من «معجم ما استعجم» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
تداخل بعض القبائل فى بعض
قال: فلما رأت القبائل ما وقع بينها من الاختلاف والفرقة، وتنافس الناس فى الماء والكلأ، والتماسهم المعاش فى المتّسع، وغلبة بعضهم بعضا على البلاد والمعاش، واستضعاف القوىّ الضعيف، انضمّ الذليل منهم إلى العزيز، وحالف القليل منهم الكثير، وتباين القوم فى ديارهم ومحالّهم، وانتشر كلّ قوم فيما يليهم.
فتيامنت عكّ بن الدّيث بن عدنان بن أدد، فيمن كان معهم ولحق بهم، إلى غور تهامة اليمن، فنزلوا فيما بين جبال السّروات وما يليها من جبال اليمن، إلى أسياف البحر، فى الكلأ والماء والمزدرع والمتّسع، وصاروا فيما هنالك بين البحر والجبل، متنكّبين لمقانب العرب فى سراياهم، معتزلين لحربهم وتغاورهم. والأشعرون متيامنون، ينتسبون إلى أدد بن زيد بن
يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، مقيمون على ذلك. وعكّ أكثرهم على نسبهم إلى عدنان، وطائفة منهم متيامنة إلى قحطان.
قال ابن الكلبىّ: حدثنى غياث بن إبراهيم، عن زيد بن أسلم، أن رسول الله ﷺ قال للأشعريّين حين قدموا عليه: «أنتم مهاجرة اليمن من ولد إسماعيل». وقال العباس بن مرداس وهو يفاخر عمرو بن معد يكرب بقبائل معدّ، ويعتزى إليهم:
وعكّ بن عدنان الذين تلقّبوابغسّان حتّى طرّدوا كلّ مطرد
وقال شاعر عكّ يفخر بنسبه إلى عدنان:
وعكّ بن عدنان أبونا، ومن يكنأباه أبونا يغلب الناس سوددا
قال هشام: إنما تنسب عكّ إلى عدنان بن أدد لاسم عدنان، وليس هو كما ذكروا.
وتيامنت شقرة وشقحب بنو نبت بن أدد وقبائل من أولاد عدنان، إلى بلاد اليمن وتهامة، ولحقوا بأهلها، فصاروا فى قبائلها وعمائرها، وأقاموا معهم، وانتسبوا إليهم، فدخلت شقحب فى أحاظة، من ذى الكلاع من حمير، وفيهم تقول العرب: والله لكأنما ترانى رجلا من أحاظة، مثلا تضربه فى تباعد
الرحم. ولحقت شقرة بمهرة بن حيدان من قضاعة. وتيامنت نبت بن نبت ابن أدد إليهم.
قال هشام: وكلّ هؤلاء دخلاء فيمن سمّينا، حلفاء لا ينسبون فيهم.
وتيامنت قبائل من أولاد معدّ بن عدنان؛ وتفرّقوا فى بلاد العرب، ولحقوا بأهلها، فيقال والله أعلم: إنّ مهرة بن حيدان بن معدّ.
قال: وصار بنو مجيد بن حيدة بن معدّ فى الأشعريّين قبيلة من قبائلهم، يقولون: مجيد بن الحنيك بن الجماهر بن الأشعر، ولهم يقول الشاعر:
أحبّ الأشعرين لحبّ ليلىوأكرمهم علىّ بنو مجيد
وقال آخرون: هم فى عكّ بن الدّيث، وهم فيهم بنو عمرو بن الحيّاد.
ولحق بهم جنيد بن معدّ، فهم فى عكّ.
وصار بنو عبيد الرّمّاح بن معدّ فى بنى مالك بن كنانة بن خزيمة، وهم رهط إبراهيم بن عربىّ بن منكث، عامل عبد الملك بن مروان على اليمامة، من بنى عبيد الرّمّاح، فيما يزعمون.
وصار عوف بن معدّ فى عضل بن محلّم بن حلمة بن الهون بن خزيمة بن مدركة.
قال هشام: لا أعرف لعوف ولدا.
ودخلت جنادة بن معدّ وقناصة بن معدّ فى السّكون، فهم، فيما يقال، تجيب وتراغم ابنا معاوية بن ثعلبة بن عقبة بن السّكون.
قال هشام: أنا أنكر هذا القول فى جنادة وفى تجيب.
ويقال: السّكون والسّكاسك ابنا أشرس بن ثور بن حيادة بن معدّ.
ومن هنالك قيل فى كندة ما قيل.
قال هشام: أنا أنكر هذا.
يقال: كندة بن عفير بن يعفر بن حيادة بن معدّ، قال امرؤ القيس بن حجر فى قتل أبيه حجر:
والله لا يذهب شيخى باطلاخير معدّ حسبا ونائلا
قال هشام: إنّما قال: «يا خير ناش فى معدّ نائلا».
قال: ولحقت شقيص، من قناصة بن معدّ، ثم من تراغم، بكلب، فهم فى بنى عامر الأجدار على نسبهم. ويقال إن شقيصا هو الحارث بن سيّار بن شجاع بن عوف بن تراغم.
قال هشام: هكذا نسبه، وليس شقيص من قناصة بن معدّ.
وقال رجل من بنى الماروت بن قناصة بن معدّ- قال هشام: إنّما الماروت من «تراغم»، ومن قال «تراغب» فهو خطأ، وبنو الماروت حلفاء فى بنى أبى ربيعة بن ذهل بن شيبان-
حين فارقهم إخوتهم بنو شقيص بن قناصة، فدخلوا فى كلب، وهو يذكر تراغم وتجيب وشقيصا، واغترابهم عن أصلهم، فقال الماروتىّ:
لقد نزحت شقيص عن أبيهاقناصة مثلما نزحت تجيب
وكانوا ينسبون إلى معدّفساقتها الزلازل والحروب
وحىّ من تراغم قد أشتّتبهم عنّا نوى عنّا ذهوب
وقال هشام: تجيب بنت السّكون؛ وقولهم هذا فى تجيب باطل..
وصار أود بن معدّ فى مذحج، فانتسبوا إلى صعب بن سعد العشيرة، وقالوا: أود بن صعب، وثبتوا معهم، وفيهم يقول الشاعر، كما زعم الشّرقىّ ابن القطامىّ:
ومن كان يدعو من معدّ نصيرهفما الأود من إخوانها بقريب
نأت دارهم حيث استقرّ محلّهمبصعب بن سعد والغريب غريب
وكم دونهم من شقّة وتنوفةأمالس قفر ما بهنّ عريب
وقال البجلىّ فى تفرّق بجيلة حين وقعت بينهم حرب الحدأة:
لقد فرّقتم فى كلّ أوبكتفريق الإله بنى معدّ
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع