من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر جالوت
واشتدّ سلطان جالوت وبلغه أمر طالوت، فسار جالوت من فلسطين بأجناس البربر، فنزل بساحة بني إسرائيل، فسار إليهم بنو إسرائيل وسلّط عليهم العطش فابتلاهم بنهر بين الأردنّ وفلسطين، فشربوا منه هيبة من جالوت،
فعبر منهم معه أربعة آلاف ورجع ستّة وسبعون ألفا، فمن شرب منه عطش ومن لم يشرب منه إلّا غرفة بيده روي. فلمّا رأى الذين معه عدد جالوت قالوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ
الآية. فرجع عنه أكثر من عبر معه وخلص إلى جالوت في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا بعدد أصحاب بدر.
وقتل طالوت كلّ من شرب من النهر عن آخرهم.
فعبر يومئذ أبو داود فيمن عبر معه، وكان له ثلاثة عشر ولدا (أصغرهم داود). قال: وكان يرعى على أبيه وكان فيه قصر وزرق وقرع في ناحية من رأسه. وكان داود يأتي أباه فيقول: يا أبة إنّي لا أرمي ببندقتي هذه شيئا إلا صرعته. فيقول له: ابشر يا بنيّ، فإنّ هذا خير أعطاكه الله ﷿.
ثمّ أتاه يوما فقال له: يا أبة إنّي لأمشي بين الجبال وأسبّح، فما من شيء إلّا يسبّح معي، فقال له مثل مقالته الأولى.
فأتى النبيّ إشماويل بقرن فيه دهن وتنّور من حديد، فبعث إلى طالوت وقال: إنّ صاحبكم الذي يقتل جالوت يوضع هذا القرن على رأسه فيثبت دهنه ولا يسيل على وجهه منه شيء، يكون على رأسه كهيئة الإكليل ويدخل في هذا التنّور فيملأه. فدعا طالوت بني إسرائيل فخوّفهم فلم يوافقه منهم أحد، فلمّا فرغوا قال: هل بقي منكم أحد؟ قال أبو داود: نعم قد بقي ابني داود وهو يأتينا بطعام. فلمّا انصرف داود كان قد مرّ في الطريق بثلاثة أحجار فكلّمته وقالت: خذنا يا داود تقتل بنا جالوت.
فأخرج الحجارة فأخذها وجعلها في مخلاته. وكان طالوت [قد] قال: من
قتل جالوت زوّجته ابنتي وأجريت خاتمه في ملكي. فلمّا أتى داود وجرّبوه بالقرن فكان كما قال النبيّ: وبالتنور نملأه، وكان منحوفا مصفارّا ولم يدخله أحد إلّا تغلغل فيه.
وكان جالوت من أجسم الناس، فمشى داود إلى جالوت فأخرج الحجارة وجعلها في القذّافة، فكلّما أخرج حجرا منها قال: باسم أبي إبراهيم، والثاني: باسم أبي إسحاق، والثالث: باسم أبي يعقوب. ثمّ أدار القذّافة فصارت الأحجار حجرا واحدا، ثم أرسله (فصكّ به بين عيني).
جالوت فنقبت رأسه وقتلته ولم يزل يموت كل إنسان تصيبه بحياله فهزموهم عند ذلك. وزوّج طالوت ابنته من داود وأجرى خاتمه في ملكه، فمال الناس إلى داود. قال: سلّم له طالوت الجباية وثلث الحكم. ثمّ حسده بعد ذلك طالوت وأراد اغتياله، وسجى له داود [زقّ] خمر في مضجعه، ودخل طالوت فضربه فطارت نقطة من الخمر إلى فيه، فقال طالوت: يرحم الله داود، ما كان أكثر شربه للخمر. ثمّ أتى داود طالوت فوضع سهمين عند رأسه وهو نائم وآخرين عند رجليه. فلمّا استيقظ طالوت عرفها وأيقن أنّ داود خير منه حين كفّ عنه وقد ظفر به. ثمّ إنّ طالوت كان لا ينهاه أحد عن داود إلّا قتله. ثم أدركه الندم من ذلك وأقبل على طلب التوبة، فسأل امرأة كان عندها الاسم المكنون فقالت: لا أعلم لك توبة إلّا أن تتخلّى عن ملكك وتخرج أنت وولدك فتقاتلوا في سبيل الله حتى تقتلوا.
ففعل طالوت ذلك حتّى قتل.
قال القوطي: فأتى داود غلام حسن حين هزم الجيش من المسلمين الذين كانوا مع طالوت، فقتل طالوت وأتى بسواريه وقال: وجدته جريحا فاجتهدت عليه لمّا علمت أنّه عدوّك وأتيتك بسواريه لأحظى عندك بذلك.
فأمر داود بقتله وقال: قتلت مقدّس الربّ وأمير بني إسرائيل. وكان الغلام غريبا من العماليق.
إنّ طالوت لمّا رأى ظهور داود وميل الناس إليه وصرفهم عنه مات على سرير ملكه ليلة كمدا، وانقادت بنو إسرائيل لداود وبعثه الله نبيّا. واسم طالوت بالسريانية شاول بن قيس من ذريّة يعقوب. الموضع الذي قتل فيه جالوت بيسان من أرض الغور من بلاد الأردن.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع