من «مسالك الممالك» للإصطخري (ت ٣٤٦هـ)
ديار مصر
وامّا مصر فانّ لها حدّا ياخذ من بحر الروم بين الاسكندريّة وبرقة فياخذ فى برارىّ حتّى ينتهى الى ظهر الواحات ويمتدّ الى بلد النوبة ثمّ يعطف على حدود النوبة فى حدّ أسوان الى ارض البجة من وراء اسوان حتّى ينتهى الى بحر القلزم ثمّ يمتدّ على بحر القلزم ويجاوز القلزم على البحر الى طور سينا ويعطف على تيه بنى اسرائيل ويمتدّ حتّى ينتهى الى بحر الروم فى الجفار خلف رفح والعريش ويمتدّ على بحر الروم الى ان ينتهى الى الاسكندريّة ويتّصل باوّل الحدّ الّذى ذكرناه المسافات بمصر من ساحل بحر الروم حيث ابتداناه الى ان يتّصل بارض النوبة من وراء الواحات نحو مرحلة ومن حدّ النوبة ممّا يلى الجنوب على حدود النوبة نحو مراحل ومن القلزم على ساحل البحر الى ان ينعطف على التيه مراحل ومن حدّ البحر على حدّ التيه الى ان يتّصل ببحر الروم نحو مراحل ويمتدّ على البحر الى اوّل الحدّ الّذى ذكرناه نحو مرحلة، وطولها من اسوان الى بحر الروم نحو مرحلة، وبها بحيرة فيها جزائر مسافتها نحو مرحلتين فى مثلها، فهذه جملة مسافاتها وامّا صفة مدنها وبقاعها فانّ مدينتها العظمى تسمّى الفسطاط وهى على النيل فى شرقيّه شمالىّ النيل وذلك انّ النيل يجرى مؤرّبا بين المشرق
والجنوب والبلد كلّه على جانب واحد الّا انّ فى عدوة النيل ابنية قليلة تعرف بالجزيرة وهى جزيرة يعبر من الفسطاط اليها على جسر فى سفن ويعبر من هذه الجزيرة الى الجانب الآخر على جسر آخر الى ابنية ومساكن على الشطّ الآخر يقال لها الجيزة، والفسطاط مدينة كبيرة نحو الثلث من بغداد ومقداره نحو ثلثى فرسخ، والفسطاط على غاية العمارة والخصب وبالفسطاط قبائل وخطط للعرب تنسب اليهم محالّها مثل ما بالكوفة والبصرة الّا انّها اقلّ من ذلك، وهى سبخة ومعظم بنائهم بالطوب طبقات واكثر السفل بها غير مسكونة وربّما بلغت طبقات الدار الواحدة ثمانى طبقات الّا فى طرف منها يسمّى الموقف فانّه اصلب قليلا، وبها بناء مفترش وذلك بالحمراء على شطّ النيل، وبها مسجدان للجمعة بنى احدهما عمرو ابن العاص فى وسط الاسواق والآخر باعلى الموقف بناه احمد بن طولون، وخارج مصر ابنية بناها احمد بن طولون تكون زيادة على ميل كان يسكنها جنده تسمّى القطائع كما كان بناء آل الاغلب خارج القيروان الرقّادة، وبها نخيل وثمار كثيرة وزروعهم على ماء النيل تمتدّ فتعمّ المزارع من حدّ اسوان الى حدّ الاسكندريّة وسائر الريف فيقيم الماء من عند ابتداء الحرّ الى الخريف ثم ينصرف فيزرع ثمّ لا يسقى بعد ذلك وارض مصر لا تمطر
ولا تثلج وليس بارض مصر مدينة يجرى فيها الماء دائما غير الفيّوم، والفيّوم هذه مدينة وسطة يقال انّ يوسف النّبيّ عم اتّخذ لهم مجرى يدوم لهم الماء وقوّم بحجارة وسمّاه اللّاهون وامّا النيل فانّ ابتداء مائه لا يعلم وذلك انّه يخرج من مفازة من وراء ارض الزنج لا تسلك حتّى ينتهى الى حدّ الزنج ثمّ يقطع فى مفاوز وعمارات ارض النوبة فيجرى على عمارات متّصلة الى ان يقع فى ارض مصر، وهو نهر يكون عند امتداده اكبر من دجلة والفرات اذا جمعا وماؤه اشدّ عذوبة وحلاوة وبياضا من سائر انهار الاسلام، وفى هذا النهر يكون التمساح والسقنقور وسمكة يقال لها الرعّادة لا يستطيع احد ان يقبض عليها وهى حيّة حتّى يرتعش وتسقط من يده فاذا ماتت فهى كسائر السمك. وامّا التمساح فانه دابّة من دوابّ الماء مستطيل الراس طول راسه يكون نحوا من نصف طول بدنه وله انياب لا يعضّ على دابّة ما كانت من سبع او جمل الّا مدّه فى الماء وربّما خرج من الماء فمشى فى البرّ وليس له فى البرّ سلطان ولا يضرّ احدا وجلده يشبه السّفن الّذى تتّخذ منه مقابض السيوف لا يعمل السلاح فيه الّا تحت يديه ورجليه ومكان الابط، وامّا السقنقور فانّه صنف من السمك الّا انّ له يدين ورجلين ويتعالج به للجماع ولا يكون فى مكان الّا فى النيل وعلى حافات النيل من حدّ اسوان الى ان يقع فى البحر مدن وقرى
منظومة متكاثفة وأسوان هذه ثغر النوبة الّا انّهم مهادنون وبصعيد مصر جنوبىّ النيل معدن الزبرجد فى برّيّة منقطعة عن العمارة ولا يعلم فى الارض معدن له غير هذا وفى شمالىّ النيل جبل بقرب الفسطاط يسمّى المقطّم فيه وفى نواحيه حجر الخماهن ويمتدّ هذا الجبل الى النوبة وعند هذا الجبل بحذاء الفسطاط قبر الشافعىّ فى جملة المقابر وامّا الاسكندريّة فهى مدينة على شطّ البحر كثيرة الرخام فى الفرش والابنية والعمد وبها منارة قد أسّست فى الماء من صخر رفيع السمك جدّا تشتمل على زيادة من ثلاث مائة بيت لا يصل المرتقى اليها الّا بدليل ويسمّى ما علا من النيل عن الفسطاط الصعيد وما تسفّل منه الريف ومن حدّ الفسطاط فى جنوبىّ النيل ابنية عظيمة يكثر عددها مفترشة على سائر الصعيد تدعى الاهرام وبحذاء الفسطاط على نحو من فرسخين منها ابنية عظيمة اكبرها اثنان ارتفاع كلّ واحد منهما اربع مائة ذراع وعرضه اربع مائة ذراع وطوله اربع مائة ذراع وهو فى صورة العماريّة مربّع الاسفل ثمّ لا يزال يرتفع ويضيق حتّى يصير اعلاه نحو مبرك جمل وملئت بنيانه بكتابة يونانيّة ومن داخله
طريق يسير فيه الناس رجّالة الى قريب اعلاه وفى هذين الهرمين طريق فى باطن الارض مخترق، واصحّ ما سمعت فى الاهرام انّها قبور الملوك الّذين كانوا بتلك الارض وعرض العمارة على النيل من حدّ اسوان ما بين نصف يوم الى يوم الى ان تنتهى الى الفسطاط ثمّ تعرض فيصير عرضها من حدّ الاسكندريّة الى الحوف الّذى يتّصل بمفازة القلزم نحو ثمانية ايّام، وما فى العرض من ارض مصر قفار وامّا الواحات فانّها بلاد كانت معمورة بالمياه والاشجار والقرى والناس فلم يبق فيها ديّار وبها الى يومنا هذا ثمار كثيرة وغنم قد توحّشت فهى تتوالد، والواحات من صعيد مصر اليها فى حدّ الجنوب نحو ثلاثة أيّام فى مفازة وتتّصل الواحات بالنوبة ببرّيّة فتنتهى الى ارض السودان وبارض مصر بحيرة يفيض فيها ماء النيل تتّصل ببحر الروم تعرف ببحيرة تنّيس اذا امتدّ النيل فى الصيف عذب ماؤها واذا نقص فى الشتاء الى اوان البحر غلب ماء البحر عليها فملح ماؤها، وفيها مدن مثل الجزائر تطيف البحيرة بها فلا طريق اليها الّا فى السفن فمن مشاهير تلك المدن تنّيس ودمياط وهما مدينتان لا زرع بهما ولا ضرع وبهما يتّخذ المرتفع من ثياب مصر، وهذه البحيرة قليلة العمق يسار فى اكثرها بالمرادىّ وبها سمكة تسمّى الدلفين فى خلقة الزقّ المنفوخ وسمكة اذا اكلها الانسان راى منامات هائلة ومن حدّ هذه البحيرة الى حدّ الشام ارض كلّها رمال متّصلة حسنة اللون تسمّى الجفار بها نخيل ومنازل ومياه مفترشة غير متّصلة ويتّصل حدّ الجفار ببحر الروم وحدّ بالتيه وحدّ باراضى فلسطين من الشام وحدّ
ببحيرة تنّيس وما اتّصل به من ريف مصر الى حدود القلزم وامّا تيه بنى اسرائيل فيقال انّ طوله نحو اربعين فرسخا وعرضه قريب من طوله وهى ارض منها صلبة ومنها رمال وبها نخيل وعيون مفترشة قليلة يتّصل حدّ له بالجفار وحدّ بجبل طور سينا وما اتّصل به وحدّ بازآء بيت المقدس وما اتّصل به من فلسطين وحدّ له ينتهى الى مفازة فى ظهر ريف مصر الى حدّ القلزم وامّا الأشمونين فانّها مدينة صغيرة عامرة ذات نخيل وزروع ويرتفع من الاشمونين ثياب كثيرة وبحذائها من شمالىّ النيل مدينة صغيرة يقال لها بوصير بها قتل مروان بن محمّد ويقال انّ سحرة فرعون الّذين حشرهم فى يوم موسى من بوصير فامّا أسوان فانّ بها نخيلا كثيرا وزروعا وهى اكبر مدن الصعيد واسنا واخميم متقاربتان فى العمارة صغيرتان عامرتان بالنخيل والزروع وذو النّون المصرىّ الناسك من اخميم والفرما على شطّ البحيرة وهى مدينة صغيرة خصبة وبها قبر جالينوس اليونانىّ، ومن الفرما الى تنّيس نحو فرسخين فى البحيرة وبتنّيس تلّ عظيم مبنىّ من اموات منضّدين بعضهم على بعض يسمّى هذا التلّ بوتون ويشبه ان يكون ذلك من قبل موسى عم لانّ ارض مصر فى ايّام موسى كان دينهم الدفن
ثمّ صارت للنصارى ودينهم الدفن ثمّ صارت للاسلام، ورأيت عليهم اكفانا من جنس الخيش وجماجم وعظاما فيها صلابة الى يومنا هذا وعين شمس ومنف هما قريتان قد خربتا كلّ واحدة منهما من الفسطاط على نحو أربعة اميال وعين شمس من شمالىّ الفسطاط ومنف من جنوبيّه ويقال انّهما كانتا مسكنين لفرعون، وعلى رأس جبل المقطّم فى قلّته مكان يعرف بتنّور فرعون يقال انّه كان اذا خرج من احد هذين الموضعين يوقد فيه فيعدّ فى المكان الآخر ما يعدّ له وفى نيل مصر مواضع لا يضرّ فيها التمساح منها عند الفسطاط وبوصير وغير ذلك من اماكن معروفة وحوالى الفسطاط زرع ينبت مثل القضبان يسمّى البلسان يتّخذ منه دهن البلسان لا يعرف بمكان فى الدنيا الّا هناك وامّا العبّاسة وفاقوس وجرجير فانّها من أرض الحوف ويعرف شمالىّ النيل اسفل من الفسطاط بالحوف وجنوبيّه بالريف ومعظم رساتيق مصر وقراها فى هذين الموضعين وامّا معدن الذهب فمن اسوان اليه خمسة عشر يوما والمعدن ليس فى ارض مصر ولاكنّه فى أرض البجة وينتهى الى عيذاب، ويقال انّ عيذاب ليست من ارض البجة وانّما هى من مدن الحبشة، والمعدن أرض مبسوطة لا جبل فيها وانّما هى رمال ورضراض ويسمّى ذلك المكان الّذى فيه مجمع الناس العلّاقى، وليس للبجة قرى ولا خصب فيه غنآء وانّما هم بادية ولهم نجب يقال انّ ما فى النجب اسير منها ورقيقهم ونجبهم وسائر ما بارضهم يقع الى مصر
وبمصر بغال وحمير لا يعرف فى شىء من بلدان الاسلام احسن ولا اثمن منها، ولهم من وراء اسوان حمير صغار فى مقدار الكباش ملمّعة تشبه البغال الملمّعة اذا اخرجت من مواضعها لم تعش، ولهم حمير يقال لها السملاقية بارض الصعيد زعموا انّ احد ابويها من الوحشىّ والآخر من الاهلىّ فهى اسير تلك الحمير وبالجفار حيّات فى مقدار الشبر تثب من الارض حتّى تقع فى المحامل فتلسع، واهل مصر فى اخبارهم يزعمون انّ الجفار فى ايّام فرعون كانت معمورة بالقرى والمياه وانّ الّذى قال الله تعالى ودمّرنا ما.
كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون هو الجفار ولذلك سمّى العريش عريشا
النص من طبعة ليدن، أعادت دار صادر ببيروت تصويرها، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع