تجاوز إلى المحتوى

من «معجم ما استعجم» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

ذكر جزيرة العرب (٢)

يا هذان، احتفرا هذا المكان، فاحتفرا عن مال كثير: من ذهب وفضّة، فأوقرا بعيريهما، ثم قالت لهما: إياكما أن تلفّتا فيختلس ما معكما. قال:

وأقبل الذّرّ حتى غشيهما، فمضيا غير بعيد، فالتفتا، فاختلس ما كان معهما من المال، وناديا: هل من ماء؟ قالت: نعم، انظرا فى موضع هذه الهضاب، وقالت، وقد غشيها الذّرّ:

يا ويلتى يا ويلتى من أجلى رى صغار الذّرّ يبغى هبلى سلّطن يفرين علىّ محملى لمّا رأين أنّه لا بدّ لى من منعة أحرز فيها معقلى ودخل الذّرّ منخريها ومسامعها، فوقعت، لشقّها، فهلكت. ووجد الجهنيّان عند الهضبة الماء، وهو الماء الذي يقال له مشجر، وهو بناحية فرش ملل، من مكة على سبع أو نحوها، ومن المدينة على ليلة، إلى جانب مثعر،

ماء لجهينة معروف، فيقال إنهما بقيا بتلك البلاد، وصارت بها جماعة جهينة.

وكانت بقايا من جذام، سكان أرض بتلك البلاد، يقال لها يندد، فأجلتهم عنها جهينة، وبها نخل وماء، فقال رجل من جذام حين ظعن منها، والتفت إلى يندد ونخلها:

تأبّرى يندد لا آبر لك وكان لعجوز من جذام هناك نخيلات بفناء بيتها، وكانت إذا سئلت عنهنّ قالت: هنّ بناتى. فقيل لهنّ بنات بحنة، ولا يعلمونها كانت بموضع قبل يندد، وفيها يقول الراجز:

لا يغرس الغارس إلّا عجوه أو ابن طاب ثابتا فى نجوه أو الصّياحى أو بنات بحنه فنزلت جهينة تلك البلاد، وتلاحقت قبائلهم وفصائلهم، فصارت نحوا من عشرين بطنا، وتفرّقت قبائل جهينة فى تلك الجبال، وهى الأشعر والأجرد وقدس وآرة ورضوى وصندد، وانتشروا فى أوديتها وشعابها وعراصها، وفيها العيون، والنخل، والزيتون، والبان، والياسمين، والعسل، وضرب من الأشجار والنبات، وأسهلوا إلى بطن إضم وأعراضه، وهو واد عظيم، تدفع فيه أودية، ويفرّغ فى البحر، ونزلوا ذا خشب، ويندد، والحاضرة، ولقفا

والفيض، وبواط، والمصلّى، وبدرا، وجفاف، وودّان، وينبع، والحوراء، ونزلوا ما أقبل من العرج والخبتين والرّويثة والروحاء، ثم استطالوا على الساحل، وامتدّوا فى التهائم وغيرها، حتى لقوا بليّا وجذام بناحية حقل من ساحل تيماء، وجاورهم فى منازلهم على الساحل قبائل من كنانة. ونزلت طوائف من جهينة بذى المروة وما يليها إلى فيف، فلم تزل جهينة بمنازلها حتى جاورتهم بها أشجع بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان، ثم نزلتها معهم مزينة بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر، فتجاورت هذه القبائل فى هذه البلاد، وتنافسوا فيها- وبيان ما صار لكلّ قبيلة من تلك الجبال وبلادها، فى الموضع الذي فيه حديث تلك القبيلة وعلم أمرها من هذا الكتاب- فخالفت بطون من جهينة بطونا من قيس عيلان، ونزلوا ناحية خيبر وحرّة النار إلى القفّ، وفى ذلك يقول الحصين ابن الحمام المرّىّ، فى الحرب التى كانت بين صرمة بن مرّة وسهم بن مرّة:

فيا أخوينا من أبينا وأمّناذروا موليينا من قضاعة يذهبا
فإن أنتم لم تفعلوا (لا أبالكمفلا تعلقونا ما كرهنا فنغضبا
للشاعر الحصين بن حمام الفزاري، من قصيدة «يا أخوينا من أبينا وأمنا»

فلم تزل جهينة فى تلك البلاد وجبالها والمواضع التى حصلت لها، بعد الذي صار لاشجع ومزينة من المنازل والمحالّ التى هم بها، إلى أن قام الإسلام، وهاجر النّبيّ ﷺ.

ثم ظعنت بعد جهينة سعد هذيم ونهد، ابنا زيد بن ليث بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، فنزلوا وادى القرى والحجر والجناب، وما والاهنّ من

البلاد، ولحقت بهم حوتكة بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، وفضائل من قدامة بن جرم بن ربّان، وهو علاف بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وبنو ملكان بن جرم، غير شكم بن عدىّ بن غنم بن ملكان بن جرم، وهم بطن ينسبون إلى فزارة، ويقولون: شكم بن ثعلبة بن عدىّ بن فزارة، والقوم حيث وضعوا أنفسهم.

فنزلت هذه القبائل تلك البلاد، فلم يزالوا بها حتى كثروا وانتشروا، فوقعت بينهم حرب، وكان العدد والقوّة والعزّ والثروة فى قبائل سعد بن زيد، فأخرجوا نهدا وحوتكة وبطون جرم منها، ونفوهم عنها، ورئيس بنى سعد يومئذ رزاح بن ربيعة بن حرام بن ضنّة بن عبد بن كبير بن عذرة بن سعد بن زيد، وهو أخو قصىّ بن كلاب لأمّه، ولم تجتمع قضاعة على أحد غيره وغير زهير بن جناب الكلبىّ، فقال زهير لما بلغه الذي كان من أمرهم، وإخراج رزاح قومه تلك القبائل من تلك البلاد، كراهة لذلك وعرف ما فى تفرّقهم من القلة والوهن، وساءه ذلك:

ألا من مبلغ عنّى رزاحافإنّى قد لحيتك فى اثنتين
للشاعر زهير بن جَناب الكلبي، اقرأ القصيدة
لحيتك فى بنى نهد بن زيدكما فرّقت بينهم وبينى
للشاعر زهير بن جَناب الكلبي، اقرأ القصيدة
أحوتكة بن أسلم إنّ قوماعنوكم بالمساءة قد عنونى

فظعنت نهد وحوتكة وجرم من تلك البلاد، وافترقت منها فصائل فى العرب، فلحقت بنو أبان وبنو نهد ببنى تغلب بن وائل، فيقال إنهم رهط الهذيل بن هبيرة التغلبىّ، قال عمرو بن كلثوم التغلبىّ وهو يعنى الهذيل:

هلكت وأهلكت العشيرة كلّهافنهدك نهد لا أرى لك أرقما
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «هلكت وأهلكت العشيرة كله»

وقال بشر بن سوادة بن شلوة فى ذلك للهذيل:

أنهديّا إذا ما جئت نهداوتدعى بالجزيرة من نزار
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «أنهدياً إذا ما جئت نهداً»
ألا تغنى كنانة عن أخيهازهير فى الملمّات الكبار
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «أنهدياً إذا ما جئت نهداً»
فيبرز جمعنا وبنو عدىّفيعلم أيّنا مولى صحار
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «أنهدياً إذا ما جئت نهداً»

وقال خراش: هذا الشّعر لعمرو بن كلثوم التغلبىّ.

وسارت حوتكة بعد إلى مصر، وأقام منهم أناس مع بلىّ، وأناس مع بنى حميس من جهينة، وأناس أيضا فى بنى لأى من بنى عذرة، ويقال إن الذين بمصر عامّتهم أنباط.

وسارت قبائل جرم ونهد إلى بلاد اليمن: مالك، وحزيمة، وصباح، وزيد، ومعاوية، وكعب، وأبو سود، بنو نهد، فجاوروا مذحج فى منازلهم من نجران وتثليث وما والاها، فنزلوا منها أرضا تلى السّراة، يقال لها أديم، وأمرهم يومئذ جميع، وكلمتهم واحدة، وغلبوا على بعض تلك البلاد، وناكرتهم طوائف من قبائل مذحج، وطمعوا فيهم، فقال عبد الله بن دهثم النّهدىّ فى ذلك:

لأخرجنّ صريما من مساكنهاوالمرّتين وهمّام بن سيّار
لم أدر ما يمن وأرض ذى يمنحتى نزلت أديما أفسح الدار

صريم: رجل من بنى زوىّ بن مالك بن نهد. وهمّام: منهم. والمرّتان:

مرّة بن مالك بن نهد، وأخ له آخر، له اسم غير مرّة، فسماهما المرّتين بأحدهما، وقال عمرو بن معد يكرب الزّبيدىّ:

لقد كان الحواضر ماء قومىفأصبحت الحواضر ماء نهد
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «لقد كان الحواضر ماء قومي»

وقال هبيرة بن عمرو النّهدى، وهو يذكر قبائل مذحج وخثعم، وتنمّرهم لهم، وتوعّدهم إياهم:

وكندة تهذى بالوعيد ومذحجوشهران من أهل الحجاز وواهب

قال: ونزلت خثعم السّراة قبل نهد.

قال: فكثرت بطون جرم ونهد بها وفصائلهم، فتلاحقوا، فاقتتلوا وتفرّقوا، وتشتّت أمرهم، ووقع الشرّ بينهم، وفى ذلك يقول أبو ليلى النّهدى، وهو خالد بن الصّقعب، جاهلىّ:

أتعرف الدار قفرا أم تحيّيهاأم تسأل الدار عن أخبار أهليها
دار لنهد وجرم إذ هم خلطإذ العشيرة لم تشمت أعاديها
حتّى رأيت سراة الحىّ قد جنحتتحت الضّبابة ترمينا ونرميها
وأصبح الودّ والأرحام بينهمزرق الأسنّة مجلوزا نواحيها
إذ لا تشايعنى نفسى لقتلهمولا لأخذ نساء الهون أسبيها

فلحقت نهد بن زيد ببنى الحارث بن كعب، فحالفوهم وجامعوهم، ولحقت جرم بن ربّان ببنى زبيد، فحالفوهم وصاروا معهم، فنسبت كلّ قبيلة مع حلفائها، يغزون معهم، ويحاربون من حاربهم، حتى تحاربت بنو الحارث وبنو زبيد، فى الحرب التى كانت بينهم، فالتقوا وعلى بنى الحارث عبد الله بن عبد المدان، وعلى

بنى زبيد عمرو بن معد يكرب الزّبيدىّ، فتعبّى القوم، فعبيت جرم لنهد، وتواقع الفريقان، فاقتتلوا، فكانت الدّبرة يومئذ على بنى زبيد، وفرّت جرم من حلفائها من زبيد، فقال عمرو بن معد يكرب فى ذلك، وهو يذكر جرما وفرارها عن زبيد:

لحا الله جرما كلّما ذرّ شارقوجوه كلاب هارشت فازبأرّت
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «ومرد على جرد شهدت طرادها»
ظللت كأنّى للرماح دريّةأقاتل عن أبناء جرم وفرّت
ولم تغن جرم نهدها إذ تلاقتاولكنّ جرما فى اللّقاء ابذعرّت

فلحقت جرم بنهد، وحالفوا فى بنى الحارث، وصاروا يغزون معهم إذا غزوا ويقاتلون معهم من قاتلوا، فقال فى ذلك عمرو بن معد يكرب- قال ابن الكلبىّ: أنشدنيها أسعر بن عمرو الجعفىّ، قال: أنشدنيها خالد بن قطن الحارثى:

قل للحصين إذا مررت بهأبصر إذا راميت من ترمى
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «أعددت للحدثان مطردا»
تهدى الوعيد لنا وتشتمناكمعرّض بيديه للدّهم
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «أعددت للحدثان مطردا»
أرأيت إن سبقت إليك يدىبمهنّد يهتزّ فى العظم
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «أعددت للحدثان مطردا»
هل يمنعنّك إن هممت بهعبداك من نهد ومن جرم
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «أعددت للحدثان مطردا»

قصيدة طويلة.

وقال خالد بن الصّقعب النّهدىّ فيما كان بين نهد وجرم:

عقدنا بيننا عقدا وثيقاشديدا لا يوصّل بالخيوط
فتلك بيوتنا وبيوت جرمتقارب شعر ذى الرأس المشيط
إذا ركبوا ترى نفيان خيلمضرّجة بأبدان شميط
ويؤويها الصّريخ إلى طحونكقرن الشّمس أو كصفا الأطيط

فلم تزل جرم ونهد بتلك البلاد وهى على ذلك الحلف، حتى أظهر الله الإسلام، ومن هنالك هاجر من هاجر منهم، وبها بقيّتهم.

وأقامت قبائل سعد هذيم بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، بمنازلها من وادى القرى والحجر والجناب وما والاها من البلاد، فانتشروا فيها، وكثروا بها، وتفرّقوا أفخاذا وقبائل، فكان فى عذرة بن سعد- وأمّه: عاتكة بنت مرّ بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر- العدد والشّرف، ومنهم رزاح بن ربيعة، أخو قصىّ بن كلاب لأمّه، وفيهم كان بيت بنى عذرة بن سعد- وأمّه: فاطمة بنت سعد بن سيل.

قال: وكان أهل وادى القرى وما والاها اليهود يومئذ، كانوا نزلوها قبلهم على آثار من آثار ثمود والقرون الماضية، فاستخرجوا كظائمها، وأساحوا عيونها، وغرسوا نخلها وجنانها، فعقدوا بينهم حلفا وعقدا، وكان لهم فيها على اليهود طعمة وأكل فى كلّ عام، ومنعوها لهم من العرب، ودفعوا عنها قبائل بلىّ ابن عمرو بن الحاف بن قضاعة، وغيرهم من القبائل.

وقد كان النّعمان بن الحارث الغسّانىّ أراد أن يغزو ووادى القرى وأهله، وأجمع على ذلك، فلقيه نابغة بنى ذبيان، واسمه زياد بن معاوية، فأخبره خبرهم، وحذره إياهم، ليصدّه عنهم، وذكر بأسهم وشدّتهم ومنعهم بلادهم، ودفعهم عنها من أرادها، وقال فى ذلك.

لقد قلت للنّعمان يوم لقيتهيريد بنى حنّ ببرقة صادر
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «لقد قلت للنعمان يوم لقيته»
تجنّب بنّى حنّ فإنّ لقاءهمكريه وإن لم تلق إلّا بصابر
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «لقد قلتُ للنّعمانِ، يوْمَ لَقيتُهُ»
هم قتلوا الطائىّ بالحجر عنوةأبا جابر واستنكحوا أمّ جابر
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «لقد قلتُ للنّعمانِ، يوْمَ لَقيتُهُ»
وهم ضربوا أنف الفزارىّ بعد ماأتاهم بمعقود من الأمر فاقر
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «بخالة أو ماء الذنابة أو سوى»
وهم منعوها من قضاعة كلّهاومن مضر الحمراء عند التغاور
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «لقد قلت للنعمان يوم لقيته»
وهم طرّفوا عنها بليّا فأصبحتبلىّ بواد من تهامة غائر
فتطمع فى وادى القرى وجنوبهوقد منعوه من جميع المعاشر
وهم منعوا وادى القرى من عدوّهمبجمع مبير للعدوّ المكاثر
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «لقد قلت للنعمان يوم لقيته»

أبو جابر: ابن الجلاس بن وهب بن قيس بن عبيد بن طريف بن مالك ابن جدعاء بن ذهل بن رومان الطائى. وبنوحنّ بن ربيعة بن حرام بن ضنّة:

من بنى عذرة بن سعد هذيم.

فلم يزالوا على ذلك، قد منعوا تلك البلاد، وجاوروا اليهود فيها، حتّى قدم وفدهم على رسول الله ﷺ: جمرة بن النّعمان بن هوذة بن مالك ابن سمعان بن البيّاع بن دليم بن عدىّ بن حزّاز بن كاهل بن عذرة، فجعل له رمية سوطه، وحضر فرسه، من وادى القرى، وجعل لبنى عريض من اليهود تلك الأطعمة التى ذكرنا فى كلّ عام، من ثمار الوادى، وكان بنو عريض أهدوا إلى النّبيّ ﷺ خزيرا أو هريسة وامتدحوه، فطعمة بنى عريض جارية إلى اليوم، ولم يجلوا فيمن أجلى من اليهود.

قال هشام: حدّثنا محمد بن عبد الرحمن الأنصارى ثم العجلانى، عن إبراهيم بن البكير البلوىّ، عن يثربىّ بن أبى قسيمة السّلامانى، عن أبى

خالد السّلامانى، قال: خرج رجل من مداش- ومداش بن شقّ بن عبد الله ابن دينار بن سعد هذيم- يقال له ورد، فلقى جمرة بن النّعمان بعد أن أقطعه رسول الله ﷺ الوادى، فكسر عصا كانت بيد جمرة، فاستأدى جمرة عليه النّبيّ ﷺ، فقال النّبيّ ﷺ: دعوا أسد الهورات، فأقطعه حائطا بوادى القرى، يقال له حائط المداش.

وكانت كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وجرم بن ربّان، وعصيمة بن اللّبو بن امرئ مناة بن فتية بن النّمر بن وبرة بن تغلب بن حلوان، بمنازلها من حضن، وما والاها من ظواهر أرض نجد، ينتجعون البلاد، ويتّبعون مواقع القطر، حتّى انتشرت قبائل بنى نزار بن معدّ وكثرت، وخرجت من تهامة إلى ما يليها من نجد والحجاز، فأزالوهم عن منازلهم، ورحّلوهم عنها، ونافسوهم فيها، فتفرّقوا عنها فظعنت جرم بن ربّان عن مساكنهم، من حضن وما قاربه، فتوجّهت طائفة منهم إلى ناحية تيماء ووادى القرى، مع بنى نهد بن زيد، وحوتكة بن سود بن أسلم، فصاروا أهلها وسكّانها، فلم يزالوا بها حتّى وقعت بينهم وبين قبائل سعد هذيم ابن زيد حرب، فأخرجوهم بنو سعد منها، فلحقوا ببلاد اليمن. وقد

فسّرنا أمرهم فى حربهم، ومسيرهم إلى اليمن، ومقامهم هنالك، فى مقدّم حديث قضاعة وتفرّقهم.

وسارت ناجية بن جرم، وراسب بن الخزرج بن جدّة بن جرم، وقدامة بن جرم، وملكان بن جرم، متوجّهين إلى عمان، فمرّوا باليمامة، فأقامت طائفة منهم بها، ومضت جماعتهم حتّى قدموا عمان، فجاوروا الأزد بها، وأقاموا معهم، وصاروا من أتلاد عمان، الذين فيها، وفيه يقول المتلمّس:

إنّ علافّا ومن بالطّود من حضنلمّا رأوا أنّه دين خلابيس
ردّوا إليهم جمال الحىّ فاحتملواوالضّيم ينكره القوم المكاييس

ويقال إن سامة بن لؤىّ بن غالب القرشىّ، خرج من الحرم، فنزل عمان، وبها تزوّج امرأته الجرميّة، التى منها ولده، وهى ناجية بنت جرم، فيما ذكر الكلبىّ، وجرم يقولون: ناجية بن جرم تزوّج هند بنت سامة ابن لؤىّ. وقال غير الكلبىّ: هى ناجية بنت الخزرج بن جدّة بن جرم.

فصار بنو سامة بن لؤىّ بعمان حيّا حريدا شديدا، ولهم منعة وثروة، يقال لهم بنو ناجية، وفى ذلك يقول المسيّب بن علس الضّبعىّ:

وقد كان سامة فى قومهله مأكل وله مشرب
للشاعر المسيب بن علس، من قصيدة «أبلغ ضبيعة أن البلاد»
فساموه خسفا فلم يرضهوفى الأرض عن خسفهم مذهب
للشاعر المسيب بن علس، من قصيدة «أبلغ ضبيعة أن البلاد»
فقال لسامة إحدى النّساء مالك يا سام لا تركب
للشاعر المسيب بن علس، من قصيدة «أبلغ ضبيعة أن البلاد»
أكلّ البلاد بها حارسمطلّ وضرغامة أغلب
للشاعر المسيب بن علس، من قصيدة «أبلغ ضبيعة أن البلاد»
فقال بلى إنّنى راكبوإنّى لقومى مستعتب
للشاعر المسيب بن علس، من قصيدة «أبلغ ضبيعة أن البلاد»
فشدّ أمونا بأنساعهابنخلة إذ دونها كبكب
للشاعر المسيب بن علس، من قصيدة «أبلغ ضبيعة أن البلاد»
فجنّبها الهضب تردى بهكما شجى القارب الأحقب
للشاعر المسيب بن علس، من قصيدة «أبلغ ضبيعة أن البلاد»
فلمّا أتى بلدا سرّهبه مرتع وبه معزب
للشاعر المسيب بن علس، من قصيدة «أبلغ ضبيعة أن البلاد»
وحصن حصين لأبنائهموريف لعيرهم مخصب
تذكّر لما ثوى قومهومن دونهم بلد غرّب
فكرّت به حرج ضامرفآبت به صلبها أحدب
للشاعر المسيب بن علس، من قصيدة «أبلغ ضبيعة أن البلاد»
فقال ألا فابشروا واظعنوافصارت علاف ولم يعقبوا
للشاعر المسيب بن علس، من قصيدة «أبلغ ضبيعة أن البلاد»
ولم ينه رحّلتهم فى السّماء نحس الخراتين والعقرب
للشاعر المسيب بن علس، من قصيدة «أبلغ ضبيعة أن البلاد»
فبلّغه دلج دائبوسير إذا صدح الجندب
للشاعر المسيب بن علس، من قصيدة «أبلغ ضبيعة أن البلاد»
فحين النهار يرى شمسهوحينا يلوح لها كوكب
للشاعر المسيب بن علس، من قصيدة «أبلغ ضبيعة أن البلاد»

وهى طويلة.

ولحق بهم فيما يقال، والله أعلم، بنو فدىّ بن سعد بن الحارث بن سامة ابن لؤىّ، فانتسبوا إليهم. وكان فدىّ بن سعد قتل ابن أخ له، يقال له حمرة بن عمرو بن سعد، ثم لحق باليحمد بن حمّى بن عثمان بن نصر بن زهران من الأزد. وقال عدىّ بن وقّاع العقوىّ- وهو من العقاة من الأزد، واسم العقى: منقذ بن عمرو بن مالك بن فهم، وإنّما سمّى العقى لأنّه قتل أخاه جرموزا، فقيل عقّه، فسمّى لقتله إيّاه العقى- فقال فى شأن جرم ونزولهم عمان، ووقعة كانت هنالك بينهم:

ناج ابن جرم فما أسباب جيرتكمبنى قدامة إن مولاهم فسدا
دليتموهم بأمراس لمهلكةجرد تبيّن فى مهواتها جردا
للشاعر عدي بن وداع الأزدي، اقرأ القصيدة
أخرجتموهم من الأحرام فانتجعوايبغون خيرا فلاقوا نجعة حشدا
للشاعر عدي بن وداع الأزدي، اقرأ القصيدة
إلى عمان فداستهم كتائبنايوم الرّئال فكانوا مثل من حصدا

وانحازت كلب من منازلها التى كانوا بها، من حضن وما والاه، إلى ناحية الرّبذة وما خلفها، إلى جبل طميّة، وفى ذلك يقول زهير بن جناب الكلبىّ وهو يوصى بنيه، ويذكر منزله طميّة:

أبنىّ إن أهلك فإنّىقد بنيت لكم بنيّه
وتركتكم أرباب سادات زنادكم وريّه
ولكلّ ما نال الفتىقد نلته إلّا التّحيّه

ولقد شهدت النّار للسّلّاف توقد فى طميّه يعنى يوم خزاز حين أوقدوا.

فوقعت بين قبائل كلب حرب، فاقتتلوا، فكانت كلب كلّها يدا على بنى كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللّات بن رفيدة بن ثور ابن كلب، فظهرت بنو كنانة كلّها.

قال هشام: الصحّة من ذلك أن عامر بن عوف بن بكر بن عوف بن عذرة، وعبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف وأحلافهم، كانوا يدا على بنى

كنانة وأحلافها، فظهرت بنو كنانة على هاتين العمارتين: بنى عامر وبنى عبد الله. وفى ذلك اليوم تحالفت أحلاف كلب كلّها، فتفرّقت كلب كلّها، وتباينت فى ديارها ومنازلها.

فظعنت قبائل من بنى عامر بن عوف بن بكر إلى أطراف الشام وناحية تيماء، فيمن لحق بهم وكان معهم. وليست لعامر بادية.

ونزلت كلب ومن حالفهم وصار معهم من قبائل كلب، بخبت دومة، إلى ناحية بلاد طيّئ، من الجبلين وحيّزهما، إلى طريق تيماء؛ وبدومة غلبهم بنو عليم بن جناب، فقال أوس بن حارثة بن أوس الكلبىّ، جاهلىّ، فى الخرب التى كانت بينهم:

سقنا رفيدة حتّى احتلّ أوّلهاتيماء يذعر من سلّافها جدد
للشاعر أوس بن حارثة، من قصيدة «سقنا رفيدة حتى احتل أولها»
سرنا إليهم وفينا كارهون لناوقد يصادف فى المكروهة الرّشد
للشاعر أوس بن حارثة، من قصيدة «سقنا رفيدة حتى احتل أولها»
حتّى وردنا على ذبيان ضاحيةإنّا كذاك على ما خيّلت نرد
للشاعر أوس بن حارثة، من قصيدة «سقنا رفيدة حتى احتل أولها»

قال هشام عن الشّرقىّ: وكان أوّل بيت فى قضاعة، فى حنظلة بن نهد ابن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، وكان صاحب فتاحتهم، وهو حكمهم الذي يحكم بينهم، وله يقول القائل:

حنظلة بن نهدخير ناش فى معدّ

وكان وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة مرض

مرضة، فرفع يده إلى السماء، فقال: اللهمّ أدلنى من نهد، وأدل بنىّ من بنى نهد. قال: وعزّ قضاعة يومئذ وشرفها فى بنى نهد؛ وكان حنظلة بن نهد صاحب فتاحة تهامة، وصاحب العرب بعكاظ، حين تجتمع فى أسواقها، فتحوّل ذلك إلى كلب بن وبرة، فكان أوّل كلبىّ جمع كلبا وضربت عليه القبّة، عوف بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد اللّات بن رفيدة بن ثور ابن كلب، ودفع إليه ود. ثم ضربت من بعده على ابنه عبد ودّ بن عوف، ودفع الصّنم إلى أخيه عامر الأجدار بن عوف. ثم ضربت من بعده على الشّجب بن عبد ودّ بن عوف. ثم ضربت من بعده على ابنه عبد الله بن الشجب. ثم ضربت على ابنه عامر بن عبد الله، وهو المتمنّى. ثم تحوّل البيت والشرف إلى زهير بن جناب، فلم يزل فيه عمره حتّى هلك. ثم تحوّل إلى عدّىّ بن جناب، فكان منهم فى الحارث بن حصن بن ضمضم بن عدىّ بن جناب: ثم تحوّل إلى ابنه ثعلبة. ثم إلى عمرو بن ثعلبة، فهو فيهم إلى اليوم.

وقال الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمدانى فى تفرّق قضاعة: إن عامرا ماء السماء بن حارثة، جرّد وندب إلى الشام، بأمر الملك الملظاط بن عمرو، أحياء قضاعة، وولّى عليهم زيد بن ليث بن سود، فلما صاروا بالحجاز يريدون الشام، اختلفوا على أميرهم زيد بن ليث، فافترقوا عنه، فمنهم من رجع إلى اليمن، ونسلهم بها إلى اليوم، وهم خولان ومهرة ومجيد؛ ومنهم من نزل الحجاز، ونسلهم بها إلى اليوم، وهم بلىّ وبهراء ابنا عمرو، وأقام زيد أيضا بالحجاز،

فافترق بها نسله: من سعد وعذرة، وجهينة، ونهد. فأمّا نهد فارتفعت إلى نجد العليا، وقد كانت دهرا بتهامة، وأمّا من مضى من قضاعة إلى الشام ومصر والبحرين، فنسله بها إلى اليوم، وهم كلب بن وبرة، وتنوخ، وسليح، وخشين، والقين.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم ما استعجم»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.