تجاوز إلى المحتوى

من «صورة الأرض» لابن حوقل (ت بعد ٣٦٧هـ)

صقليه

ويلحق بها فى حسن الحال ممّا هو بيد أهل الإسلام صقلّيه وهى جزيرة [على شكل مثلّث متساوى الساقين زاويته الحادّة من غربىّ الجزيرة] طولها سبعة أيّام فى أربعة أيّام [وهى فى شرقىّ الاندلس فى لجّ البحر وتحاذيها من بلاد الغرب بلاد افريقية وباجة وطبرقه الى مرسى الخرز وغربيّها فى البحر جزيرة قرشقه ومن جنوب صقلّية جزيرة قوسره وعلى ساحل البحر شرقيّها من البرّ الأعظم الذي عليه قسطنطينيّة مدينة ريو ثمّ نواحى قلوريه]، والغالب عليها الجبال والقلاع والحصون وأكثر أرضها مسكونة مزروعة وليس لها مدينة مشهورة معروفة غير المدينة المعروفة ببلرم قصبة صقليه وهى على نحر البحر وهى خمس حارات متجاورة غير متباينة ببعيد مسافة وإن كانت حدودها ظاهرة بيّنة، ومنها المدينة الكبرى المسمّاة بلرم وعليها سور عظيم من حجارة شامخ منيع يسكنها التجّار وفيها مسجد الجامع الأكبر وكان بيعة للروم قبيل فتحها وفيه هيكل عظيم ويقول بعض المنطقيّين أنّ حكيم يونان يعنى ارسطوطالس فى خشبة معلّق فى هذا الهيكل الذي قد اتّخذه المسلمون مسجدا وأنّ النصارى كانت تعظّم قبره وتستشفى به لما شاهدت يونان عليه من إكباره وإعظامه قال والسبب فى تعليقه بين السماء والأرض ما كان الناس يلاقونه عند الاستسقاء والاستشفاء والأمور المهمّة التى

توجب الفزعة الى الله تعالى والتقرّب اليه فى حين الشدّة وخوف الهلكة وعند وطئ بعضهم لبعض وقد رأيت خشبة يوشك أن يكون هذا القبر فيها، وتجاهها مدينة تعرف بالخالصة ذات سور من حجارة وليس كسور بلرم يسكنها السلطان وأتباعه وفيها حمّامان ولا أسواق فيها ولا فنادق وفيها مسجد جامع صغير مقتصد وبها جيش للسلطان ودار صناعة للبحر والديوان ولها أربعة أبواب من قبولها ودبورها وغربها وشرقيّها البحر وسور لا باب له، وحارة تعرف بحارة الصقالبة وهى أعمر من المدينتين اللتين ذكرتهما وأجلّ ومرسى البحر بها وبها عيون جارية بينها وبين صقلّية ومياه كالحدّ بينهما، وحارة تعرف بحارة المسجد المعروف بابن سقلاب وهى كبيرة أيضا وليس بها مياه جارية وشرب أهلها من الأبآر وعلى طرفها الوادى المعروف بوادى عبّاس وهو عظيم كبير ومطاحنهم عليه كثيرة وبساتينهم وأجنّتهم غير منتفعة به، والحارة الجديدة وهى كبيرة تقارب حارة المسجد وليس بينهما فرق ولا فاصلة ولا عليهما ولا على حارة الصقالبة سور، وأكثر الأسواق فيما بين مسجد ابن سقلاب والحارة الجديدة كسوق الزّياتين بأجمعهم والدّقاقين والصيارفة والصيادنة والحدّادين والصياقلة وأسواق القمح والطرازيّين والسمّاكين والأبزاريّين وطائفة من القصّابين وباعة البقل وأصحاب الفاكهة والريحانيّين والجرّارين والخبّازين والجدّالين وطائفة من العطّارين والجزّارين والأساكفة والدبّاغين والنجّارين والغضائريّين والخشّابين خارج المدينة وببلرم طائفة من القصّابين والجرّارين والأساكفة وبها للقصّابين دون المائتى حانوت

لبيع اللحم والقليل منهم فى المدينة برأس السماط ويجاورهم القطّانون والحلّاجون والحذّاؤون وبها غير سوق صالح، ويدلّ على قدرهم وعددهم صفة مسجد جامعهم ببلرم وذلك أنّى حزرت المجتمع فيه إذا غصّ بأهله بلغ سبعة آلف رجل ونيّفا لأنّه لا يقوم فيه أكثر من ستّة وثلثين صفّا للصلاة وكلّ صفّ منها لا يزيد على مائتى رجل، وبصقلّيه من المساجد فى مدينة بلرم والمدينة المعروفة بالخالصة والحارات المحيطة بها من وراء سوريهما عامرة أكثرها قائمة على عروشها بحيطانها وأبوابها نيّف وثلثمائة مسجد يتواطأ أهل الخبرة منهم فى علمها ويتساوون فى معرفتها وعددها وبظاهرها ممّا حفّ بها ولاصقها وبين أجنّتها وأبراجها ومحالّ كانت متّصلة بالأقرب فالأقرب منها على الوادى المعروف بوادى عبّاس ومجاورة للمكان المعروف بالمعسكر فى ضمن البلد متبدّدة فى فحص عبّاس وبعضها فى أثر بعض الى المنزل المعروف بالبيضاء قرية تشرف على المدينة وبينهما نحو نصف فرسخ وقد خربت هلك أربابها بما دار عليهم من الفتن يعرف ذلك جميعهم غير مختلفين فى مقدارها وإنّها تزيد على مائتى مسجد، ولم أر لهذه العدّة من المساجد بمكان ولا بلد من البلدان الكبار التى تستولى على ضعف مساحتها شبها ولا سمعت من يدّعيه إلّا ما يتذاكره أهل قرطبه من أنّ بها خمس مائة مسجد ولم أقف على حقيقة ذلك من قرطبه وذكرته فى موضعه على شكّ منّى فيه وأنا محقّقه بصقلّيه لأنّى شاهدت أكثره، ولقد كنت واقفا ذات يوم بها فى جوار دار أبى محمّد عبد الواحد بن محمّد المعروف بالقفصىّ الفقيه الوثائقىّ فرأيت من مسجده فى مقدار رمية سهم نحو عشرة مساجد يدركها بصرى ومنها شىء تجاه شىء وبينهما عرض الطريق فقط، وسألت عن ذلك فأخبرت أنّ القوم لشدّة انتفاخ رؤوسهم كان يحبّ كلّ واحد منهم أن يكون له مسجد مقصور عليه لا يشركه فيه غير أهله وغاشيته وربّما كانا

أخوان منهم متلاصقة داراهما متصاقبة الحيطان وقد عمل كلّ واحد منهما مسجدا لنفسه ليكون جلوسه فيه وحده، وفى جملة هذه العشرة المساجد التى ذكرتها مسجد يصلّى فيه أبو محمّد ابن القفصىّ هذا وبينه وبين دار ولد له يتفقّه دون الأربعين خطوة وقد ابتنى ابنه مسجدا الى جانب داره وهو أحد حدودها الأوّل جديدا مغلق الباب أبدا ويحضر أوقات الصلاة وهو جالس فى دهليز داره المجاورة الملاصقة لمسجده فلا يصلّى فيه، وكأنّ رغبته كانت فى ابتنائه أن يقال مسجد الفقيه بن الفقيه وهو حدث له من نفسه محلّ عظيم وخطر جسيم وكأنّه لعظم خطره عنده أنّه يظنّ أبو أبيه أو أنّه بغير أب لبأوه وصلفه وحسن ركبته وزيّه وفى هذه الأربعين خطوة التى ذكرت بين مسجده ومسجد أبيه مسجد آخر معلّق له إمام وفيه مكتب، وبها رباطات كثيرة على ساحل البحر مشحونة بالرياء والنفاق والبطّالين والفسّاق متمرّدين شيوخ وأحداث أغثاث رثاث قد عملوا السجّادات منتصبين لأخذ الصدقات وقذف المحصنات نقم منزلة وبلايا شاملة وحتوف مصبوبة منصوبة وأكثرهم يقودون ومنهم من لا يرى ذلك لشدّة الرياء والسمعة وأكثرهم بالزور تطوّعا يشهدون مع جهل لا يفرّق فيه بين فرض الوضو وسنّته ويقصدهم من أعوزه المكان لبطالته والموضع لعيارته فيؤونه وربّما شاركوه بتافه من المأكول على أحوال يقبح ذكرها وليس هذا الكتاب ممّا يذكر فيه مثلها، وأحسب تأسيسها كان على غير التقوى حسب ما أسّست عليه المساجد المتقدّم ذكرها فهارت وباد أهلها بما جنوه من الفتن والعصيان وشقّ عصا السلطان والله أعلم، وكنت ذكرت أحوال الخالصة وأبوابها وما فيها ولم أذكر بلرم وهى

المدينة القديمة وأشهر أبوابها باب البحر وسمّى بذلك لقربه من البحر ويليه باب أحدثه أبو الحسين أحمد بن الحسن بن أبى الحسين لشكوى أهل هذه الناحية بعد مخرجهم فعمله على نشز مطلّ على نهر وعين تدعى عين شفاء وبها يعرف هذا الباب وقتنا هذا ولمن قرب منه مرفق بهذه العين، ثمّ باب يعرف بشنتغاث وهو باب قديم واليه باب يعرف بباب روطه وروطه نهر كبير يهبط من هذا الباب اليه وأصله تحت هذا الباب وفيه ماء صالح عليه أرحية كثيرة متقاطرة، ثمّ باب الرياض وهو أيضا محدث استحدثه أبو الحسين أحمد بن الحسن وكان بجواره باب يعرف بابن قرهب فى موضع غير حصين وكانت المدينة قوتلت عليه قديما فدخل على أهلها منه معرّة وضرر جسيم فسدّه أبو الحسين وأزاله وبجواره باب الأنباء وهو أقدم أبوابها واليه باب السودان تجاه الحدّادين ثمّ باب الحديد ومنه المخرج الى حارة اليهود واليه باب استحدثه أبو الحسين أيضا ولم يسمّ باسم ويخرج منه الى حارة أبى جمين وجميعها تسعة أبواب، وهذه المدينة مستطيلة ذات سوق قد أخذ من شرقها الى غربها يعرف بالسماط مفروش بالحجارة عامر من أوّله الى آخره بضروب التجارة ويطيف بها عيون كثيرة منصبّة من غربها الى شرقها ويكون مقدارها ما يدير رحى وعلى مائها غير رحى تطحن فى غير مكان ويجاور مصبّ ماء هذه العيون من حيث بدؤ مسيلها الى حيث مصبّها فى البحر أراض كثيرة تغلب عليها السباخ وآجام فيها قصب فارسىّ وبحائر ومقاث صالحة وفى خلال أراضيها بقاع قد غلب عليها البربير وهو البردىّ المعمول منه الطوامير ولا أعلم لما بمصر من هذا البربير نظيرا على وجه الأرض إلّا ما

بصقلّيه منه وأكثره يفتل حبالا لمراسى المراكب وأقلّه يعمل للسلطان منه طوامير القراطيس ولن يزيد على قلّة كفايته، وشرب أهل المدينة وهم المجاورون لسورها من نحو باب الرياض الى نحو عين شفاء من مياه هذه العيون وباقى أهلها وأهل الخالصة وجميع أهل الحارات شربهم من أبآر دورهم خفيفا كان أو ثقيلا من الماء ويلذّ لهم على كثرة المياه العذبة الجارية عندهم وذلك لكثرة أكلهم البصل، وشرب أهل المعسكر فمن العين المعروفة بالغربال وماؤها صالح وبالمعسكر عين تعرف [بعين التسع دون الغربال فى كثرة الماء وعين تعرف] بعين أبى سعيد دونها وعين تعرف بعين أبى علىّ وكان من بعض ولاتهم فهى مضافة اليه وشرب الناحية المعروفة بالغربيّة فمن العين المعروفة بعين الحديد وهناك معدن للسلطان من الحديد يصرف ما يستثار منه لحاجته فى مراكبه وقرسطياته وكان هذا المعدن لبنى الأغلب يجدى عليهم الكثير [وهو بقرب قرية تعرف ببلهرا وفيها عيون وأنهار تتفجّر منها وهى تمدّ وادى عبّاس وتقوّيه وهى كثيرة البساتين والكروم]، ويحيط بالبلد عيون غير مشهورة وينتفع بمياهها كالقادوس فى ناحية القبلة وبها الفوّارة الصغيرة والفوّارة الكبيرة على أنف الجبل من البلد وهى أغزر عيونهم ماء وتنصرف هذه المياه الى أجنّتهم، ولقرية البيضاء عين حسنة تعرف بالبيضاء وتصاقب الغربال والغربيّة وشرب الناحية المعروفة ببرج البطّال من العين المعروفة بعين أبى مالك وأكثر مياه الدبور من أراضى المدينة لأجنّتهم فبالسوانى، ولهم أجنّة كثيرة الخير وبساتين أعذاء بخوس لا تسقى كالشأم وأكثر مياه البلد والحارات من الأبآر ثقيلة غير مرئة وإنّما صرفهم الى شربها رغبة عن شرب الماء الجارى العذب قلّة مروآتهم وكثرة أكلهم للبصل وفساد حواسّهم بكثرة تغذّيهم بالنىّ منه وما فيهم من

لا يأكله كلّ يوم أو يؤكل فى داره صباح مساء من سائر طبقاتهم وهو الذي أفسد تخيّلهم وضرّ أدمغتهم وحيّر حواسّهم وغيّر عقولهم ونقص أفهامهم وبلّد معارفهم وأفسد سحنة وجوههم وأحال أمزجتهم حتّى رأوا الأشياء أو أكثرها على خلاف ما هى به، وممّا يؤيّد قولى ويشهد ببرهانه ما حكاه يوسف بن إبراهيم الكاتب فى كتاب أخبار الأطبّاء عند نزوله بدمشق على عيسى بن الحكم وهو المسيح المتطبّب قال ذاكرته بالبصل فلم يزل فى ذمّه ووصف معائبه وكان عيسى وسلمويه بن بيان يسلكان طريق الرهبان ولا يحمدان شيئا يزيد فى الباءة ويقولان أنّ ذلك يتلف الأبدان ويذهب الأنفس فلم أستحسن الاحتجاج عليه بزيادة البصل فى الباءة فقلت قد رأيت منه فى سفرى هذا منفعة فسأل عنها فقلت إنّى كنت أذوق الماء فى بعض المناهل فأجده كريها فآكل البصل وأعاود شربه فأجد حاله قد نقصت وكان عيسى قليل الضحك فاستضحك من قولى ثمّ استرجع بجزع منه وقال يعزز علىّ أن يغلط مثلك هذا الغلط لأنّك صرت الى أسمج نكتة فى البصل فجعلتها منقبة يا هذا أليس متى حدث بالدماغ فساد فسدت الحواسّ حتّى ينقص حسّ الشمّ وحسّ الذوق والسمع والبصر فقلت اجل فقال إنّ خاصّيّة البصل إحداث فساد فى الدماغ وإنّما قلّل حسّك لملوحة الماء ولكراهيته ما أحدثه البصل فى دماغك من الفساد، وهذه قضيّة عقليّة فأمّا نتيجتها فليس بالبلد عاقل ولا فاضل ولا عالم بالحقيقة بفنّ من فنون العلم ولا ذو مروءة ولا متديّن والغالب عليه الرعاع وأكثر أهله سقّاط أوضاع لا عقول لهم ولا دين كامل وأكثرهم برقجانه وموال يدّعون ولاء قوم افتتحوها وقد هلكوا، وحدّثنى غير إنسان منهم أنّ عثمن بن الخرّاز ولى قضاءهم وكان ورعا قد ركن الى قوم منهم فى العدالة والشهادة ووقف آخرين عن قبولهم

فرفعت اليه امرأة اعتورتها مطالبة فى دار لها باطلة فسألها البيّنة وادّعت ملك اليد الى شهود وشهادات معها وأحضرتهم عنده فاستزادها شهودا وكان يسكن الى شهادة أبى إبراهيم إسحاق بن الماجلىّ المعلّم وكان له بأمرها علم وسألته إقامة الشهادة وهو ينكل عنها الى أن ضمنت له رشوة رباعيّات على أدائها فشهد لها بذلك واتّفق أنّ عثمن بادر بإمضاء تنفيذ الحكم بشهادة إسحاق وعمل على التسجيل لها بذلك وطلب إسحاق ما ضمنته المرأة له فدفعته وأبت أن تعطيه ما ضمنته له ظنّا بحقّها وثقة أنّ الشهادة قد قامت وأنّها لا تحتاج الى إسحاق ولا غيره وأحضر الحاكم إسحاق ليبدأ بشهادته على نفسه بإنفاذ الحكم للمرأة بشهادته فقال أعزّ الله الحاكم هذه الشهادة أنا راجع عنها لأمور قد أشكلت علىّ منها وكان الحاكم قد حفظ على إسحاق فى الشهادة ما لا يجوز معه الرجوع فاستراب قصّته وكشف عنها بالفحص الشديد فظهرت له القصّة على وجهها فكان لا يقبل شهادته ولا شهادة غيره وخرّج جماعتهم وأسقط شهادتهم، وصارت أكثر أحكامه جارية على الصلح وشكّ فيهم فلم تثنه اليهم رغبة ولا رهبة الى أن هلك بينهم وحضرته المنيّة فقال ليس بجميع البلد من يوصى اليه ودفع ديوانه الى رجل كان بها من الغرباء يعرف بالغضائرىّ من أهل القيروان وكان يزكّيه وظهرت هذه القصّة لأهل البلد فكانت إحدى وسائل ابن الماجلىّ فى إجلابهم واختيارهم له وتصييره حاكما عليهم وخطيبا لهم رغبة من بعضهم فى مظاهرته على ما يرجوه من الخيانة، وكان إسحاق على قولهم خفيف الوزن شديد الجهل كثير الإعجاب بتخلّفه غير ركيز ولا مهيب ولا فى سمت القضاة وحسبك بمعلّم برقجانىّ جعل قاضيا، وحدّثنى رجل من المقيمين بها يعرف بأبى الحرث فحل بن فلاح اللهيصىّ ثمّ الكتامىّ ورأيته يخبر كثيرا من أخبار البلد أنّه كان ورجل سمّاه بين يدى إسحاق بن الماجلىّ بعد أن ولى الحكم بها يوما وهو فى

محراب الجامع جالسا وبيده قضيّة لهما فى مهر وهو مقبل على قراءتها فكلما مرّ له فصل [داوم] على تقريظه لحسن ما تأتّى له من المعانى الجيّدة والشروط البديعة واستيفاء أسباب البلاغة وهما سكوت وهو مع كلّ فصل يفعل ذلك الى أن قام من المحراب وكان فيه متصدّرا كالقضاة فجلس بين أيديهما ولم يزل يقرأه ويعيد وصفه ويقول ما أراكما تسمعان هذه الحكومة التى ما حكم بمثلها والله أحد على وجه الأرض وأعاد قراءتها ثمّ رجع الى مكانه من المحراب، قال وكان ربّما مدّ يده الى الخصوم بالضرب، وأخبرنى جماعة منهم أنّ رجلا تقدّم اليه بخصم له فراجعه فى مناظرته وكان بين يديه مقصّ كبير فأخذه وأومأ به الى الرجل ليضربه فى وجهه فأقبل الرجل على نعل إسحاق وكانت بين يديه فتناولها فقال ولم مسست نعلى لتضربنى بها فقال لا ولكن خشية أن تقصد بالمقصّ وجهى لأتّقى بها منك، وله أخبار كثيرة فى أنواع من الجنون والخباط كان من مجانين المعلّمين وحمقاهم وكان من كبارهم وعليتهم، والغالب على البلد المعلّمون والمكاتب به فى كلّ مكان وهم فيه على طبقات مختلفة ومنازل شتّى متباينة من الصراع والخباط على ما يفوق جنون معلّى كلّ بلد وحمقى كلّ ناحية حتّى أنّهم المتكلّمون على السلطان فى سيره واختياراته والإطلاق بالقبائح من ألسنتهم بمعائبه وإضافة محاسنه الى قبائحه، وبالبلد منهم ما يقارب ثلثمائة معلّم ولم ينقص من ذلك إلّا القليل وليس كهذه العدّة بمكان من الأماكن ولا فى بلد من البلدان وإنّما توافرت عدّتهم مع قلّة منفعتهم لفرارهم من الغزو ورغبتهم عن الجهاد وذلك أنّ بلدهم ثغر من ثغور الروم وناحية تحادّ العدوّ والجهاد فيهم لم يزل قائما والنفير دائما مذ فتحت صقلّيه وولاتهم لا يفترونه وإذا نفروا لم يفتروا بالبلد أحدا إلّا من بذل الفدية عن نفسه أو أقام العذر فى نخلّفه مع رابطة السلطان وكان قد سبق الرسم بإعفاء المعلّمين قديما بينهم من

النوائب وحملت عليهم المغارم ففزع الى التعليم بلههم وحسّنه لديهم جهلهم مع قلّة الانتفاع به والجدوى منه فإنّ فيهم الكثير تمرّ به السنة فلا يصيب من جميع صبيانه وهم كثير عشرة دنانير فأىّ منزلة أقبح وصورة أخسّ وأوتح من رجل باع ما أوجب الله تعالى عليه من الجهاد وشرفه والغزو وعزّه بأخسّ منزلة وأوضع حرفة وأسقط صنيعة على أنّها فى أعيان البلاد مع تخريج أولاد السراة وأهل الإمكان عنصر الخذلان ومظانّ الحرمان وبالإجماع منهم ومن كلّ إنسان أنّ المعلّم أحمق محكوم عليه بالنقص والجهل والخفّة وقلّة العقل، ومن أعظم الرزيّة وأشدّ البليّة وأقطع النازلة أنّ جميع أهل صقلّيه لصغر أحلامهم ونقص درايتهم وبعد أفهامهم يعتقدون أنّ هذه الطائفة أعيانهم ولبابهم وفقهاؤهم ومحصّلوهم وأرباب فتاويهم وعدولهم وبهم عندهم يقوم الحلال والحرام وتعقد الأحكام وتنفذ الشهادات وهم الأدباء الخطباء، ولقد رأيت ولدا كان لإسحق ابن الماجلىّ المعلّم القاضى المتقدّم ذكره يخطبهم نحو حولين يجزم الأسماء مع الصلة ويجرّ الأفعال من أوّل خطبته الى آخرها، وخاطبت أديبا كان من أهلها يسعى ويدّعى الدراية بجميع الأحوال وقد نصب هذا الخطيب ما لم يسمّ فاعله أو رفع منصوبا وأظنّه كان مفعولا به فقلت أما سمعت الخطيب وما كان منه وذكرته له وقد ذهب عنّى اللفظ فقال كأنّه والله يا سيّدى كما تقول غير أنّا نحن لا نأبه لمثل هذا، ومن كبائر المذكورين من المعلّمين بها فى السير والعدالة وهو بالضدّ للغباء والجهالة وأشدّهم تقدّما عندهم أبو عبد الله محمّد بن عيسى ابن مطر المعلّم فى مسجد الزهرى بالسماط وقد سافر يشرّق ودخل المشرق وكتب الحديث، وأبو الحسن علىّ بن بانة المعروف بابن ألف سوط وهو اليه فى العدالة ويراه قوم منهم فوقه فى العلم والفقه وظلف النفس وكلاهما غبىّ عم ناقص رزىّ المنظر والمخبر، وحدّثنى أبو عبد الله محمّد بن عيسى

المعروف بالناشى القروىّ المتكلّم وكنّا معا بصقلّيه قال بينا أنا واقفا بالسماط بقرب مكتب ابن مطر أحادث إخوانا لى إذ وقف بهم ابن مطر فسلّموا عليه وسلّم علىّ فرددت عليه وأخذ فى صفتى وما أعتقده بأقبح عبارة وأبشع لفظ وإشارة وقال فى خلال قوله لى يعزز علىّ بعدك عن الحقّ فقلت لعن الله أبعدنا عن الحقّ وأقلّنا علما به فالتاث لونه وتغيّر فقال له القوم قد أنصفك لأنّه إنّما لعن الأبعد من الحقّ ولم يقصد إلّا الأقلّ علما بالله فقال الست عراقىّ المذهب فقلت لا وذلك أنّ أهل العراق يدّعون مرجئة وإنّما وسموا بذلك لتركهم القطع على أهل الكبائر بالخلود وأخذت أصف المسألة بيننا وبينهم فقال ما أرى قولكم إلّا قريبا من قولنا فقلت يا هذا إنّما أصف لك رأى أهل العراق المذموم عندى وأنا ضدّهم فقال وكيف فقلت نحن نقطع على تخليد أهل الكبائر فى النار فقال ما ظننت يقول بهذا غير أهل العراق وهو بجهله صباح مساء يكفّرهم فى كلّ مقعد ومشهد ويكفّر المعتزلة ولا يعلم اعتقادها بين الفرقتين التى هى أشهر أهل المذاهب ويطلق اللعن عليهما وهو لا يفرّق بين الوعيدىّ من المرجئ وهذه المنزلة أعلى منازل البله ورحم الله ناقلا فلقد ظلمه نقلة الأخبار بقطعهم عليه بالانفراد بالجهل، وكنت جالسا بصقلّيه يوم الجمعة لعشر خلون من رجب سنة اثنتين وستّين على دكّان المعروف بابن الانطاكىّ فى سماط بلرم وكان يوما مطيرا فى الساعة السادسة وعلى القيام الى الجامع وابن الانطاكىّ معا والجامع منّا على غلوة إذ أقبل ابن ألف سوط من نحو الجامع ومنزله بالقرب منه فقلنا الى أين فقال قد صلّى الناس وأنا أمضى أتقدّم لأشهد جنازة الخطيب وكان ابن الماجلىّ الخطيب الذي قدّمت ذكر تخلّفه توفّى ليلة الجمعة هذه ومضى يريد باب البحر وأطال ثمّ رجع وقد أئسنا من الصلاة فقلنا الى أين فقال بلغنى أنّهم ما صلّوا بعد فعدت لعلّى ألحق الصلاة ومضى فبقينا حيارى فى أمره نتعاود قلّة تحصيله وما يدفع الناس اليه فى شهادة مثله إذ أقبل فقلنا

هيه فقال قد صلّوا وأنا ماض لأصلّى فى المصلّى وهذا الرجل عندهم أثبت القوم عدالة وأشفّهم منزلة وهذه صورته، وأكثرت عنه وعن ابن مطر وجماعتهم واصفا قلّة فطنهم وكلال أفهامهم وحدّة جهلهم وسرعة طيشهم وموت يقظتهم وبراعة لؤمهم مع دوام غفلتهم وبشاعة تعاطيهم وكثرة معائبهم وسخف أغذيتهم المؤكّدة جهلهم وسوء تخلّيهم فى كتاب جعلته أبوابا عشرة بدأت منها بذكر ما يتفاخر به أهل الأمصار والقبائل والبلدان وما يلحقهم من الفضائل وكيفيّة لحاقها بالكور والمدن والرذائل المقصرة ببعضها عن الفخر والطيب والحسن ووسمته بكتاب صقلّيه ولم أترك لهم من فضيلة ورذيلة الى جميع ما خصّوا به ومنعوه وأعطوه وما حرموه الى غلظ طباعهم وسوء أخلاقهم وما انفردوا به من المطاعم المنتنة والأعراض القذرة الدرنة وغلبة كثرة الجفاء وطول المراء وسمّيت جميع معلّميهم الى ما وصل الىّ من أخبارهم ومحلّهم فى الرقاعة وخلعهم على مرّ الأيّام للسلطان والطاعة وحال الفرقة التى ليست كفرقة من فرق الإسلام ولا نحلة من النحل ولا فى بلد من البلدان ولا بدعة من البدع ولا مشاكلة لنحلة فى دين من الأديان، وهم المشعمذون أكثر أهل حصونهم وباديتهم وضياعهم رأيهم التزويج الى النصارى على أنّ ما كان بينهم من ولد ذكر لحق بأبيه من المشعمذين وما كانت من أنثى فنصرانيّة مع أمّها لا يصلّون ولا يتطهّرون ولا يزكّون ولا يحجّون وفيهم من يصوم شهر رمضان ويغتسلون إذا صاموا من الجنابة وهذه منقبة لا يشركهم فيها أحد وفضيلة دون جميع الخلق أحرزوا بها فى الجهل قصب السبق، ولقد أعددت كتابى هذا بذكرهم فيه ولكنّ نفوس أهل النبل وقلوب أهل الفضل متطلّعة الى علم الكلّ ولذكرها فى الخزائن منزلة ليست على ما هى به فى الحقيقة، ومن أرثّ ما رأيته بها وأغثّه خمسة معلّمين فى مكتب واحد

يعلّمون فيه الصبيان شركاء متشاكسون على باب عين شفاء يرؤسهم شيخ يعرف بالملطاط جبس ضبس أشقر أزرق من أقدم الناس على شهادة زور وولدان له ورجل يعرف بابن الودانى وآخر يدعى بأخى رجاء على مراتب فى شركتهم، وخرجت من صقلّيه وقد مات ابن الودانى فلو شاهدهم أكثر الناس حزنا وأشدّهم إخباتا وسمتا عند وفاته وتفجّعهم له وحنينهم عليه وتساكرهم فى بكائهم عند عزائهم لقهقه وضحك أو أبلس لجهلهم كالمرتبك، وأمّا حال يسارهم فإنّهم مع قلّة مؤنهم ونزور نفقاتهم وكثرة غلّاتهم ليس فيهم رجل ملك بدرة عين ولا رآها قطّ إلّا عند سلطان إن كان ممّن يدخل اليه ومحلّه محلّ من يؤذن له عليه، وبالأموال والجبايات واليسار يعتبر أحوال أهل المدن والكور والأقاليم وكذلك النبل والفضل الى غير ذلك مع أنّ مال جزيرة صقلّيه وقتنا هذا وهو أجلّ أوقاتها وأكثره وأغزره بأجمعه من سائر وجوهه وقوانينه خمسها ومستغلّاتها ومال اللطف والجوالى المرسومة على الجماجم ومال البحر والهدية الواجبة فى كلّ سنة على أهل قلوريه وقبالة الصيود وجميع المرافق وجهاتها وهذه جملة ارتفاعها......، فأمّا غلّاتها وخصبها وما هى عليه فى أسباب المآكل والمشارب فكالمواضع المشار اليها فى صدر الكتاب بالخصب والسعة قديما وفيما مضى ودخلتها وقد استحالت جميع أمورها من الخصب الى الجذب وخلق أربابها من أهل باديتها فكأرباب الجزائر العجم الغتم الصمّ البكم وسكّانها الذين لم يصفهم الأسفار من وراء بهيميّة غامرة لألبابهم وغفلة عن الحقوق والمواجب ظاهرة فى معاملاتهم وقول من الحقّ بعيد وشنآن للغريب والطارئ عليهم عظيم شديد لا يألفون ولا يؤلّفون آخذين لذلك عن حاضرتهم لأنّهم أيضا فى بغض التجّار والغرباء المجهّزين بمنزلة

ليست لجيل من أجيال العالم الجفاة ولا فى أهل الجبال الأجلاف الجساة مع قوام مصالحهم بالجلّابين وفقرهم وفاقتهم الى المسافرين لأنّها جزيرة لم تختصّ بوجه من فضائل البلدان غير القمح والصوف والشعر والخمر وصبابة من القند الى شىء من ثياب الكتّان والحقّ فيها أحقّ أن يتّبع فإنّه لا نظير لها جودة ورخصا ويباع مستعملها ممّا يقطع قطعين من الخمسين رباعيّا الى ستّين رباعيّا فيزيد على ما يشترى من أمثاله بمصر بالخمسين والستّين دينارا كثيرا، وجميع ما تقع اليه الضرورات وتدفع الحاجة اليه من سائر الطلبات بحلوب الى بلدهم ومحمول الى جزيرتهم، وقد جمعت مع فساد عقول أهلها وأديانهم فساد التربة والقمح والحبوب ولا يحول الحول عليها عندهم إلّا وقد فسدت وربّما ساست فى الأنادر قبل دخول المطامير والأهراء وليس يشبه وسخهم فى دورهم وسخ أقذار اليهود ولا ظلمة منازلهم وسوادها سواد الأتاتين والأفران وأجلّهم منزلة يسرح الدجاج على مقعده وتذرق الطيور على مصلّاه ومخدّته، وهذه جمل من أوصاف المغرب وما استقلّ به ممّا يضاف اليه ويقع فى جملته،

النص من طبعة ليدن، أعادت دار صادر ببيروت تصويرها، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صورة الأرض»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.