من «مسالك الممالك» للإصطخري (ت ٣٤٦هـ)
بحر فارس
وسنذكر بعد ديار العرب بحر فارس فانّه يشتمل على اكثر حدودها ويتّصل بديار العرب منه وبسائر بلدان الاسلام ونصوّره ثمّ نذكر جوامع ممّا يشتمل عليه هذا البحر ونبتدئ بالقلزم على ساحله ممّا يلى المشرق فانّه ينتهى
الى أيلة ثمّ يطوف بحدود ديار العرب الّتى ذكرناها وبيّنّاها قبل هذا الى عبّادان ثمّ يقطع عرض دجلة وينتهى على الساحل الى مهروبان ثمّ الى جنّابا ثمّ يمرّ على سيف فارس الى سيراف ثمّ يمتدّ الى سواحل هرمز وراء كرمان الى الدّيبل وساحل الملتان وهو ساحل السند وقد انتهى حدّ بلدان الاسلام ثمّ ينتهى الى سواحل الهند حتّى ينتهى الى سواحل التّبّت فيقطعها الى أرض الصين، واذا اخذت من القلزم غربيّها على ساحل البحر سرت فى مفاوز من حدود مصر حتّى تنتهى الى مفاوز هى للبجّة وبها معادن الذهب الى مدينة على شطّ البحر يقال لها عيداب ثمّ تمتدّ على بلد الحبشة وهى محاذية لمكّة والمدينة حتّى تحاذى قرب عدن ثمّ ينقطع الحبشة ويتّصل بظهر بلد النوبة حتّى ينتهى الى بلدان الزنج وهى من اوسع تلك الممالك فتمتدّ على محاذاة جميع بلدان الاسلام، وقد انتهى مسافة هذا البحر ثمّ يعرض فيه جزائر واقاليم مختلفة الى ان يحاذى أرض الصين وقد صوّرت هذا البحر وذكرت حدوده مطلقا وساصف ما يحيط به وما فى اضعافه جملا يقف عليه من قرأه ان شآء الله، امّا ما كان من هذا البحر من القلزم الى ما يحاذى بطن اليمن فانّه يسمّى بحر القلزم ومقداره نحو ثلاثين مرحلة طولا وعرضه اوسع ما يكون غير مسير ثلاث ليال ثمّ
لا يزال يضيق حتّى يرى من بعض جنباته الجانب الآخر حتّى ينتهى الى القلزم ثمّ يدور على الجانب الآخر من بحر القلزم وبحر القلزم مثل الوادى به جبال كثيرة قد علا الماء عليها وطرق السفن بها معروفة لا يهتدى فيها الّا بربّان يتخلّل بالسفينة فى اضعاف تلك الجبال بالنهار فامّا بالليل فلا يسلك وماؤه صاف ترى تلك الجبال فيه وفى هذا البحر ما بين القلزم وايلة مكان يعرف بتاران وهو اخبث ما فى هذا البحر من الاماكن وذلك انّه دوّارة ماء فى سفح جبل اذا وقعت الريح على ذروته انقطعت الريح على قسمين فتنزل الريح على شعبين فى هذا الجبل متقابلين فتخرج الريح من كلى هذين الشعبين فتتقابل فيثور الماء وتتبلّد كلّ سفينة تقع فى تلك الدوّارة باختلاف الريحين وتتلف فلا تسلم واحدة واذا كان للجنوب ادنى مهبّ فلا سبيل الى سلوكه ومقدار طوله نحو ستّة
اميال وهو الموضع الّذى غرق فيه فرعون وبقرب تاران موضع يعرف بجبيلات يهيج ويتلاطم امواجه باليسير من الريح وهو موضع مخوف ايضا فلا يسلك بالصبا مغرّبا وبالدبور مشرّقا واذا حاذى أيلة ففيه سمك كثير مختلف الالوان، فاذا قابل بطن اليمن سمّى بحر عدن الى ان يجاوز عدن ثمّ يسمّى بحر الزنج الى ان يحاذى عمان عاطفا على فارس وهذا بحر يعرض حتّى يقال انّ عبره الى بلد الزنج سبع مائة فرسخ، وهو بحر مظلم اسود لا يرى ممّا فيه شىء وبقرب عدن معدن اللؤلؤ يخرج ما
يرتفع منه الى عدن، واذا جزت عمان الى ان تخرج عن حدود الاسلام وتتجاوزه الى قرب سرنديب يسمّى بحر فارس وهو عريض البطن جدّا فى جنوبه بلدان الزنج وفى هذا البحر هوارات كثيرة ومعاطف صعبة ومن اشدّها ما بين جنّابة والبصرة فانّه مكان يسمّى هور جنّابة وهو مكان مخوف لا تكاد تسلم منه سفينة عند هيجان البحر، وبها مكان يعرف بالخشبات من عبّادان على نحو من ستّة اميال على جرى ماء دجلة الى البحر ويرقّ الماء حتّى يخاف على السفن الكبار ان سلكته ان تجلس على الارض الّا فى وقت المدّ وبهذا الموضع خشبات منصوبة قد بنى عليها مرقب يسكنه ناظور يوقد بالليل ليهتدى به ويعلم به المدخل الى دجلة وهو مكان مخوف اذا ضلّت السفينة فيه خيف انكسارها لرقّة الماء وبحذاء جنّابة مكان يعرف بخارك وبه معدن اللؤلؤ يخرج منه الشيء اليسير الّا انّ النادر اذا وقع من هذا المعدن فاق فى القيمة غيره ويقال انّ الدّرّة اليتيمة تقع من هذا المعدن، وبعمان وبسرنديب فى هذا البحر معدن لؤلؤ ولا اعلم معدنا للّؤلؤ الّا ببحر فارس ولهذا البحر مدّ وجزر فى اليوم والليلة مرّتان من حدّ القلزم الى حدّ الصين حيث انتهى وليس لبحر المغرب ولا لبحر الروم ولا لسائر البحار مدّ ولا جزر غير بحر فارس وهو ان يرتفع الماء قريبا من عشرة اذرع ثمّ ينضب حتّى يرجع الى مقداره وفى هذا البطن من البحر الّذى نسبناه خصوصا الى فارس جزائر منها لافت وخارك وأوال وغيرها من الجزائر المسكونة وبها مياه عذبة وزرع وضرع، فهذه جوامع من صفة هذا البحر من حدود الاسلام
وسأصف ما على سواحله صفة جامعة نبتدئ منها بالقلزم ثمّ ننتهى الى جنباته ان شآء الله، وامّا القلزم فانّها مدينة على شفير البحر وينتهى هذا البحر اليها وهى فى عطف هذا البحر فى آخر لسانه وليس بها زرع ولا شجر ولا ماء وانّما يحمل لهم من آبار ومياه بعيدة منهم وهى تامّة العمارة بها فرضة مصر والشام ومنها تحمل حمولات الشام ومصر الى الحجاز واليمن وسواحل هذا البحر وبينها وبين فسطاط مصر مرحلتان ثمّ ينتهى على شطّ البحر فلا تكون بها قرية ولا مدينة سوى مواضع فيها ناس مقيمون على صيد من هذا البحر وشىء من النخيل يسير حتّى ينتهى على تاران وجبيلات وما حاذى جبل الطور الى ايلة وأيلة هذه مدينة صغيرة عامرة بها زرع يسير وهى مدينة اليهود الّذين حرّم الله عليهم صيد السبت وجعل منهم القردة والخنازير وبها فى يد اليهود عهد لرسول الله ﷺ وامّا مدين وما انتهى على هذا البحر فى عطوف اليمن الى عمان والبحرين الى عبّادان فقد وصفناه فى صفة ديار العرب وامّا عبّادان فانّها حصن صغير عامر على شطّ البحر ومجمع ماء دجلة وهو رباط كان فيه محارس للقطريّة وغيرهم من متلصّصة البحر وبها على دوام
الايّام مرابطون ثمّ تقطع عرض دجلة فتصير على ساحل هذا البحر الى مهروبان من حدّ فارس ويعرض فيها اماكن تمنع من السلوك الّا فى الماء وذلك انّ مياه خوزستان تجتمع الى دورق وحصن مهدىّ وباسيان فتتّصل بماء البحر ومهروبان مدينة صغيرة عامرة وهى فرضة ارّجان وما والاها من ادانى فارس وبعض خوزستان ثمّ ينتهى البحر على الساحل الى شينيز وهى مدينة اكبر من مهروبان ومنها يرتفع الشينيزىّ الّذى يحمل الى الآفاق ثمّ ينتهى الى جنّابة وجنّابة هذه مدينة اكبر من مهروبان وهى فرضة لسائر فارس خصبة شديدة الحرّ ثمّ ينتهى على الساحل الى سيف البحر الى نجيرم وهذا السيف ما بين جنّابة ونجيرم به قرى ومساكن ومزارع متفرّقة مفترشة شديدة الحرّ ثمّ ينتهى الى سيراف وهى الفرضة العظيمة لفارس وهى مدينة عظيمة ليس بها سوى الابنية شىء حتّى يجاوز على جبل يطلّ عليه وليس بها ماء يجمد ولا زرع ولا ضرع وهى اغنى بلاد فارس ثمّ يتجاوز على الساحل فى مواضع منقطعة تعترض بها جبال ومفاوز الى ان ينتهى الى حصن ابن عمارة وهو حصن منيع على هذا البحر وليس بجميع فارس حصن امنع منه ويقال انّ صاحب هذا الحصن
هو الّذى قال الله فيه وكان وراءهم ملك يأخذ كلّ سفينة غصبا وينتهى على ساحل هذا البحر الى هرموز وهى فرضة كرمان مدينة غرّآء كثيرة النخل حارّة جدّا ثمّ تسير على شطّه الى الدّيبل وهى مدينة عامرة وبها مجمع التجّار وهى فرضة لبلد السند وبلد السند هو المنصورة واراضى الزّطّ وما والاها الى الملتان ثمّ ينتهى على ساحل بلدان الهند الى ان يتّصل بساحل تبّت وينتهى الى ساحل الصين ثمّ الى الصين ثمّ لا يسلك بعده واذا اخذت من القلزم غربىّ هذا البحر فانّه ينتهى الى برّيّة قفرة لا شىء فيها الى ان يتّصل ببادية البجة والبجة قوم اصحاب اخبية شعر اشدّ سوادا من الحبشة فى زىّ العرب لا قرى لهم ولا مدن ولا زرع الّا ما ينقل اليهم من مدن الحبشة واليمن ومصر والنوبة وينتهى حدّهم الى ما بين الحبشة وأرض النوبة وأرض مصر وينتهى الى معادن الذهب، وياخذ هذا المعدن من قرب أسوان مصر على نحو من عشر مراحل حتّى ينتهى الى حصن على البحر يسمّى عيذاب ويسمّى مجمع الناس بهذا المعدن العلّاقى وهو رمال وأرض مبسوطة لا جبل بها واموال هذا المعدن يرتفع الى أرض مصر وهو معدن ذهب لا فضّة فيه، والبجة قوم يعبدون الاصنام وما استحسنوه ثمّ يتّصل ذلك بارض الحبشة وهم نصارى وتقرب الوانهم من الوان العرب بين السواد والبياض وهم متفرّقون فى ساحل هذا البحر الى ان يحاذى عدن وما كان من النمور والجلود الملمّعة واكثر جلود اليمن الّتى تدبغ للنعال تقع
منها الى عدوة اليمن، وهم اهل سلم ليسوا بدار حرب ولهم على الشطّ موضع يقال له زيلع فرضة للعبور الى الحجاز واليمن، ثمّ يتّصل ذلك بمفازة بلد النوبة والنّوبة نصارى وهى بلدان اوسع من الحبشة وبها من المدن والعمارة اكثر ممّا بالحبشة ويخترق نيل مصر فيما. بين مدنها وقراها حتّى يتجاوز ذلك الى رملة من أرض الزنج ثمّ يتجاوزه الى برارىّ يتعذّر مسلكها ثمّ ينتهى هذا البحر حتّى يتّصل بارض الزنج ممّا يحاذى عدن الى ان يمتدّ على البحر وتتجاوز محاذاتها جميع حدّ الاسلام ويدخل فيما حاذى بعض بلدان الهند لسعته وكثرته، وبلغنى انّ فى بعض اطراف الزنج صرودا فيها زنج بيض وبلد الزنج هذا بلد قشف قليل العمارة قليل الزروع الّا ما اتّصل بها من مستقرّ الملك.
النص من طبعة ليدن، أعادت دار صادر ببيروت تصويرها، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع