تجاوز إلى المحتوى

من «معجم ما استعجم» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

مقدمة المؤلف

بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله حمدا يقتضى رضاه، وصلى الله على محمد نبيه الذي اصطفاه، واختاره لرسالته واجتباه.

هذا كتاب ذكرت فيه، إن شاء الله، جملة ما ورد فى الحديث والأخبار، والتواريخ والأشعار، من المنازل والديار، والقرى والأمصار، والجبال والآثار، والمياه والآبار، والذارات والحرار، منسوبة محدّدة، ومبوّبة على حروف المعجم؟؟؟ مقة.

فإنّى لمّا رأيت ذلك قد استعجم على الناس، أردت أن أفصح عنه، بأن أذكر كلّ موضع مبيّن البناء، معجم الحروف، حتى لا يدرك فيه لبس ولا تحريف.

وقد قال أبو مالك الحضرمىّ: ربّ علم لم تعجم فصوله، فاستعجم محصوله.

فإنّ صحّة هذا لا تدرك بالفطنة والذكاء، كما يلحق المشتقّ من سائر الأسماء.

وما أكثر المؤتلف والمختلف فى أسماء هذه المواضع، مثل ناعجة وباعجة، ونبتل وثيتل، ونخلة ونحلة، وساية وشابة، والنّقرة والنّقرة، وجند

وجند، وجسان وحسّان، وجبجب وحبحب، وسنام وشبام، وسلع وسلع، والحوب، والحوأب، وقرن وقرن، وجفاف وحفاف، وحتّ وختّ»

وتريم وتريم، وتهامة ونهامة (بالنون)، و خزاز وجرار وحراز؛ وكذلك ما اشتبه أكثر حروفه، نحو سمن (بالنون) وسمى (بالياء)، وشمام (بالميم) وسقام (بالقاف)، وشابة (بالياء) وشامة (بالميم)، ونملى (بالنون)، وقملى (بالقاف)، وخملى (بالخاء)، وجرزان (بالزاى) وجرذان (بالذال)، وإلاهة وإهالة (بتقديم الهاء على اللام)، والقاعة والقاحة.

وقديما صحّف الناس فى مثل هذا.

قال ابن قتيبة: قرىء يوما على الأصمعىّ فى شعر أبى ذؤيب:

بأسفل ذات الدّير أفرد جحشها فقد ولهت يومين فهى خلوج فقال أعرابىّ حضر المجلس للقارىء: ضلّ ضلالك! إنما هى ذات الدّبر، بالباء المعجمة بواحدة، وهى ثنية عندنا. فأخذ الأصمعىّ بذلك فيما بعد.

وقال أبو حاتم: قرأت على الأصمعىّ فى شعر الراعى:

وأفرعن فى وادى الأمير بعد ماكسا البيد سافى القيظة المتناصر

فقال الأعرابىّ: لا أعرف وادى الأمير. قال: فقلت: إنها فى كتاب أبى عبيدة: «فى وادى دلاميد»، فقال: ولا أعرف هذا.

ولعلها جلاميد، ففصلت الجيم من اللام.

قال أبو حاتم: وفى رواية ابن جبلة: وادى الأميّل، باللام.

وكلّها غير معروفة.

فهؤلاء عدّة من العلماء قد اختلفوا فى اسم موضع، ولم يدروا وجه الصواب فيه، وسأبيّن ذلك فى موضعه إن شاء الله تعالى.

وهذا يزيد بن هارون، على إمامته فى الحديث، وتقدّمه فى العلم، كان يصحّف «جمدان»، وهو جبل فى الحجاز بين قديد وعسفان، من منازل بنى أسلم، فيقول: «جندان» بالنون. وذلك فى الحديث الذي يرويه العلاء عن أبى هريرة: (أن رسول الله ﷺ كان يسير فى طريق مكة، فمرّ على جبل يقال له جمدان، فقال: سيروا، هذا جمدان، سبق المفرّدون [قالوا: وما المفرّدون يا رسول الله؟ قال:] الذاكرون الله كثيرا والذاكرات).

وجماعة المحدّثين يقولون: «الحزوّرة» بفتح الزاى وتشديد الواو، لموضع يلى البيت الحرام، وبه كانت سوق مكة، وقد دخل اليوم فى المسجد، ويروون:

أن رسول الله ﷺ وقف بالحزوّرة، وقال: (والله إنّك لخير أرض الله، وأحبّ أرض الله إلىّ، ولولا أنى أخرجت منك ما خرجت).

رواه الزّهرى عن أبى سلمة، عن عبد الله بن عدىّ، عن النّبيّ ﷺ.

وإنما هى «الحزورة» بالتخفيف، لا يجوز غيره، قال الغنوىّ:

يوم ابن جدعان بجنب الحزورةكأنّه قيصر أو ذو الدّسكره

وترتيب حروف هذا الكتاب ترتيب حروف ا، ب، ت، ث.

فأبدأ بالهمزة والألف، نحو آرة، ثم بالهمزة والباء، نحو أبلى وأبان، ثم بالهمزة والتاء، نحو الأتم، ثم الهمزة والثاء، نحو الأثيل والاثاية، هكذا إلى انقضاء الحروف الثمانية والعشرين.

فجميع أبواب هذا الكتاب سبع مئة وأربعة وثمانون بابا، وهو ما يجتمع من ضرب ثمانية وعشرين فى مثلها، فالحرفان من كلّ اسم مقيّدان بالتّبويب، وأذكر باقى حروف الاسم، وأبيّن المشكل، بالمعجم والمهمل، وأذكر بناءه وضبطه، واشتقاقا إن عرف فيه، وأنسب كلّ قول إلى قائله، من اللّغويّين والأخباريّين المشهورين.

وجميع ما أورده فى هذا الكتاب عن السّكونىّ، فهو من كتاب أبى عبيد الله عمرو بن بشر السّكونىّ، فى جبال تهامة ومحالّها، يحمل جميع

ذلك عن الأبى الأشعث، عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك الكندىّ، عن عرّام بن الأصبغ السّلمىّ الأعرابىّ.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم ما استعجم»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.