من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
داود ﵇
هو ابن إيشا من ذريّة يهودا بن يعقوب، أعطاه الله ﷿ ما نصّه الله في كتابه من الآيات، ولم يزل قائما بأمر بني إسرائيل أحسن قيام إلى أن كان من أمره بامرأة أوريا ما كان، وهي التي ولدت له سليمان بن داود. فلمّا واقع الخطيئة اشتغل بالتوبة واستخفّ به بنو إسرائيل ووثب عليه ابن له يقال له أبشالوم، وهو ابن ابنة طالوت وهو بكره، وأراد نزعه من الملك ودعا إلى نفسه، فاجتمع إليه أهل الزّيغ. فلمّا تاب الله على داود ثابت إليه الناس
وحارب ابنه حتّى هزمه ووجّه في طلبه قائدا من قوّاده، وتقدّم إليه أن يتلطّف في أمره ولا يقتله. فلم يزل يتبعه القائد حتّى اضطرّه إلى شجرة، فتعلّقت أغصانها بشعره ولحقه القائد فقتله مخالفا لأمر داود، فاشتدّ حزن داود عليه.
وأصاب بني إسرائيل في زمانه طاعون، فخرج بهم إلى موضع بيت المقدس يدعون الله ويسألونه كشف البلاء عنهم، فاستجيب لهم، فاتّخذوا ذلك الموضع مسجدا. وذكر أنّ ذلك لإحدى عشرة سنة خلت من ملكه.
وقد تقدّم في بيت المقدس غير هذا. قال: وتوفّي قبل أن يتمّ بناءه، وأوصى إلى ولده سليمان باستتمامه، فبناه في ثماني سنين. وصحّ عن القوطي قال: ابتدأ سليمان بناءه في السنة الرابعة من ولايته وأتّمه في السنة الحادية عشرة. ويذكر أنّ سليمان لمّا فرغ من بنائه أطعم فتية بني إسرائيل فيه اثني عشر ألف ثور. والذي بنى منه داود هو المعروف بمحراب داود، وليس في بيت المقدس بناء أعلى منه في هذا الوقت، يرى من أعلاه البحيرة المنتنة ونهر الأردن. والبحيرة المنتنة بأرض العراق وهي لا تقبل الغرقاء ولا يتكوّن فيها ذو روح من سمك ولا غيره، وإليها ينتهي ماء بحيرة طبرية وهو الأردنّ. فإذا انتهى إلى البحيرة المنتنة خرقها وانتهى إلى وسطها متميّزا عن مائها فيغوص في وسطها، وهو نهر عظيم لا يدرى أين غوصه من غير أن يزيد في البحيرة المنتنة شيئا. ومن البحيرة المنتنة تخرج الأحجار التي تستعمل لوجع الحصاة وهي نوعان ذكر وأنثى، فالذكر للرجل والأنثى للمرأة. ومنها يخرج العقّار المعروف بالحمر.
وكان عمر داود فيما وردت به الأخبار عن النبيّ ﷺ مائة سنة، وقال أهل الكتاب تسع وتسعون سنة، ومدّة ملكه أربعون سنة، وكان ملكه على فلسطين والأردن، وكان عسكره ستّين ألفا، أصحاب درق وسيوف.
والنصارى يزعمون أنّ قبره في الكنيسة الجسمانية ببيت المقدس.
وكان داود إذا قرأ الزبور ترقّ له الوحوش حتّى تؤخذ بأعناقها، وإنّها لمصغية. وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج إلّا على أصناف صوت داود ﵇.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع