من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
سليمان بن داود عليهما الصّلاة والسّلام
أمّه امرأة أوريا، أتاه الله ﷿ النبوّة، وسأل ربّه أن يؤتيه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده. فسخّر الله له الجنّ والأنس والطير والريح غدوّها شهر ورواحها شهر. ذكر أنّ منزلا بناحية دجلة مكتوبة فيه: نحن نزلناه وما بنيناه ومبنيّا وجدناه، غدونا من اصطخر فقلناه، ونحن رائحون الشام إن شاء الله.
وخبره مع بلقيس مشهور ويذكر أنّه تزوّجها، ويقال إنّه إنّما أنكحها من تبّع ملك همدان فردّها إلى اليمن ولم يزل زوجها ملكا باليمن حتّى مات سليمان ﷺ. ولمّا غلب سليمان والد جرادة وقتله الملك واصطفى جرادة كانت من أجمل الناس، فأحبّها سليمان حبّا شديدا، وكانت لا تزال تبكي أباها، فوجد لذلك سليمان وجدا شديدا حتّى سألته أن يأمر الجنّ فيصوّروا لها صورة أبيها فلعلّها تسكن. فأمر سليمان الجنّ بذلك فعمدت إلى الصورة فلبّستها وعمّمتها وجعلت تسجد لها هي وولائدها غدوة وعشية. وبلغ ذلك آصف وكان صديقا، فأعلم سليمان فكسّر الصنم وعاقب المرأة. فسلبه الله خاتمه عقوبة. وقد ذكرنا الحديث بطوله في أخبار جزائر البحر الأخضر.
وروي أنّ سليمان ﵇ كان إذا رأى شجرة نابتة بأرض المقدس أو في أرضه يقول لها: ما اسمك ولأيّ شيء أنت؟ فإن كانت لدواء كتبت وعلمت. فبينما هو يمشي إذ رأى شجرة نابتة فقال: ما اسمك؟ فقالت:
الخرّوب. قال: ولأي شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت. فقال سليمان: اللهمّ عمّ على الجنّ موتي حتّى تعلم الإنس أنّ الجنّ لا يعلمون الغيب. فنحت الخرّوب وأخذ منها عصا وتوكّأ عليها ميّتا حولا كاملا، فأكلت الأرضة العصا حتّى خرّ سليمان. فلمّا خرّ سليمان شكرت الجنّ الأرضة فهي تأتيها بالماء والطين وتنقل إليها الطين حيث كانت وقال: ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب؟ هو ممّا يأتيها به.
وكان جميع عمر سليمان نيّفا وخمسين سنة، اثنتين وخمسين سنة، وبعد أربع من مملكته ابتدأ ببناء بيت المقدس. قال: وكانت مملكته أربعين سنة،
صحّ لهم. قال القوطي: ولّي وهو ابن سبع عشرة سنة وبقي أربعين سنة، فعمره على هذا سبع وخمسون سنة، قال القوطي: أوّل حكم حكم به في الصبا في أمر الصبي الذي ادّعتاه المرأتان، فدعا بالسيف وأمر بشقّ الصبي وقسمته عليهما، فرضيت بذلك التي لم يكن لها وقالت أمّه: بل تعطيه الأخرى حيّا. فحكم به لها وعجب بنو إسرائيل من حكمه وفهمه.
ثمّ ملك بعد سليمان ابنه أرخبعم، فتفرّقت عليه بنو إسرائيل ولم يبق معه إلّا السبطان، [وكان ملكه إلى أن هلك] سبعة عشر عاما. وتوارث ذلك عقبه ولم يزالوا برهة (يجتمعون على ملك منهم ثمّ يفترقون إلى رأس مائتي سنة من موت سليمان إلى أن بعث الله ﷿ فيهم شعيا نبيّا.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع