من «معجم ما استعجم» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
دير اللّجّ
على لفظ لجّ البحر: دير بالحيرة. قال أبو الفرج: بناه أبو قابوس النعمان بن المنذر أيام ملكه، ولم يكن فى ديارات الحيرة أحسن منه بناء، ولا أنزه موضعا؛ وفيه يقول الشاعر:
سقى الله دير اللّجّ غيثا فإنهعلى بعده دير إلىّ حبيب
قريب إلى قلبى، بعيد محلّهوكم من بعيد الدار وهو قريب
يهيّج ذكراه غزال يحلّهأغنّ سحور المقلتين ربيب
إذا رجّع الإنجيل واهتزّ مائداتذكّر محزون الفؤاد غريب
وهاج لقلبى عند ترجيع صوتهبلابل أسقام به ووجيب
وكان النعمان يركب فى كل أحد إليه، وفى كل عيد، ومعه أهل بيته خاصّة من آل المنذر، عليهم حلل الديباج المذهبة، وعلى رءوسهم أكاليل الذهب، وفى أوساطهم الزنانير المفصّصة بالجوهر، وبين أيديهم أعلام فوقها صلبان، وإذا قضوا صلاتهم انصرفوا إلى مستشرفة على النجف، فشرب النّعمان وأصحابه فيه بقية يومه، وخلع ووهب، وحمل ووصل، وكان ذلك أحسن منظر وأجمله.
وفى دير اللّجّ يقول إسماعيل بن عمّار الأسدىّ:
ما أنس سعدة والزّرقاء يوم هماباللّجّ شرقيّة فوق الدّكاكين
تغنّيانا كنفث السّحر نودعهمنا قلوبا غدت طوع ابن رامين
نسقى شرابا كلون النار عتّقهيمسى الأصحاء منه كالمجانين
إذا ذكرنا صلاة بعد ما فرطتقمنا إليها بلا عقل ولا دين
نمشى إليها بطاء لا حراك بناكأنّ أرجلنا يقلعن من طين
نمشى وأرجلنا عوج مواقعهامشى الإوزّ التى تأتى من الصّين
أو مشى عميان دير لا دليل لهمسوى العصىّ إلى دير السّعانين
أهوى ربيحة إنّ الله فضّلهابحسنها وغناء ذى أفانين
فمن يقول لها غنّى ويسعدها«قتلتنى يوم دير اللّجّ فاحيينى»
دير مارة مريم
هكذا وقع اسم هذا الدير، وهو اسم أعجمى. مارة:
ميم وألف وراء مهملة مفتوحة، وتاء معجمة باثنتين من فوقها.
قال أبو الفرج: هذا دير قديم، من بناء المنذر، حسن الموضع، بين الخورنق والسّدير، وبين قصر أبى الخصيب؛ مشرف على النجف، كان فيه قسّ يقال له يحيى، وله ابن يقال له يوشع، يألفه الفتيان الظّرفاء، ويشربون عنده على قراءة النصارى وضرب بالنّواقيس. وله يقول بكر بن خارجة:
بتنا بمارة مريم سقيا لمارة مريم ولقسّنا يحيى المهينم بعد نوم النّوّم
وليوشع ولخمره الحمراء مثل العندمولفتية حفّوا به يعصون لوم اللّوّم
يسقيهم ظبى أغنّ لطيف خلق المعصميرمى بعينيه القلوب كمثل رمى الأسهم
وقد حدّده الثروانىّ فقال:
بمارة مريم الكبرى وظلّ فنائها فقفبقصر أبى الخصيب المشرف الموفى على النّجف
فأكناف الخورنق والسّدير ملاعب السّلفإلى النّخل المكمّم والحمائم فوقه الهتف
فدع قول العذول وباكر الصّهباء فى لطف وفيه يقول بكر بن خارجة:
بمارة مريم وبدير زكّىومرتوما ودير الجاثليق
وبالإنجيل يتلوه شيوخمن القسّان فى البيت العتيق
وبالقربان والصّلبان إلّارثيت لقلبى الدّنف المشوق
أجرنى متّ قبلك من هموموأرشدنى إلى وجه الطريق
فقد ضاقت علىّ وجوه أمرىوأنت المستجار من المضيق
قال أبو الفرج: هذا الشعر يقوله فى غلام امرئ نصرانى من أهل الحيرة، يقال له: عشير بن البراء الصّرّاف؛ وله فيه شعر كثير، يذكر فيه أعياد النصارى
وبيعهم. وكان دعبل يستحسن قوله:
زنّاره فى خصره معقودكأنه من كبدى مقدود
ويقول: ليت هذين لى بمائة بيت من شعرى.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع