من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
إدريس ﵇
قال المسعودي: الصّابئة تزعم أنّه هرمس، ومعنى هرمس عطارد، نبّأه الله ﷿ وأنزل عليه ثلاثين صحيفة. وهو أوّل من طرّز الطرز وخاط الثوب،
وأوّل من خطّ بالقلم بعد آدم، وكان يعدّ عدّة خطوط، وهو أوّل من جاهد في سبيل الله ﷿، وسبى ولد قاين لمّا دعاهم إلى الله فلم يجيبوه. وأنزل الله عليه ثلاثين صحيفة، فتمّت الصحف يومئذ ثمانين صحيفة.
ولمّا ولد إدريس أتى إبليس محويل الملك في صورة روحاني له جناحان، فأخبره أنّه ولد ليارد مولود يكون عدوّا للآلهة وسبب فسادها. فقال له الملك: أتقدر أن تهلكه؟ قال: سأحرص على ذلك. فوكّل الله بإدريس ملائكة يحفظونه. وأوصى إليه أبوه، ونبّأه الله بعد أربعين سنة من عمره.
وذكر أنّه رفع في حياة أبيه وأنّ أباه يارد عاش بعد رفع إدريس أربعمائة سنة وثلاثين سنة، وتنبّأ على عهد آدم وقد مضى من عمر آدم ستّمائة سنة واثنتان وعشرون سنة.
ق: عن وهب: كان إدريس طويلا ضخم البطن عريض الصّدر، وكانت إحدى أذنيه أكبر من الأخرى، وكان في جسده نكتة بيضاء من غير برص، وكان رقيق الصوت قريب الخطى، وسميّ إدريسا لكثرة ما كان يدرس من كتب الله ﷿. وقال: واستجاب له ألف إنسان ورفع وهو ابن ثلاثمائة وخمس وستّين سنة. وقيل إنّ إدريسا أوّل من نظر في علم النجوم بعد آدم، وانّ أزرائيل»
الملك علّمه علم الفلك والكواكب وسعودها ونحوسها وصور البروج.
وفي التوراة أنّ إدريسا أحسن خدّام الله تعالى، فرفعه الله إليه. ولمّا رأى إدريس انهماك ولد قابيل في المعاصي سأل الله تعالى أن يرفعه إليه ويطهّره من خطاياهم، فأجابه الله إلى ذلك، وأوحى إليه أن يلازم الهيكل أربعين يوما هو وشيعته، وكانوا سبعين حبرا. فاغتسلوا ودخلوا هيكل الله المنصوب وقدّسوا الله فيه أربعين يوما. وأوحى الله إليه أن اجعل الوصيّة في متوشلخ، فإنّي مخرج من ظهره نبيّا أرضى فعله. فلمّا رفع إدريس حزن عليه بنو آدم الحنفاء حزنا شديدا، وكثر الاختلاف والتنازع، وأشاع إبليس أنّه أراد الصعود إلى الفلك فاحترق. وسرّ بعده محويل الملك وأظهر أنّ صنمهم الأكبر أهلكه فزادوا في عبادتها والتقرّب إليها، ولزم متوشلخ الهيكل مع بني أبيه والأحبار السبعين.
فولد إدريس متوشلخ، وولد متوشلخ لامك- وأهل الإنجيل يقولون لامن- وإليه الوصيّة. وولد للامك نوح، أمّه قينوش من ذريّة قابيل بن آدم القاتل، وذلك بعد وفاة آدم بمائة سنة وستّ وعشرين سنة. وروي عن جماعة من السلف أنّه كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلّهم على ملّة الحقّ، وأنّ الكفر إنّما حدث في القرن الذي فيه نوح وأنّه أوّل نبيّ بعث إلى الكفّار.
قال الوصيفي: وقد اختلف الناس في المدّة التي كانت بين آدم ونوح، فقال أصحاب التواريخ ألفا سنة وعشر، وقال بعضهم ألف سنة وسبعمائة
سنة وكسر، وقال المصريّون ثمانية عشر ألف سنة، لأنّ الطوفان كان وقلب الأسد في أوّل درجة من السرطان، ومقامه في كلّ برج ستّة آلاف سنة وهي ثلاثة بروج. صحّ وصفا.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع