تجاوز إلى المحتوى

من «صورة الأرض» لابن حوقل (ت بعد ٣٦٧هـ)

المقدمة

بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله المحمود بنعمه المشكور على آلائه وقسمه وصلّى الله على خير خلقه محمّد وأبرار عترته وسلّم، أمّا بعد فإنّ أحقّ من رقى الى المكارم فحلّ منها فى الذروة وسما الى الرغائب فلذّ منها بالصفوة من قدّمته خلائقه وفضّلته سوابقه وأصبح ومناويه مخصوم وثانيه معدوم والمستسلم اليه آمن والمتمسّك بحبله ساكن واللاجئ اليه موفّق والمثنى عليه مصدّق فهو للعلم وأهله حليف وبالأدب والمعتزى اليه خصيص شريف قد رسخت فيهما أعراقه ووشجت وانتسجت بهما همّه وأخلاقه ذاك أبو السرىّ الحسن بن الفضل بن أبى السرىّ الاصبهانىّ سليل السراة وشهاب الكفاة وغيث العفاة زمام الفضائل وقطب الخصائل والأحقّ بقول القائل

كم عارف بى لست أعرفهومخبّر عنّى ولم يرنى
يأتيهم خبرى وإن نزحتدارى وبوعد عنهم وطنى

والى الله أرغب فى إطالة مدّته ورفع درجته وسموّ منزلته إنّه مجيب قريب، وقد عملت له كتابى هذا بصفة أشكال الأرض ومقدارها فى الطول والعرض وأقاليم البلدان ومحلّ الغامر منها والعمران من جميع بلاد الإسلام بتفصيل مدنها وتقسيم ما تفرّد بالأعمال المجموعة اليها، ولم أقصد الأقاليم السبعة التى عليها قسمة الأرض لأنّ الصورة الهنديّة التى بالقواذيان وإن كانت صحيحة فكثيرة التخليط وقد جعلت لكلّ قطعة أفردتها تصويرا

وشكلا يحكى موضع ذلك الإقليم ثمّ ذكرت ما يحيط به من الأماكن والبقاع وما فى أضعافها من المدن والأصقاع وما لها من القوانين والارتفاع وما فيها من الأنهار والبحار وما يحتاج الى معرفته من جوامع ما يشتمل عليه ذلك الإقليم من وجوه الأموال والجبايات والأعشار والخراجات والمسافات فى الطرقات وما فيه من المجالب والتجارات إذ ذلك علم يتفرّد به الملوك الساسة وأهل المروات والسادة من جميع الطبقات، [وكان ممّا حضّنى على تأليفه وحثّنى على تصنيفه وجذبنى الى رسمه أنّى لم أزل فى حال الصبوة شغفا بقراءة كتب المسالك متطلّعا الى كيفيّة البين بين الممالك فى السير والحقائق وتباينهم فى المذاهب والطرائق وكمّيّة وقوع ذلك فى الهمم والرسوم والمعارف والعلوم والخصوص والعموم وترعرعت فقرأت الكتب الجليلة المعروفة والتواليف الشريفة الموصوفة فلم أقرأ فى المسالك كتابا مقنعا وما رأيت فيها رسما متبعا فدعانى ذلك الى تأليف هذا الكتاب واستنطاقى فيه وجوها من القول والخطاب وأعاننى عليه تواصل السفر وانزعاجى عن وطنى مع ما سبق به القدر لاستيفاء الرزق والأثر والشهوة لبلوغ الوطر بجور السلطان وكلب الزمان وتواصل الشدائد على أهل المشرق والعدوان واستئناس سلاطينه بالجور بعد العدل والطغيان وكثرة الجوائح والنوائب وتعاقب الكلف والمصائب واختلال النعم وقحط الديم،] [فبدأت سفرى هذا من مدينة السلام يوم الخميس لسبع خلون من شهر رمضان سنة إحدى وثلثين وثلثمائة وفيه خرج أبو محمّد الحسن بن عبد الله بن حمدان منهزما عنها الى ديار ربيعة من أيدى الأتراك وقد

عملوا على القبض عليه بعد أن استتبّت له الأمور بها واتّسعت به الأحوال فيها وشرفت به الأعمال وتناهى فى الصولة ولقّب بناصر الدولة وأنا من حداثة السنّ وغرّته وفى عنفوان الشباب وسكرته قوىّ البضاعة ظاهر الاستطاعة،] وقد ذكرت فى آخر كتابى هذا كيف تعاورتنى الأسفار واقتطعتنى فى البرّ دون ركوب البحار الى أن سلكت وجه الأرض بأجمعه فى طولها وقطعت وتر الشمس على ظهرها، ووصفت رجالات أهل البلدان وأعيان ملوكها من ذوى السلطان وأهل الإمكان والمقدّمين فى كلّ ناحية وبلد بالإحسان الى ذكر النادرة بعد النادرة من محاسنهم والفضيلة بعد الفضيلة من مكارسهم، ولم أستقص ذلك كراهية الإطالة المؤدّية الى ملال قارئه ولأنّ الغرض فى كتابى هذا تصوير هذه الأقاليم التى لم يذكرها أحد علمته ممّن شاهدها، فأمّا ذكر مدنها وجبالها وأنهارها وبحارها والمسافات فيها وبعض ما أنا ذاكره فقد يوجد فى الأخبار متفرّقا ولا يتعذّر على من أراد تقصّى شىء من ذلك من سافرة أهل كلّ بلد وإن كانت المتعصّبة للبلدان والقبائل جارية على خلاف ما توخّيته وشرعت فيه ورسمته من قصدها لحقائقها وإيرادها على ما هى عليه من طرائقها،

النص من طبعة ليدن، أعادت دار صادر ببيروت تصويرها، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صورة الأرض»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.