تجاوز إلى المحتوى

من «البلدان» لابن الفقيه الهمذاني (ت نحو ٣٤٠هـ)

ذكر ما خصّ الله تعالى كل بلدة بشيء من الأمتعة دون غيرها

وقال بعض العلماء: لولا أن الله ﷿ بلطفه خصّ كل بلد من البلدان وأعطى كل إقليم من الأقاليم شيئا قد منعه غيره، لبطلت التجارات

وذهبت الصناعات ولما تغرب أحد ولا سافر إنسان ولتركوا التهادي فيما بينهم ولذهب الشرى والبيع والأخذ والإعطاء. إلّا أن الله جلّ وتقدس أعطى كل صقع نوعا من الخيرات لم يعطه الصقع الآخر ليسافر هذا إلى بلد هذا، فيحمل متاع أرضه. وهذا إلى مدينة هذا فيحمل عجائب مدينته.

وقيل في قول الله ﷿ وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها

أنه أراد بها جعله في بلد دون بلد، مثل الكاغذ بسمرقند والقرطاس بمصر.

ولذلك خصّ بلاد الهند بأنواع الطيب والجواهر واليواقيت وأشباه اليواقيت وغير ذلك من الأحجار المثمنة. ولهم أصناف الطيب كالعود والعنبر والكافور والقرنفل والخولنجان والدارصيني وغير ذلك من أنواع الطيب. ولهم الصندل والتوتياء والهليلج وأنواع كثيرة لو ذكرناها لطال بها الخطب ولخرج الكتاب من الغرض الذي قصدناه. ولهم القثاء والخيزران والبقّم والصندل الأحمر والأبيض، ولهم الساج والفلفل. وفي بلادهم الطواويس والفيلة والكركدن.

وقد خصّ الله أهل الصين بإحكام الصناعات وأعطاهم منها ما لم يعط أحدا، فلهم الحرير الصيني والغضائر الصيني والسروج الصيني وغير ذلك من الآلات المحكمة العجيبة الصنعة المتقنة العمل. ولهم أيضا مسك إلّا أنه ليس بجيد. وقالوا إنما يتغير في البحر لطول المسافة.

ثم الروم وما قد خصهم الله به من العلوم والآداب وما قد أعطوا من الهندسة والفلسفة والحذق بالأبنية والمصانع واتخاذ الحصون وعقد القناطر والجسور وعمل الكيمياء والكساء الرومي والفرفير والبزيون. وفي بلادهم الميعة والمصطكى.

ثم النوبة وما قد خصّوا به من جودة الرمي وما قد انفرد به بلدهم من العجائب. ولهم الخيل العجيبة والنجب التي تسبق الخيل. ولهم الكلاب التي تقاتل الأسد.

وكذلك البجة وفي بلدهم معدن الزبرجد ومعدن الذهب، وزيّهم زي العرب كأنهم من رجال اليمن.

/ ولأهل المغرب البغال البربرية والجواري الأندلسيات والنمور الزنجية.

ثم ما قد خصّ به أهل مصر، من النيل وعجائب ما فيه من طرائف السمك والتماسيح، ولهم السمك الرعّاد إذا وقع في شبكة الصياد ارتعدت يده ولم يملك من أمره شيئا حتى يخلي هذا النوع من شبكته.

ولهم السقنقور وخاصيته في الجماع لا تدفع. ولهم الثياب الدبيقية والشطوية، والأردية التي تكاد سلوكها تختفي عمن نظر إليها. ويقال إن نساجيها أوسخ الناس وأقذرهم، وهم يأكلون الأطعمة الكريهة الروائح من السموك المملحة واللحوم الغثة ولا يغسلون أيديهم وتنتن روائحهم. وإذا قطعوا الثوب بعد ما قد ناله من وسخهم ودرن أبدانهم ما لا يوصف، وجد في نهاية الحسن وطيب الرائحة.

وكذلك أيضا نساجي الديباج بتستر وحاكة الخز بالسوس على ما وصفنا من القذر والنتن والرائحة الكريهة والوسخ، وتخرج الثياب من أيديهم وهم ينسجون هذه الثياب التي تخفى دقة من الحسن والرائحة بغير أثر ولا تغير. وهذه خاصيته يشكل أمرها على سائر من تفقدها وأراد الوقوف على العلة فيها.

ولهم أيضا ضروب أخر من الثياب، منها المسيّر، وهم أحذق الناس بعمل ثياب الصوف والأكسية.

ولهم البغال المصرية والحمر المرّيسية والثياب التنيسية والاسكندرية.

ولأهل اليمن الحلل اليمانية والثياب السعيدية والبرد العذيبية. والعدنية. وفي بلادهم الورس والكندر. ولهم النجائب المهرية والسيوف اليمانية. وفي بلادهم القردة والنسناس وغير ذلك من أنواع العجائب.

ثم العراق وسط الأرض وخزانة السلطان ودار المملكة.

وما قد أعطي أهل الكوفة من عمل الوشي والخز وغير ذلك من أنواع الثياب

والأمتعة والتمور، فإن فيها من أنواع التمور والقسوب ما قد عدم مثله بالبصرة والأهواز وبغداد والحجاز.

فمن تمورهم الهيرون والنرسيان والقسب العنبري والآزاذ وغير ذلك.

ثم قل في عجائب بغداد التي قد اجتمع فيها ما هو مفرّق في جميع أقاليم الأرض من أنواع التجارات والصناعات. فلهم الذي لا يشركهم فيه أحد:

الثياب المروية والملحم والقيراطي وغير ذلك. ولهم أنواع الزجاج المحكم من الأقداح والأقحاف المخروطة والمجرودة التي تختار على البلور لرقتها وصفاء جوهرها. ولهم الدارشي واللكاء وفيهما أعجوبة لا يوقف عليهما ولا يدرى ما العلة فيها. وذلك أن اللكاء إن عمل في الجانب الذي يعمل فيه الدارشي لم يستو بنفسه ولا يكون منه شيء. وكذلك الدارشي أيضا إن عمل في الجانب الذي يعمل فيه اللكاء انفسد. وقد عمل ذلك غير مرة فكان كما قلنا في الفساد.

ومثل هذه أشياء كثيرة منها القراطيس التي تعمل بمصر فإنها لا تستوي إلّا بمصر دون غيرها من سائر البلدان. وقد نقل صنّاعها المعتصم من مصر إلى سرمرّى، فما استوى لهم منها إلّا شيء رديء ولا يحرّر المكاتبة فيه.

وكذلك أيضا البطيخ الناعوري، فإنه لا يكون جيدا إلّا في ضيعة من ضياع الموصل تعرف بالناعور. وقد حرص المعتضد على أن يستوي ببغداد وحمل مع بذره ترابا من تربته وماء من العين التي تسقيه فلم يفلح. فسأل عن العلة في ذلك، فقيل: التربة. قال: قد حملنا منها. قيل: فالماء. قال: قد أمرنا بحمله في السفن المقيّرة فحمل ولم ينجب. قيل: فهو الموضع. قال: هذا لا حيلة لنا فيه.

ثم ما قد خصت به كور دجلة والسواد وميسان ودستميسان من عمل الستور والبسط.

وقد خصت البصرة من بين البلدان بكثرة النخيل وأنواع الأرطاب والتمور.

وذكر بعضهم أن جماعة من أهل المعرفة بالنخل أحصوا أصناف نخل البصرة دون نخل المدينة ودون نخل اليمامة والبحرين وعمان وفارس وكرمان والكوفة وسوادها وخيبر وذواتها والأهواز وأعمالها، فإذا هي ثلاثمائة وثمانون ضربا من مغلّ معروف وخارجي موصوف وبديع غريب ومثمن شهير.

ثم الأهواز وما قد خصوا به وأعطوا من أنواع السكر وكثرة التمور.

وما بالسوس من جنديسابور من أنواع ثياب الخز والديباج وغير ذلك من أصناف الإبريسم والقز.

ثم الجبل وعجائبه وما قد أعطي أهله من أصناف الفواكه الشتوية والعجائب البديعة. هذا إلى طيب بلدانه وكثرة مياهه واطراد أنهاره ونضارة أشجاره، وما يتخذ فيه من الألبان والشوابير التي يستعزّ بها ملوك العراق ويستظرفونها ويستهدونها.

ولأهل همذان خاصة حذق باتخاذ المرايا والملاعق والمجامر والطبول وغير ذلك من الحديد المذهّب الذي قد فاقوا وفاتوا باتخاذه سائر أهل الأرض.

ولأهل الري المسيّر والمنيّر والحرير. ولهم أشياء يتخذونها من الخشب يفوقون بها سائر الناس، ومنها الأمشاط والخفاف والممالح والمغارف. ولهم الأكسية البيض الطرازية.

