدرلم أقو منها على دفع ولم أطلق

فلما بلغ عبد القاهر هذا المكان، التفت إليه ابن أبي سرح فقال: لقد أكثرت في المقال وأسرفت في الذم وأطلت القلت وطوّلت الخطبة. ولولا ما أجزت إليه من سوء المقال وكثرة الهذيان لكنا عن مجاوبتك بمعزل وعن محاورتك في شغل.

فمهما كان فينا- يا أبا علي أكرمك الله- وفي هوائنا وأرضنا وبلدنا وصقعنا.

فليس فينا جفاء النبط وعجر فيه أهل السواد، وأخلاق الخوز، وغدر أهل الكوفة، ودقة نظر أهل البصرة، وبخل أهل الأهواز، وسوء معاشرة أهل بغداد وشدة حيلهم، وجفاء أهل الجزيرة، وغباوة أهل الشام.

وأهل الجبل قد سلموا من شدة حرّ البصرة، ومن كثرة ذباب بغداد، ومن بقّ البطائح، وبراغيث الكوفة، وتغير هواء مصر، ومن جرارات الأهواز وسمائمها، ومن عقارب نصيبين، وثعابين مصر، ومن أفاعي سجستان.

وهل الخصب والخير والنعمة والدعة والأكل والشرب إلّا في الشتاء الذي تغيب فيه الهوام وتنحجر الحشرات ويموت الذباب ويهلك البعوض ويبرد الماء ويصفو الجوّ ويطيب فيه العناق، ويظهر فيه الفرش والكسوة والنعمة والملوكية والسرو والخرمية.

وإذا ميزت الأقاليم صقعا صقعا وبلدا بلدا وكورة كورة وطسوجا طسوجا، علمت أنه لا يخلو بلد من البلدان ولا إقليم من الأقاليم في شرق الأرض وغربها

وبرها وبحرها وسهلها وجبلها من حرّ وبرد أربعة أشهر. ولذلك قال أبو دلف:

إني امرؤ كسروي الفعالأصيف الجبال وأشتو العراقا
للشاعر أبو دلف العجلي، اقرأ القصيدة
وألبس للحرب أثوابهاوأعتنق الدار عين اعتناقا
للشاعر أبو دلف العجلي، اقرأ القصيدة

فاختار بفضل رأيه وجودة تمييزه أن يصيف الجبال ليسلم من سمائم العراق وذبابه وهوامّه وحشراته وسخونة مائه وهوائه. واختار أن يشتو بالعراق ليسلم من زمهرير الجبال وكثرة أنديتها ووحولها وثلوجها. وقد قال أيضا في غير هذا المعنى. بل في ضدّه لسبب دعاه إلى ذلك:

ألم تر حين حال الزمانأصيف العراق وأشتو الجبالا
سموم المصيف وبرد الشتاءحنانيك حالا أزالتك حالا
للشاعر أبو دلف العجلي، اقرأ القصيدة
فصبرا على حدث النائباتفإن الخطوب تذلّ الرجالا

والسبب الذي لأجله قال هذه الأبيات أنه لمّا قال القافية التي كتبناها قبلها اتصلت بعبد الله بن طاهر- وكان سيىء الرأي بأبي دلف- فقال:

ألم تر أنا جلبنا العناقإلى أرض بابل قبّا عتاقا
فما زلن يعسفن بالدار عينطورا حزونا وطورا رفاقا
إلى أن وردن بأدوائهاقلوب رجال أرادوا النفاقا
للشاعر عبد الله بن طاهر، اقرأ القصيدة
وأنت أبا دلف ناعمتصيف الجبال وتشتو العراقا
للشاعر عبد الله بن طاهر، اقرأ القصيدة

/ فلما وقف أبو دلف على هذه الأبيات آلى على نفسه أن لا يصيف إلّا ببغداد ولا يشتو إلّا بالجبل.

فإذا صحّ لك ما قلنا وتبين ما حكينا، ثم ميّزت وتفكرت ونظرت وأنصفت.

علمت أن البرد أصلح من الحرّ. لأنك إذا أضفت البرد وهو الجبال إلى ما يقاسيه

أهل عمان وأهل البصرة وسيراف وبغداد من أذى السمائم من الهواء الكدر الغليظ والماء السخن الزعاق وكثرة الذباب والجعلان والخنافس والحيات والعقارب والجرّارات والنمل والبعوض والبق والجرجس وغير ذلك مما يطول ذكره، علمت أن العيش عيشنا والنعمة نعمتنا.

وملوك الجبل لا يعدون العيش عيشا والنعمة نعمة إلّا في أيام الشتاء. لأنهم يفرشون من الفراش أسراه ويلبسون من الثياب أحسنها وأدفأها. ويلبسون الثعالب البيض والسود والحمر والفنك والسمور والقاقم والحواصل والوشق والدلق والفراء اليمانية. ويفرشون الخز الرقم والأرمني المحفور والميساني والقطوع والديباج والمرعز والسوسنجرد.

ولهم المضارب والأبنية والستارات والسرادقات والقباب التركية وأثواب عدن وثياب نيسابور ومرو وأصفهان، والنعمة عندنا في الشتاء أظهر والخير أكثر.

ولولا الشتاء وثلجه وبرده وريحه ومطره لما نبت لنا في الصيف زرع ولا ذرّ ضرع ولا أخضر شجر ولا اجتني ثمر. ولذلك قال الشاعر:

لولا الشتاء ولولا قبح منظرهلما بدا من ربيع منظر حسن

وفي الشتاء يستلذ الملوك شرب المدام لطول الليل وقلة الهوام. والشراب صديق النفس وحياة الأبدان والسبب إلى الزيادة في الأعمار وصحة الأجسام، وباعث الحرارة الغريزية ومرطّب الأعضاء اليابسة وطارد الهم والفكر، والزائد في ارتفاع الهمة. وله اتخذت القصور المشيدة والمجالس المنجدة والنمارق الممهدة، هذا في الشتاء.

فإذا جاء الربيع، فلنا الأفياء الحسنة والرياض الخضرة والجنان المتصلة والمياه المطّردة والأرواح الطيبة والمواضع النزهة.

ثم لنا من الأنوار والزهر في الرياض والغدران ما لا يكون في بلادكم ولا يعرف عندكم. حتى لقد جهد ملوككم وكتّابكم وذوو النعمة منكم أن يغرسوه في بساتينهم وجناتهم، فلم يستو ذاك لهم ولا أفلح عندهم. من ذلك: الزعفران

والزردلال والجاولال والكيستج والسحالة والكركيس والنستر والندير والسوسن آزاد وغير ذلك من الأنوار الجبلية التي لا تكون إلّا في بلادنا.

ومما هو لنا دونكم وينبت في بلادنا لا بلادكم، الريباس وهو من أنفع ما يؤكل. ويقال إنه يقوم مقام السكنجبين.

ولنا أنواع من الفواكه ليست لكم. وإذا حمل إليكم شيء منها تفتخرون به وتتهادونه، منها: الكمثرى النهاوندي والصيني والتفاح الشيري.

ولنا أيضا أشياء تتخذ من الألبان ليست لكم. بل هي مستطرف عندكم. منها اللور وشيران وأنواع الشوارير والكشك المعمول باللبن.

وإذا دخل الكاتب أو العامل همذان ثم انصرف عنها إلى بلدة وسئل عما فيها قال: إذا كان خبزك من حنطة أزناو مع خبر المهروان ولحم الشراهين، فلا تسأل عن شيء آخر.

وحسبك فضيلة بشيء. ينادى على الخبز بالحرمين: مكة والمدينة. في أيام الموسم والناس مجتمعون من كل فج عميق: المهرواني، المهرواني.

ولقد دخل بها المعتضد، فوصف له ما يتخذ بها من الألبان فأكل منه واستطابه. فلما انصرف إلى العراق، أمر أن يحمل إليه منه. فكان يوجه به مع الفرانقيين وأصحاب البرد.

ولما ميّز قباد إقليم بلده، وجد أنزه بقاعه ثلاثة عشر موضعا: المدائن والسوس وجنديسابور وتستر وسابور وإصبهان والري وبلخ وسمرقند وباورد وماسبندان ومهرجانقذق وتل ماشير وبطنا بنهاوند تسمى روذراور. وهي ثلاثة فراسخ فيها ثلاثة وتسعون قرية متصلة مع جنان ملتفة وأنهار مطّردة. نباتها الزعفران وأشجارها جميع الفواكه: العنب والرمان والجوز واللوز والتفاح والكمثرى وغير ذلك.

/ ولقد قال بعض الدمشقيين ممن قد جال الآفاق ودار البلدان: دخلت غوطة دمشق وأبلّة البصرة واسكندرية مصر وصنعاء اليمن. ورأيت خورنق الكوفة والبرية المسماة خد العذراء وحافتي دجلة والفرات وبغداد وباب الطاق وباب الكرخ مع سائر الأسواق.

وشاهدت شبديز قرميسين وزرنروذ إصبهان وجنديسابور الأهواز.

ودخلت شابور فارس، ونظرت إلى شعب بوّان وماجان مرو وسريان الري ومستشرف باكرخى. وشاهدت سمرقند والصغد وبلخ. فما رأيت بلدا أطيب ولا أعذب ماء ولا أكثر خيرا من إقبال همذان. وما ظنك ببلد حشيشه الريحان والزعفران وشرابه العسل والسمنان وثمره العنب والرمان. قال الشاعر:

بلد نبات الزعفران ترابهوشرابه عسل بماء قنان

قال: فلما بلغ ابن أبي سرح هذا المكان قال له صاحب المنزل: يا أبا عبد الله! وأفرطت وقلت في الجبل عاله وعليّه. وهذا وقت ضيق وقد حضرت الصلاة.

والصواب قطع هذه المفاخرة وترك هذه المناظرة.

فقال: قد قطعت ذلك، وإن عاد عدنا. ثم قام وهو يقول:

إن عادت العقرب عدنا لهاوكانت النعل لها حاضرة

وقال بعض الشعراء:

وبالقوس لمّا حلّت الشمس أظلمتوأطبق أروند على همذان
وهبّت رياح الزمهرير فأحرقتبها كلّ ذي جنس من الحيوان
فما أن ترى شيئا بها غير جامدمع النفط والنفّاط والقطران
ترى الناس بين السوق والدور جمّداعداهم من الترداد والجولان
فطرقهم والدور مطموسة بهميزيدهم طمسا وليس بفان
ترى الطير في جوّ السماء معلّقامن البرد ممنوعا من الطيران
وتجمد بين الحائطين كلابهموكانت تباري الخيل يوم رهان
وليس يقي من بردها جلد ثعلببخوارزم مدبوغ بغير تواني
ولا جلد سمّور ولا الفنك الذييوقّى به المقرور حرّ عمان
وليس يقيهم منه لفح جهنّموما لهم بالزمهرير يدان
أما مهربا من ذا العذار فقد وهتعظامي ولا تشعر به القدمان
إلى الكرج الحسناء دار أميرنافنوسعها حمدا بكلّ لسان
مباركة حفّت بخصب ونعمةبماء عيون عذبة وجنان
فأهل التقى والبرّ والفضل أهلهاوليس لهم في المشرقين مدان

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البلدان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.