تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

القول في نوح ﵇

ذكر أنّه بعث بعهد بيوراسب، وتقدّم في خبر إدريس أنّه كان وقع إليه كلام من كلام آدم فاتّخذه سحرا في ذلك الزمان. فكان إذا أراد شيئا من جميع مملكته أو أعجبته امرأة أو غير ذلك نفخ قصبة كانت له من ذهب، وكان يجيء إليه بنفخته كلّ شيء يريد، فمن ثمّ تنفخ اليهود. وكان قومه أهل أوثان. قال الله ﷿ حكاية عنهم: وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ

الآية.

وروي عن عبد الله بن عبّاس أنّ الله بعثه إليهم وهو ابن أربعمائة سنة وثمانين سنة، ثم دعاهم في نبوّته مائة وعشرين سنة، وركب السفينة وهو ابن ستّمائة سنة، ثم مكث بعد ذلك ثلاثمائة سنة وخمسين، فذلك ألف إلّا خمسون عاما. وقال وهب كذلك إنّه بعث ابن خمسين، فدعا قومه إلى أن بلغ ستّمائة. عن ابن عبّاس أنّه بعث ابن أربعين، فمكث فيهم ألف سنة إلّا خمسين عاما، ثم كان الطوفان، وعاش بعد ذلك مائة سنة. وقيل: عاش بعد الطوفان ستّين سنة، فذلك ألف وخمسون. قال وهب: وعمر نوح ألف سنة لأنّه بعث ابن خمسين وأقام فيهم ألفا إلا خمسين. وقالت طائفة إنّ عمره كان ألفا ومائتي وخمسين سنة، فلم يجبه قومه.

قال ابن إسحاق: كان لا يأتي منهم قرن إلّا أشدّ من الذي قبله، وكانوا يقولون: قد كان هذا مع آبائنا وأجدادنا مجنونا. وكانوا يبطشون به ويخنقونه حتّى يغشى عليه. فإذا أفاق قال: اللهمّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون، حتّى يئس منهم وعظم طغيانهم، فشكاهم إلى ربّه ودعا عليهم بقوله: رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً

الآية. وبقوله:

رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً

فأوحى الله سبحانه إليه أن اصنع الفلك بأعيننا. قال عبد الله بن عبّاس:

وقد كان الله أمره بغرس شجرة، فغرسها وبقيت أربعين سنة فعظمت وتناهت، ثم أمره بقطعها، فأتخذ منها السّفينة. وزعم أهل التوراة أنه أمره أن يتّخذها من خشب السّاج وأن يجعل طولها ثمانين ذراعا وعرضها خمسين ذراعا وارتفاعها ثلاثين ذراعا، وأن يجعلها ثلاث أطباق وبابها في عرضها.

صحّ عن ابن عبّاس. د: وقال الحسن: طول سفينة نوح ألف ذراع ومائتا ذراع وعرضها ستّمائة ذراع. وقال القرظي في كتاب الديوان إنّه أنشأها في مائة سنة. (وقال غيره) وأقامت بعد فراغها على البرّ سبعة أشهر. وقيل أنّه لم يدر كيف يصنعها، فأتاه جبريل فأمره أن يصنعها مثل صدر الدجاجة. فلمّا فار التنّور بالهند، وهو تنور من حجارة كان لحوّاء، قاله ابن عبّاس، وقد تقدّم غير ذلك، وقيل: فار بناحية الكوفة، رواه ليث بن مجاهد. وكان الشعبي يحلف بالله: ما فار التنور إلّا من ناحية الكوفة.

وأدخل نوح في السفينة من أمره الله بإدخاله وما أمره من الأزواج، وأدخل التابوت الذي كان فيه آدم. ق: وكان من خشب الشمشار. وقال غيره:

حملته الملائكة وكان بتهامة. فأدخل مع نفسه ثمانين نفسا، روي ذلك عن ابن عبّاس ﵄. وقال ابن جريج إنّه أدخل بنيه الثلاثة وكنائنه الثلاث وامرأته، فكانوا ثمانية نفر. عن ابن إسحاق: وكانوا عشرة نفر. عن وهب مثله. أدخل بنيه ونساءهم وأربعين رجلا وأربعين امرأة. وكذلك روي عن ابن عبّاس ﵄. قال الوصيفي انّه كان معه في السفينة ستّمائة رجل سوى ولده. وقال قوم إنّهم أعقبوا، وقال قوم: لم يعقبوا إلّا ولد نوح. قال ابن الكلبي إنّه حمل معه في السفينة امرأته وبنيه الثلاثة ونساءهم ثمانية نفر واثنين وسبعين سواهم. قال غيره: كلّهم من ولد إدريس إلّا فيلمون كاهن مصر، فإنّ ملك مصر كان أنفذه إلى الدرمشيل ليحاجّ نوحا في عبادة الأصنام، فآمن بنوح. وأدخل من كلّ زوجين اثنين.

قال ابن عبّاس ﵄: أوّل ما حمل الدرّة وآخر ما حمل الحمار، فلمّا دخل الحمار تعلّق إبليس بذنبه فلم تستقلّ رجلاه، وجعل نوح يقول: ويحك ادخل. فلا يستطيع حتّى جزم نوح وقال: أدخل وإن كان الشيطان معك، كلمة زلّت عن لسانه. فلمّا راح نوح في السفينة قال له:

من أدخلك عليّ يا عدوّ الله؟ قال: ألم تقل كذا وكذا؟

وأمر الله أن يدخل معه قوت سنة، وجعل تابوت آدم حاجزا بين الرجال والنساء. وكان ركوبهم في السفينة لسبع عشرة خلون من آذار. عن وهب:

لعشر خلون من رجب على رأس ستمائة سنة من عمر نوح. ثمّ أرسل الله الماء أربعين يوما بلياليها، وتحرّكت ينابيع الغوط حتّى طبّق الماء الأرض وارتفع على أعلى جبالها خمس عشرة ذراعا. ثم حمل الماء الفلك وجعلت تجري بهم في موج كالجبال وسارت بهم الأرض كلّها، وطافت بالحرم أسبوعا ولم تدخله، ورفع البيت المعمور على أبي قبيس، وهو الذي بناه آدم، فبقيت في الماء مائة وخمسين يوما باتّفاق من أكثرهم، واستقلّت يوم عاشوراء من المحرّم، فصام نوح وأمر من معه من الإنس والوحش والدوابّ، فصاموا شكرا لله ﷿.

فكان بين الوقت الذي أرسل الله الطوفان إلى أن غاص الماء ستّة أشهر وعشرة أيّام. وذكر الوصيفي: عشرة أشهر. وقيل: ثمانية أشهر.. وقيل:

سنة. وكذلك روى ابن إسحاق عن ابن الكلبي أنّ نوحا ركب السفينة لثلاث عشرة مضت من رمضان وخرج منها أوّل يوم من رمضان من قابل، فذلك سنة إلّا ثلاثة عشر يوما. قال: وبقي الماء في أرض الحرم- وهي حسمى- خمسا وأربعين سنة بعد أن غاض الماء من جميع الأرض من المحبّر، ولم يبق على الأرض شيء من الحيوان ولا الشجر إلّا ما حمل في السفينة. وأمّا العوج بن أعناق فيما يزعم أهل الكتاب فإنّ الطوفان لم يغرقه ولا بلغ ماؤه إلّا بعض جسده.

ذكر أنّه ما أسرع من الأرض إلى بلع مائه كان ماؤه إذا احتفر عذبا، وما لم يسرع إلى القبول أعقبه الله بماء ملح وسبخ، (وانحدر من ذلك الماء إلى قعور من الأرض، فمن ذلك البحار، فهذه البحار من بقايا ذلك الماء أهلك به أمم). واستقلّت السفينة بالجودي، وهو جبل بالحضيض من أرض الموصل بينه وبين دجلة ثمانية فراسخ. قال: وموضع جنوح السفينة على رأس الجبل إلى هذه الغاية. وابتنوا في سفح الجبل مدينة سمّوها مرقة ثمانين بعددهم وقيل: بنوها بقردى فسمّوها ثمانين. قال: وهي تعرف بذلك إلى وقتنا هذا وهو سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة.

ووجّه نوح التّابوت الذي فيه جسد آدم ﵇ إلى غار الكنز، فجعل فيه، وقد تقدّم الاختلاف فيه.

وأوحى الله إلى نوح ألا يعيد الطوفان أبدا وأنّ قوسه الذي في السحاب أمان من ذلك. وتزعم المجوس أنّهم لا يعرفون الطوفان ويقولون إنّ الملك لم يزل فينا من عهد جيومرت- وهو آدم، وبعضهم يقرّ بالطوفان ويزعم أنّه كان بإقليم بابل وأمّا هم وديارهم بالمشرق فلم يصل إليهم.

وكان نوح من أولي العزم من الرسل، وكان طويلا جسيما أدم دقيق البشرة في رأسه طول عظيم العينين دقيق الساعدين والساقين كثير لحم الفخذين طويل اللحية.

وهلك محويل الملك على رأس مائتي سنة من عمر نوح، وملك بعده ابنه الدرمشيل، فأعلى أمر الأصنام وشدّد في عبادتها ودعا الناس كافّة إليها، ونال نوحا بمكروه كثير وحبسه حتّى رأى في منامه رؤيا هالته، فأمر بإرساله من السجن. وهو الذي أدركه الطوفان. ولمّا اتّصل بالدرمشيل أنّ نوحا قد ركب السفينة وحمل فيها ما أمره الله ﷿ أقبل في عدّة من أصحابه ليحرقها عليهم. فلمّا أتاه قال: يا نوح أين الماء الذي يحمل سفينتك هذه؟

قال: هو يأتيك في مقامك هذا. فقال: هذا أعجب أن تقول إنّه يكون في أرض يبس ماء غمر يحمل هذه السفينة، فانزل منها وإلّا أحرقكم أجمعين.

فقال نوح: ويلك، ما أشدّ اغترارك بالله، فعجّل الإيمان واخلع الأنداد تسلم وترشد. فبينما هو في محاورته إذ أتاه من أخبره أن امرأته كانت تخبز في تنّورها فنبع الماء منه. فقال: وما عسى أن يكون من ماء قد فار من تنّور؟

فقال له نوح: إنّها علامة السخط وإنّ الأرض تخلخل فيأتي الماء من جميعها، فحرّك فرسك فإنّ الماء سينبع من تحت قدميه. فأزال فرسه من موضعه، فإذا الماء ينبع من موضع حوافره، فعاد إلى موضع آخر فكان كذلك. وعادت رسله تخبره أنّ الماء قد كثر وفار، فرجع إلى داره ليأخذ أهله وولده ويتحصّن في المعاقل التي كان عملها لذلك، فكانت الحجارة تنحطّ عليهم من رؤوس الجبال. وفتحت أبواب السماء بماء منهمر، ويقال إنه كان ماء ذميما منتنا، فأهلك أهل الأرض إلّا من كان في السفينة والعوج على ما تقدّم.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.