ثم بغداد الثانية، أعني إصبهان وما قد أعطي أهلها من طيب الهواء وعذوبة الماء وكثرة الصناعات وأنواع الخير. ولهم الثياب المروية والعتابية والمفحمة والحلل الإبريسمية المنسوجة وغير المنسوجة. والثياب السعيدية.

ثم فارس وكورها وبلدانها ورساتيقها وما قد خصوا به من اتخاذ الآلات الظريفة من الحديد، حتى قال بعض الحكماء وقد نظر إلى أشياء ظريفة عند بعض الملوك من آلات فارس الحديدية: لقد ألان الله لهؤلاء القوم الحديد وسخّره لهم حتى لقد عملوا ما أرادوا.

وهم أحذق الناس بعمل المجامع والأقفال والمرايا وتطبيع السيف وعمل الدروع والجواشن.

ولهم الثياب الجنابية والسينيزية وغير ذلك.

ولأهل سجستان عمل المشارب السجزية وآلات الشبه والصّفر ولهم الجعاب.

ولأهل طبرستان والديلم وقزوين وزنجان من عمل الأكسية الرويانية والآملية واتخاذ الشستانك والمناديل وغير ذلك من أنواع ثياب القطن والصوف ما ليس لأحد.

ولأهل فارس أيضا الماورد الجوري والطين السيرافي والأدهان السابورية والثياب الكازرونية.

ولأهل نيسابور الثياب الملحمة والطاهرية، ولهم الفالح والنواخح وأشياء عجيبة من الثياب ليس لأحد إلّا لهم.

ولأهل مرو الملحم والثياب المروية.

ولأهل مرو الملحم والثياب المروية.

/ وبهراة فواكه ليس في البلدان شيء مثلها. ولهم الزبيب الكشمهاني ثلاثة ألوان: أحمر وأصفر وأخضر.

وبها بطيخ يقدد ويحمل إلى بغداد. وقد كان من يحمل من بطيخها إلى

الخلفاء لشدة حلاوته. فكان يحمل في قدور نحاس.

ولهم الأشتر غاز والريباس والهليون.

وبخراسان الغوشنة والكليكان والرخبين والملبن. وبها معدن الفيروزج واللازورد. ولهم البنجهير، معدن الفضة. ولهم الحزم القوجية والخيل البخارية.

ولهم الركب المروية ولهم الاشكر والخلنج ولهم الختو.

وبالتبت، المسك التبتي والدرق التبتية. وزعموا أن كل من دخلها لم يزل ضاحكا مسرورا.

وباليمن العقيق والبجاذي والجزع وغير ذلك.

وبأرمينية: الفرش الأرمني والبسط والستور. فسبحان من أعطى كل بلد نوعا من الخيرات وجنسا من الصناعات ولولا ذلك ما جمعته الملوك من الصفائح اليمانية والقضب الهندية، والرماح البلوصية، والأسنّة الخزرية، والأعمدة الهروية، واللجم الحاربندية، والشعور الصبلية، والشهاري الأبرازبندية، والبغال الأرمينية، والحمير المريسية، والثياب السعيدية، والكيش الشاشية، والأوتار التركية، والجعاب السجزية، والدرق المغربية، وادبحت الأندلسية، والدرر العمانية، واليواقيت السرنديبية، والكتان المصرية، والملحم الخراسانية، والوشي الكوفية.

واعلم أن ببلاد المغرب ومصر وببلاد الجبل وخراسان عجائب لا تكون بغيرها. مثل: منارة الاسكندرية، وعمود عين الشمس، والهرمين، وجسر أزنة، وقنطرة سنجة، وكنيسة الرها، والأبلق الفرد، والمشقّر، وغمدان، وبرهوت، وبلهوت، ومدينة الحضر، وأبنية تدمر، وعجائب فامية، والفرس الذي في أقصى المغرب، وما يذكر عن مدينة الصفر، ويحدّث عن قبّة الرصاص، وإيوان المدائن، وتخت شبديز، وأسد همذان، والسمكة والثور بنهاوند، وأبنية إصطخر، وعجائب

رومية، والتمساح، والرّعاد، والسقنقور، وذات الحوافر وغير ذلك من العجائب التي لا تحصى فتبارك الله أحسن الخالقين.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البلدان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.