من «معجم ما استعجم» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
دير هند
: بالحيرة.
هذا دير بنته هند بنت النّعمان، وهى هند التى تعرف بحرقة، ويقال:
حريقة. وهى التى دخلت على خالد بن الوليد لما افتتح الحيرة، فقال لها: أسلمى حتى أزوجك رجلا شريفا من المسلمين، قالت: أمّا الدين فلا رغبة لى عن دينى، ولا أبغى به بدلا؛ وأمّا التزويج، فلو كانت فىّ بقيّة لما رغبت فيه، فكيف وأنا عجوز هامة اليوم أو غد. قال: سلينى حاجة. قالت: هؤلاء النصارى الذين فى أيديكم تحفظونهم. قال:
هذا فرض علينا، وقد وصّانا به نبيّنا ﷺ. قالت: مالى حاجة غير هذه. أنا ساكنة فى دير بنيته، ملاصق هذه الأعظم البالية من أهلى، حتى ألحق بهم.
فأمر لها بمعونة ومال وكسوة. فقالت: مالى إلى شىء من هذا حاجة؛ لى عبدان يزرعان مزرعة لى أتقوّت منها ما يمسك رمقى، وقد اعتددت بقولك فعلا، وبعرضك نقدا، فاسمع دعاء أدعو لك به، كنا ندعو به لأملا كنا «شكرت لك يد افتقرت بعد غنى؛ ولا وصلتك يد استغنت بعد فقر؛ وأصاب الله بمعروفك مواضعه، ولا أزا عن كريم نعمة إلا جعلك سببا لردّها إليه» وهذا الدير يقارب بنى عبد الله بن دارم بالكوفة، مما يلى الخندق، فى موضع نزه. وقد ذكره عدة من الشعراء، منهم معن بن زائدة الشيبانى، وكان هناك منزله. وفيه يقول.
ألا ليت شعرى هل أبيتنّ ليلةلدى دير هند والحبيب قريب
فتقضى لبانات وتلقى أحبّةويورق غصن للسرور رطيب
وفيه يقول أيضا:
لئن طل فى بغداد ليلى فربّمايرى بجنوب الدّير وهو قصير
قال أبو الفرج: ودخل إليها المغيرة بن شعبة وقد عميت، فحادثها، طويلا، ثم خطبها؛ فضحكت وقالت: شيخ أعور، وعجوز عمياء! والصّليب ما أردتنى طلبا للنسل، ولا رغبة فى مال، ولا شغفا بجمال؛ ولكنك أردت
أن تقول: نكحت ابنة النعمان! انصرف راشدا. فانصرف وهو يقول:
أدركت ما منيت نفسى خاليالله درك يا ابنة النّعمان
فلقد رددت على المغيرة ذهنهإنّ الملوك ذكية الأذهان
يا هند إنّك قد صدقت فأمسكىوالصّدق خير مقالة الإنسان
إنّى لحلفك بالصّليب مصدّقوالصّلب أصدق حلفة الرّهبان
وفى دير هند هذا يقول أبو حيّان:
يا دير هند لقد أصبحت لى أنساولم تكن كنت لى يا دير مئناسا
سقيا لذلك ديرا كنت آلفهفيه أعاشر رهبانا وشماسا
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع