تجاوز إلى المحتوى

من «مسالك الممالك» للإصطخري (ت ٣٤٦هـ)

ديار العرب

وابتدات بديار العرب لانّ القبلة بها ومكّة فيها وهى امّ القرى وبلد العرب وأوطانهم الّتى لم يشركهم فى سكناها غيرهم والّذى يحيط بها بحر فارس من عبّادان وهو مصبّ ماء دجلة فى البحر فيمتدّ على البحرين حتّى ينتهى الى عمان ثمّ يعطف على سواحل مهرة وحضرموت وعدن حتّى ينتهى على سواحل اليمن الى جدّة ثمّ يمتدّ على الجار ومدين حتّى

ينتهى الى أيلة ثمّ قد انتهى حينئذ حدّ ديار العرب من هذا البحر وهذا المكان من البحر لسان يعرف ببحر القلزم فينتهى الى تاران وجبيلات الى القلزم فينقطع فهذا هو شرقىّ ديار العرب وجنوبيّها وشىء من غربيّها ثمّ يمتدّ عليها من أيلة الى مدينة قوم لوط والبحيرة المنتنة الّتى تعرف ببحيرة زغر الى الشّراة والبلقاء وهى من عمل فلسطين وأذرعات وحوران والبثنيّة والغوطة ونواحى بعلبكّ وذلك من عمل دمشق وتدمر وسلمية وهما من عمل حمص ثمّ الخناصرة وبالس وهما من عمل قنّسرين وقد انتهينا الى الفرات ثمّ يمتدّ الفرات على ديار العرب حتّى ينتهى الى الرّقّة وقرقيسيا والرّحبة والدّالية وعانة والحديثة وهيت والأنبار الى الكوفة ومستفرغ مياه الفرات الى البطائح ثمّ تمتدّ ديار العرب على نواحى الكوفة والحيرة على الخورنق وعلى سواد الكوفة الى حدّ واسط فتصاقب ما قارب دجلة عند واسط مقدار مرحلة ثمّ تمتدّ على سواد البصرة وبطائحها حتّى تنتهى الى عبّادان فهذا الّذى يحيط بديار العرب، فما كان من عبّادان الى أيلة فانّه بحر فارس ويشتمل على نحو ثلاثة ارباع ديار العرب وهو الحدّ الشرقىّ والجنوبىّ وبعض الغربىّ وما بقى من حدّ الغربىّ من أيلة الى بالس فمن الشام وما كان من بالس الى عبّادان فهو الحدّ الشمالىّ فمن بالس الى ان تجاوز الانبار من حدّ الجزيرة ومن الانبار الى عبّادان من

حدّ العراق ويتّصل بارض العرب بناحية أيلة برّيّة تعرف بتيه بنى اسرائيل وهى برّيّة وان كانت متّصلة بديار العرب فليست من ديارهم وانّما هى برّيّة بين أرض العمالقة واليونانيّة وأرض القبط وليس للعرب بها ماء ولا مرعى فلذلك لم ندخلها فى ديارهم وقد سكن طوائف من العرب من ربيعة ومضر الجزيرة حتّى صارت لهم ديارا ومراعى فلم نذكر الجزيرة فى ديار العرب لانّ نزولهم بها وهى ديار فارس والروم فى اضعاف قرى معمورة ومدن لها اعمال عريضة فنزلوا على خفارة فارس والروم حتّى أنّ بعضهم تنصّر ودان بدين الروم مثل تغلب من ربيعة بارض الجزيرة وغسّان وبهرآء وتنوخ من اليمن بارض الشام وديار العرب هى الحجاز الّذى يشتمل على مكّة والمدينة واليمامة ومخاليفها ونجد الحجاز المتّصل بارض البحرين وبادية العراق وبادية الجزيرة وبادية الشام واليمن المشتملة على تهامة ونجد اليمن وعمان ومهرة وحضر موت وبلاد صنعآء وعدن وسائر مخاليف اليمن، فما كان من حدّ السّرّين حتّى ينتهى الى ناحية يلملم ثمّ على ظهر الطائف ممتدّا على نجد اليمن الى بحر فارس مشرّقا فمن اليمن ويكون ذلك نحو الثّلثين من ديار العرب، وما كان من حدّ السّرين على بحر فارس الى قرب مدين راجعا فى حدّ المشرق على الحجر الى جبلى طيّئ ممتدّا على ظهر اليمامة الى بحر فارس فمن الحجاز، وما كان من حدّ اليمامة الى قرب المدينة راجعا على بادية البصرة حتّى تمتدّ على البحرين الى البحر فمن نجد، وما كان من حدّ عبّادان الى الانبار مواجها لنجد والحجاز على أسد وطيّئ وتميم وسائر قبائل مضر فمن بادية العراق، وما كان من حدّ الانبار الى بالس مواجها لبادية الشام على ارض تيمآء وبرّيّة خساف الى قرب وادى

القرى والحجر فمن بادية الجزيرة، وما كان من بالس الى أيلة مواجها للحجاز على بحر فارس الى ناحية مدين معارضا لارض تبوك حتّى يتّصل بديار طيّئ فمن بادية الشام على أنّ من العلماء بتقسيم هذه الديار من زعم انّ المدينة من نجد لقربها منها وانّ مكّة من تهامة اليمن لقربها منها وأنا بمشئة الله وعونه ساذكر ما انتهى اليه علمى من مدنها وما تشتمل عليه المدن ممّا يحتاج الى علمه والمشاهير من ديار العرب بها وجبالها ورمالها وجوامع من المسافات المسلوكة بها، ولا نعلم بارض العرب نهرا ولا بحرا يحمل سفينة لانّ البحيرة المنتنة الّتى تعرف بزغر وان كانت مصاقبة للبادية فليست منها ومجمع الماء الّذى بارض اليمن فى ديار سبأ انّما كان موضع مسيل ماء بنى فى وجهه سدّ فكان يجتمع فيه مياه كثيرة يستعملونها فى القرى والمزارع حتّى كفروا بعد ان كان الله جعل لهم عمارات قرى متّصلة الى الشام فسلّط الله ﷿ على ذلك الماء آفة فكان لا يمسك ماء وهو قوله تعالى وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها

الى قوله وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ

فبطل ذلك الماء الى يومنا هذا، وامّا الجداول والعيون والسوانى والآبار فانّها كثيرة ونبتدئ من مدن ديار العرب بمكّة شرّفها الله وهى مدينة فيما بين شعاب الجبال وطول مكّة من المعلاة الى المسفلة نحو ميلين وهو من حدّ الجنوب الى الشمال ومن اسفل جياد الى ظهر قعيقعان نحو الثّلثين من هذا وأبنيتها حجارة والمسجد فى نحو الوسط منها والكعبة فى وسط المسجد وباب الكعبة مرتفع عن الارض نحو قامة وهو مصراع واحد وأرض البيت مرتفعة عن الارض مع الباب والباب بحذاء

قبّة زمزم والمقام بقرب زمزم على خطّ محاذ للباب، وبين يدى الكعبة ممّا يلى المغرب حائط مبنىّ مدوّر وهو من البيت الّا انّه لم يدخل فيه وهو الحجر والطواف يحيط به وبالبيت وينتهى الى هذا الحجر من البيت ركنان احدهما يعرف بالركن العراقىّ والآخر بالركن الشامى والركنان الآخران احدهما عند الباب والحجر الاسود فيه على أقلّ من قامة والركن الآخر يعرف باليمانى، وسقاية الحاجّ الّتى تعرف بسقاية العبّاس على ظهر زمزم وزمزم فيما بينها وبين البيت، ودار الندوة من المسجد الحرام فى غربيّه وهى خلف دار الامارة مشرعة الى المسجد وهو مسجد قد جمع الى المسجد الحرام وكان فى الجاهليّة مجتمعا لقريش، والصّفا مكان مرتفع من جبل أبى قبيس وبينها وبين المسجد الحرام عرض الوادى الّذى هو طريق وسوق ومن وقف على الصفا كان بحذاء الحجر الاسود، والمسعى ما بين الصفا والمروة، والمروة حجر من جبل قعيقعان ومن وقف عليها كان بحذاء الركن العراقىّ الّا انّ الابنية قد سترت ذلك الركن عن الرّؤية، وأبو قبيس هو الجبل المشرف على الكعبة من شرقيّها، وقعيقعان هو الجبل الّذى عن غربىّ الكعبة وأبو قبيس اعلى وأكبر منه ويقال انّ حجارة البيت من قعيقعان، ومنى على طريق عرفة من مكّة وبينها وبين مكّة ثلاثة اميال ومنّى شعب طوله نحو ميلين وعرضه يسير وبها ابنية كثيرة لاهل كلّ بلد من بلدان الاسلام، ومسجد الخيف فى أقلّ من الوسط ممّا يلى مكّة، وجمرة العقبة فى آخر منى ممّا يلى مكّة وليست العقبة الّتى تنسب اليها الجمرة من منّى والجمرة الاولى والوسطى هما جميعا فوق مسجد الخيف الى ما

يلى مكّة، والمزدلفة مبيت للحاجّ ومجمع للصلاة اذا صدروا من عرفات وهو مكان بين بطن محسّر والمازمين، وامّا بطن محسّر فهو واد بين منّى والمزدلفة وليس من منّى ولا من المزدلفة، وامّا المازمان فهو شعب بين جبلين يغضى آخره الى بطن عرنة وهو واد بين المازمين وبين عرفة وليس من عرفة، وعرفة ما بين وادى عرنة الى حائط بنى عامر الى ما اقبل على الصّخرات الّتى يكون بها موقف الامام والى طريق حصن، وحائط بنى عامر نخيل عند عرفة وبقربه المسجد الّذى يجمع فيه الامام بين الصلاتين الظهر والعصر وهو حائط نخيل وبه عين وينسب الى عبد الله بن عامر بن كريز، وليس عرفات من الحرم وانّما حدّ الحرم الى المازمين فاذا جزتهما الى العلمين المضروبين فما وراء العلمين من الحلّ وكذلك التّنعيم الّذى يعرف بمسجد عائشة ليس من الحرم والحرم دونه وحدّ الحرم نحو عشرة أميال فى مسيرة يوم وعلى الحرم كلّه منار مضروب يتميّز به من غيره، وليس بمكّة ماء جار الّا شىء بلغنى بعد خروجى عنها أنّه أجرى اليها من عين كان عمل فيها بعض الولاة فاستتمّ فى ايّام المقتدر أمير المؤمنين ومياههم من السماء وليست لهم آبار تشرب وأطيبها بئر زمزم ولا يمكن الادمان على شربه وليس بجميع مكّة فيما علمته شجر مثمر الّا شجر البادية فاذا جزت الحرم فهناك عيون وآبار وحوائط كثيرة واودية ذات خضور ومزارع ونخيل وامّا الحرم فلم ار ولم اسمع انّ بها شجرا مثمرا الّا نخيلات رأيتها بفخّ ونخيلات يسيرة متفرّقة، وأمّا ثبير فهو جبل مشرف يرى من منّى والمردلفة وكانت الجاهليّة لا تدفع من المزدلفة الّا بعد طلوع الشمس اذا اشرقت

على ثبير وبالمزدلفة المشعر الحرام وهو مصلّى الامام يصلّى به المغرب والعشاء والصبح، والحديبية بعضها فى الحلّ وبعضها فى الحرم وهو مكان صدّ فيه المشركون رسول الله ﷺ عن المسجد الحرام وهو أبعد الحلّ الى البيت وليس هو فى طول الحرم ولا فى عرضه الّا أنّه فى مثل الزاوية للحرم فلذلك صار بينها وبين المسجد أكثر من يوم وامّا المدينة فهى اقلّ من نصف مكّة وهى فى حرّة سبخة الارض ولها نخيل كثيرة ومياه نخيلهم وزروعهم من الآبار يستقون منها العبيد وعليها سور والمسجد فى نحو من وسطها وقبر النّبيّ ﷺ من المسجد فى شرقيّه قريبا من القبلة وهو الجدار الشرقىّ من المسجد وهو بيت مرتفع ليس بينه وبين سقف المسجد الّا فرجة وهو مسدود لا باب له وفيه قبر رسول الله ﷺ وقبر ابى بكر وعمر ﵄ والمنبر الّذى كان يخطب عليه رسول الله ﷺ غشّى بمنبر آخر والروضة امام المنبر بينه وبين القبر، ومصلّى رسول الله الّذى كان يصلّى فيه الاعياد فى غربىّ المدينة داخل الباب، وبقيع الغرقد خارج باب البقيع فى شرقىّ المدينة، وقبآء خارج المدينة على نحو من ميلين الى ما يلى القبلة وهو مجمع بيوت للانصار يشبه القرية، وأحد جبل فى شمالىّ المدينة وهو اقرب الجبال اليها على مقدار فرسخين وبقربها مزارع فيها ضياع لاهل المدينة توازى العقيق فيما بينها وبين الفرع، والفرع من المدينة على أربعة أيّام فى جنوبيّها وبها مسجد جامع غير أنّ أكثر هذه الضياع خراب وكذلك حوالى المدينة ضياع كثيرة وأكثرها خراب، والعقيق واد من المدينة فى قبليّها على أربعة أميال فى طريق مكّة وأعذب مياه تلك الناحية آبار العقيق وأمّا اليمامة فانّ مدينتها دون مدينة الرسول وهى اكثر تمرا ونخلا من المدينة ومن

سائر الحجاز وأمّا البحرين فانّها فى ناحية نجد ومدينتها هجر وهى اكثر تموّرا الّا انّها ليست من الحجاز وهى على شطّ بحر فارس وهى ديار القرامطة ولها قرى كثيرة وقبائل من مضر ذوو عدد قد احتفّوها وليس بالحجاز مدينة بعد مكّة والمدينة اكبر من اليمامة ويليها فى الكبر وادى القرى وهى ذات نخيل كثيرة وعيون والجار فرضة المدينة وهى على ثلاث مراحل من المدينة على شطّ البحر وهى اصغر من جدّة وجدّة فرضة اهل مكّة على مرحلتين منها على شطّ البحر وهى عامرة كثيرة التجارات والاموال ليس بالحجاز بعد مكّة اكثر مالا وتجارة منها وقوام تجاراتها بالفرس والطائف مدينة صغيرة نحو وادى القرى الّا انّ اكثر ثمارها الزبيب وهى طيّبة الهواء واكثر فواكه مكّة منها وهى على ظهر جبل غزوان، وبغزوان ديار بنى سعد وسائر قبائل هذيل وليس بالحجاز فيما علمته مكان هو أبرد من رأس هذا الجبل ولذلك اعتدل هواء الطائف وبلغنى انّه ربّما جمد الماء فى ذروة هذا الجبل وليس بالحجاز مكان يجمد فيه الماء سوى هذا الموضع فيما علمته والحجر قرية صغيرة قليلة السّكّان وهى من وادى القرى على يوم بين جبال وبها كانت ديار ثمود الّذين قال الله فيهم وثمود الّذين جابوا الصّخر بالواد ورايت تلك الجبال ونحتهم الّذين قال الله وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين ورايتها بيوتا مثل بيوتنا فى اضعاف جبال وتسمّى تلك الجبال الأثالب وهى جبال فى العيان متّصلة حتّى اذا توسّطتها رايت كلّ قطعة منها قائمة بنفسها يطوف بكلّ قطعة منها الطائف

وحواليها رمل لا يكاد يرتقى الى ذروة كلّ قطعة منها احد الّا بمشقّة شديدة وبها بئر ثمود الّتى قال الله فى الناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم وتبوك بين الحجر وبين اوّل الشام على اربع مراحل نحو نصف طريق الشام وهو حصن به عين ونخيل وحائط ينسب الى رسول الله ﷺ ويقال أنّ اصحاب الأيكة الّذين بعث اليهم شعيب كانوا بها ولم يكن شعيب منهم وانّما كان من مدين ومدين على بحر القلزم محاذية لتبوك على نحو من ستّ مراحل وهى اكبر من تبوك وبها البئر الّتى استقى منها موسى عم لسائمة شعيب ورأيت هذه البئر مغطّاة قد بنى عليها بيت وماء اهلها من عين تجرى لهم، ومدين اسم القبيلة الّتى كان منها شعيب وانّما سمّيت القرية بهم الا ترى انّ الله يقول والى مدين أخاهم شغيبا وامّا الجحفة فانّها منزل عامر وبينها وبين البحر نحو من ميلين وهى فى الكبر ودوام العمارة نحو من فيد، وليس بين المدينة ومكّة منزل يستقلّ بالعمارة والاهل جميع السنة الّا الجحفة ولا بين المدينة والعراق مكان يستقلّ بالعمارة والاهل جميع السنة مثل فيد وفيد فى ديار طيّئ وجبلا طيّئ منها على مسيرة يومين وفيها نخيل وزرع قليل لطيّئ وبها ماء قليل يسكنها بادية من طيّئ ينتقلون عنها فى بعض السنة للمراعى وجبلة حصن فى آخر وادى ستّارة ووادى ستارة بين بطن مرّ وعسفان عن يسار الذاهب الى مكّة وطول هذا الوادى نحو من يومين لا يكون الانسان منه فى مكان من بطن هذا الوادى لا يرى فيه نخلا، وعلى ظهر هذا الوادى واد مثل هذا يعرف

بساية وآخر يعرف بالسائرة، وبجبلة كانت وقعة لبنى تميم فى بكر بن وائل، وفى جرف منها قيل هلك لقيط بن زرارة اخو حاجب خيبر حصن ذات نخيل كثيرة وزروع وينبع حصن بها نخيل وماء وزروع وبها وقوف لعلىّ ابن ابى طالب عم يتولّاها اولاده والعيص حصن صغير بين ينبع والمروة والعشيرة حصن صغير بين ينبع والمروة تفضّل تمورها على سائر تمور الحجاز الّا الصّيحانىّ بخيبر والبردىّ والعجوة بالمدينة وبقرب ينبع جبل رضوى وهو جبل منيف ذو شعاب واودية ورايته من ينبع اخضر واخبرنى من طاف فى شعابه انّ به مياها كثيرة واشجارا، وهو الجبل الّذى زعم طائفة يعرفون بالكيسانيّة انّ محمّد بن الحنفيّة ابن علىّ ابن ابى طالب حىّ مقيم به، ومن رضوى يحمل حجر المسنّ الى سائر الآفاق، وبقربه فيما بينه وبين ديار جهينة وبلىّ وساحل البحر ديار للحسنيّين حزرت بيوت الشعر الّتى يسكنونها نحوا من سبع مائة بيت وهم بادية مثل الاعراب ينتقلون فى المراعى والمياه انتقال الاعراب لا تميّز بينهم فى خلق ولا خلق وتتّصل ديارهم ممّا يلى المشرق بودّان وودّان هذه

من الجحفة على مرحلة وبينها وبين الأبواء الّتى هى على طريق الحاجّ فى غربيّها ستّة اميال وبها كان فى أيّام مقامى بها رئيس الجعفريّين اعنى اولاد جعفر بن ابى طالب ولهم بالفرع والسائرة ضياع كثيرة وعشيرة واتباع وبينهم وبين الحسنيّين حروب ودمآء حتّى استولت طائفة من اليمن يعرفون ببنى حرب على ضياعهم فصاروا حزبا لهم فضعفوا وتيمآء حصن اعمر من تبوك وهى فى شمالىّ تبوك وبها نخيل وهى ممتار البادية وبينها وبين اوّل الشام ثلاثة ايّام ولا اعلم فيما بين العراق واليمن والشام مكانا الّا وهو فى ديار طائفة من العرب ينتجعونه فى مراعيهم ومياههم الّا ان يكون بين اليمامة والبحرين وبين عمان من وراء عبد القيس برّيّة خالية عن الآبار والسكّان والمراعى قفرة لا تسلك ولا تسكن، فامّا ما بين القادسيّة الى الشّقوق فى الطول وفى العرض من قرب السّماوة الى حدّ بادية البصرة فسكّانها قبائل من بنى أسد، فاذا جزت الشقوق فانت فى ديار طيّئ الى ان تجاوز معدن النّقرة فى الطول وفى العرض من وراء جبلى طيّئ محاذيا لوادى القرى الى ان تتّصل بحدود نجد من اليمامة والبحرين، ثمّ اذا جزت المعدن عن يسار المدينة فانت فى سليم، واذا جزته عن يمين المدينة فانت فى جهينة وفيما بين مكّة والمدينة بكر بن وائل فى قبائل من مضر من الحسنيّين والجعفريّين وقبائل من مضّر، وامّا نواحى مكّة فانّ الغالب على نواحيها ممّا يلى المشرق بنو هلال وبنو سعد فى قبائل من هذيل وفى غربيّها مدلج وغيرها من قبائل مضر، وامّا بادية البصرة فانّها اكثر هذه البوادى احياء وقبائل واكثرها تميم حتّى يتّصلوا بالبحرين واليمامة ثمّ من

ورائهم عبد القيس، وامّا بادية الجزيرة فانّ بها احياء من ربيعة واليمن واكثرهم كلب اليمن وفى قبيلة منهم يعرفون ببنى العليص خرج صاحب الشأم الّذى فلّ جيوش مصر واوقع باهل الشام حتّى قصده المكتفى بنفسه الى الرّقّة فاخذه، وبادية السماوة من دومة الجندل الى عين التّمر وبرّيّة خساف من بادية الجزيرة، وبرّيّة خساف فيما بين الرّقّة وبالس عن يسار الذاهب الى الشام، وصفّين أرض من هذه البادية بقرب الفرات ما بين الرّقّة وبالس وهو الموضع الّذى كانت به حرب معاوية وعلىّ صلوات الله عليه والحرب ينسب اليه ورايت هذا الموضع من بعد واخبرنى من راى به قبر عمّار بن ياسر رضه وبيت المال الّذى كان يجمع فيه الفىء لعلّى بن أبى طالب صلوات الله عليه، وامّا بادية الشام فانّها ديار لفزارة ولخم وجذام وبلى وقبائل مختلطة من اليمن وربيعة ومضر وأكثرها يمن والرمل المذكور بالحجاز هو الرمل الّذى عرضه من الشقوق الى الأجفر وطوله من وراء جبلى طيّئ الى ان يتّصل مشرّقا بالبحر وهو رمل اصفر ليّن المسّ يكاد بعضه يحكى الغبار وامّا تهامة فانّها قطعة من اليمن وهى جبال مشتبكة اوّلها مشرف على بحر القلزم ممّا يلى غربيّها وشرقيّها بناحية صعدة وجرش ونجران وشماليّها حدود مكّة وجنوبيّها من صنعآء على نحو من عشر مراحل وقد صوّرت جبال تهامة فى صورة ديار العرب وبلاد خيوان

تشتمل على قرى ومزارع ومياه معمورة باهلها وهى مفترشة وبها اصناف من قبائل اليمن ونجران وجرش مدينتان متقاربتان فى الكبر بهما نخيل ويشتملان على احياء من اليمن كثيرة، وصعدة اكبر واعمر منهما وبها يتّخذ ما كان يتّخذ بصنعاء من الادم ويتّخذ بنجران وجرش والطائف ادم كثير غير انّ اكثر ذلك يرتفع من صعدة وبها مجتمع التجّار والاموال والحسنىّ المعروف بالزيدىّ بها مقيم وليس بجميع اليمن مدينة أكبر ولا اكثر اهلا ومرافق من صنعآء وبلغنى انّها من اعتدال الهواء بحيث لا يتحوّل الانسان عن مكان واحد شتآء وصيفا عمره وتتقارب بها ساعات الشتاء والصيف وبها كانت ديار ملوك اليمن فيما تقدّم وبها بناء عظيم قد خرب فهو تل عظيم يعرف بغمدان كان قصرا لملوك اليمن وليس باليمن بناء ارفع منه والمذيخرة جبل للجعفرىّ بلغنى انّ اعلاه نحو عشرين فرسخا فيها مزارع ومياه ونباتها الورس وهو منيع لا يسلك الّا من طريق واحد حتّى تغلّب عليه القرمطىّ الّذى كان خرج باليمن يعرف بمحمّد بن الفضل وشبام جبل

منيع جدّا فيه قرى ومزارع وسكّان كثيرة وهو مشهور من جبال اليمن ويرتفع من اليمن العقيق والجزع وهما حجران اذا حكّا خرج منهما الجزع والعقيق لانّ وجه الحجر كالغشآء وبلغنى انّهما يكونان فى صحارى فيها حصى فيلتقط من بين الحجارة، وعدن مدينة صغيرة وانّما شهرتها لانّها فرضة على البحر ينزلها السائرون فى البحر وبها معادن اللؤلؤ، وباليمن مدن كثيرة هى اكبر منها ليست بمشهورة وبلاد الاباضيّة بقرب خيوان وهى اعمر بلاد تلك النواحى مخاليف ومزارع واغزرها مياها وحضر موت فى شرقىّ عدن بقرب البحر وبها رمال كثيرة تعرف بالأحقاف وحضرموت فى نفسها مدينة صغيرة ولها اعمال عريضة وبها قبر هود النّبيّ عم وبقربها بلهوت بئر عميقة لا يكاد يستطيع احد ان ينزل الى قعرها وامّا بلاد مهرة فانّ قصبتها تسمّى الشحر وهى بلاد قفرة السنتهم مستعجمة جدّا لا يكاد يوقف عليها وليس ببلادهم نخيل ولا زرع وانّما اموالهم الابل وبها نجب من الابل تفضّل فى السير على سائر النجب واللّبان الّذى يحمل الى الآفاق من هناك وديارهم مفترشة وبلادهم بواد نائية ويقال انّها من عمان وعمان مستقلّة باهلها وهى كثيرة النخيل والفواكه الجروميّة من الموز والرمّان والنبق ونحو ذلك وقصبتها صحار وهى على البحر وبها متاجر البحر وقصد المراكب وهى اعمر مدينة بعمان واكثرها مالا ولا تكاد تعرف على شاطئ بحر فارس بجميع بلاد الاسلام مدينة اكثر عمارة ومالا من صحار، وبها مدن كثيرة وبلغنى انّ حدود اعمالها نحو من ثلاث مائة فرسخ وكان الغالب عليها

الشراة الى ان وقع بينهم وبين طائفة من بنى سامة بن لؤىّ وهم من كبرآء تلك النواحى حروب فخرج منهم رجل يعرف بمحمّد بن القاسم السامىّ الى المعتضد فاستنجده فبعث معه بابن ثور ففتح عمان للمعتضد واقام بها الخطبة له وانحاز الشراة الى ناحية لهم تعرف بنزوة والى يومنا هذا بها امامهم وبقيّة مالهم وجماعتهم، وعمان بلاد حارّة جدّا وبلغنى ان بمكان منها بعيد عن البحر ربّما وقع ثلج دقيق ولم ار احدا شاهد ذلك الّا بالابلاغ وبارض سبأ من اليمن طوائف من حمير وكذلك بارض حضرموت، وامّا ديار همدان وأشعر وكندة وخولان فانّها مفترشة فى أعراض اليمن وفى اضعافها مخاليف وزروع وبها بواد وقرى تشتمل على بعض تهامة وبعض نجد اليمن من شرقىّ تهامة وهى قليلة الجبال مستوية البقاع، ونجد اليمن غير نجد الحجاز غير انّ جنوبىّ نجد الحجاز يتّصل بشمالىّ نجد اليمن وبين البحرين وبين عمان برّيّة ممتنعة وباليمن قرود كثيرة بلغنى أنّها تكثر حتّى لا تطاق الّا بجمع عظيم واذا اجتمعوا كان لهم كبير يتبعونه مثل اليعسوب للنحل، وبها دابّة تسمّى العدار بلغنى انّها تطلب الانسان فتقع عليه فان اصاب منه ذلك تدوّد جوف الانسان فانشقّ، ويحكى عن الغيلان بها من الاعجوبة ما لا استجيز حكايته واما المسافات بديار العرب فانّ الّذى يحيط بها من عبّادان الى البحرين

نحو من مرحلة ومن البحرين الى عمان نحو من شهر ومن عمان الى ارض مهرة نحو من شهر والى حضرموت من مهرة نحو شهر ومن اقصى حضرموت الى عدن نحو شهر ومن عدن الى جدّة نحو شهر ومن جدّة الى ساحل الجحفة نحو مراحل ومن ساحل الجحفة الى الجار نحو من مراحل ومن الجار الى ايلة نحو من مرحلة ومن ايلة الى بالس نحو من مرحلة ومن بالس الى الكوفة نحو من مرحلة ومن الكوفة الى البصرة نحو من مرحلة ومن البصرة الى عبّادان نحو مرحلتين فهذا هو الدور الّذى يحيط بها وامّا طرقها فانّ من الكوفة الى المدينة نحو من مرحلة ومن المدينة الى مكّة نحو من مراحل وطريق الجادّة من الكوفة الى مكّة اقصر من هذا الطريق بنحو من مراحل اذا انتهى الى معدن النقرة عدل عن المدينة حتّى يخرج على معدن بنى سليم الى ذات عرق حتّى ينتهى الى مكّة، وامّا طريق البصرة فهو الى المدينة نحو من مرحلة ويلتقى مع طريق الكوفة بقرب معدن النقرة، وامّا طريق البحرين الى المدينة فنحو من مرحلة، وامّا طريق الرّقّة الى المدينة فنحو من مرحلة وكذلك من دمشق الى المدينة نحو من مرحلة ومن فلسطين الى المدينة نحو من مرحلة ومن مصر الى المدينة على الساحل نحو من مرحلة، ولم نفرد لمصر والمغرب طريقا لانّه يلتقى بايلة مع طريق اهل فلسطين فيصير الطريقان سوى وهو اوّل حدّ البادية وانّما يتفرّق قبل دخول البادية، ولاهل مصر وفلسطين اذا جاوزوا مدين طريقان احدهما الى المدينة على بدا وشغب قرية بالبادية كانوا بنو مروان اقطعوها الزّهرىّ المحدّث وبها قبره حتّى ينتهى الى المدينة على المروة، وطريق يمضى على ساحل البحر حتّى يخرج بالجحفة فيجتمع بها طريق

اهل العراق ودمشق وفلسطين ومصر وامّا طريق البصرة والرّقّة فهما لا يسلكان وقد تعطّلا وسائر الطرق مسلوكة ومن عدن الى مكّة نحو شهر ولها طريقان احداهما على ساحل البحر وهو ابعد والآخر ياخذ على صنعآء وصعدة وجرش ونجران والطائف حتّى ينتهى الى مكّة، ولهم طريق على البوادى وتهامة هو اقرب من هذين الطريقين الّا انّه على احياء اليمن ومخاليفها تسلكه الحوسّ منهم، وامّا اهل حضرموت ومهرة فانّهم يقطعون عرض بلادهم حتّى يتّصلوا بالجادّة الّتى بين عدن وبين مكّة والمسافة منهم الى الاتّصال بهذه الجادّة ما بين مرحلة الى مرحلة، وامّا طريق عمان فهو طريق يصعب سلوكه فى البرّيّة لكثرة القفار بها وقلّة السّكّان وانّما طريقهم فى البحر الى جدّة فان سلكوا على السواحل من مهرة وحضرموت الى عدن او الى طريق عدن بعد عليهم وقلّ ما يسلكونه، وكذلك ما بين عمان والبحرين فطريق شاق يصعب سلوكه لتمانع العرب فيما بينهم بها، وامّا ما بين البحرين وعبّادان فغير مسلوك وهو قفر والطريق فيها على البحر، ومن البصرة الى البحرين نحو من مرحلة فى قبائل العرب ومياههم. مسلوك عامر غير انّه مخوف، فهذه جوامع المسافات الّتى يحتاج الى علمها فامّا ما بين ديار العرب لقبائلها من المسافات فقلّ ما تقع الحاجة لغير اهل البادية الى معرفتها.

النص من طبعة ليدن، أعادت دار صادر ببيروت تصويرها، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مسالك الممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.