من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
موسى وهارون ابنا عمران ﵉
موسى وهارون ابنا عمران بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، صحّ. وقيل عمران بن يصهر بن قاهث. قال: وقارون بن يصهر بن قاهث، قارون بن صافر بن قاهث، فهو على هذا ابن عمّ موسى وعلى قول عمّه. واسم أمّ موسى وهارون نوخابت، وقيل باخثة، من ذريّة يعقوب من ذرية نفشان بن إبراهيم. كان هارون أسنّ من موسى بثلاثة أعوام، وكانت لهما أخت اسمها مريم كانت أسنّ منهما وكانت تحت كالب بن يوفنا.
ولمّا قبض الله يوسف ﵇ توارثت الفراعنة من العماليق ملك مصر ولم يزل بنو إسرائيل تحت أيديهم حولا، وهم على بقايا من دينهم الذي كان إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف ﵈ شرعوا لهم، حتّى كان فرعون موسى وهو الوليد بن مصعب (صحّ عنهم). عن وهب. وقيل إنّ فرعون موسى هو فرعون يوسف عمّر أكثر من أربعمائة سنة. قال: وغيره ينكر هذا. فعذب بني إسرائيل وكان سيّء المملكة شديد البطش، وكان قد نكح منهم امرأة يقال لها آسية ابنة مزاحم من خيار النساء لمّا أراد الله ﷿ من أمر موسى.
فلمّا تقارب زمن موسى أعلمه المنجّمون بما وجدوا من أمره في علمهم وقالوا: قد أظلّك زمانه. وقيل: بل رأى فرعون في منامه أنّ نارا أقبلت من بيت المقدس فأحرقت القبط بمصر وتركت بني إسرائيل، فسأل عن رؤياه فقيل له: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه رجل يكون على يده هلاك القبط. روي ذلك عن ابن عبّاس وابن مسعود ﵃. فأمر بقتل الغلمان واستحياء الجواري، فكان من أمر موسى ما نصّه الله ﷿.
فلمّا شبّ موسى كان يركب مثل ما يركب فرعون ويلبس كلبسه، وكان يدعى موسى بن فرعون لأنّه كان تبنّاه. وركب يوما وقد ركب فرعون، وهو يتبعه، وقد خلت الأسواق لاحتفال النّاس مع فرعون، فكان من أمر القبطي والإسرائيلي الذي استنصر بموسى ما كان. فذلك قوله ﷿: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها
الآية. ثم خرج خائفا يترقّب تلقاء مدين، فكان من أمره وأمر الجاريتين ما نصّه الله ﷿، وهما ليا وصفورة، وتزوّج موسى منهما صفورة.
وكلّمه [الله] تكليما وأمره أن يأتي فرعون وشدّ عضده بأخيه، ثمّ كان من أمره وأمر فرعون ما كان. وقيل إن عدد السحرة الذين حشر له فرعون خمسة عشر ألفا، فكانوا أوّل النهار سحرة وآخره شهداء قتلهم فرعون لإيمانهم لمّا رأوا الآية المعجزة. وأمر الله ﷾ موسى أن يسري ببني إسرائيل فقال: فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا
. فأمرهم أن لا ينادي إنسان صاحبه وأن يسرحوا من بيوتهم. ثمّ خرجوا وألقى على القبط الموت فأصبحوا يتدافنون، فاشتغلوا بذلك حتّى طلعت الشمس. فذلك قوله ﷿: فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ
وخرج موسى في ستّمائة ألف مقاتل لا يعدّ ابن العشر لصغره ولا ابن الستّين لكبره، وتبعهم فرعون وعلى مقدمته هامان في ألف ألف وسبع مائة ألف حصان ليس فيها ماذيانة أي حجر. ولمّا وعد الله موسى أتاه جبريل على فرس يقال إنّه فرس الحياة، فأخذ السّامري من تربة حوافره، والسّامري موسى بن ظفر، واتّخذ لهم العجل وقال: هذا إلهكم وإله موسى فنسي. يقول: أترك موسى إلاهه هنا وذهب يطلبه.
ثمّ انصرف موسى من عند ربّه ولم يستطع أحد بعد ذلك أن ينظر في وجهه لما يغشاه من النّور حتّى كان موسى يلبس وجهه بحريرة. وأنزل الله عليه الألواح بطور سينا من زمرّد أخضر فيها كتابة بالذهب الأحمر. فلمّا رأى ما أحدث قومه من بعده ارتعد وسقطت الألواح من يده فتكسّرت، فجمعها وأودعها في تابوت السكينة، وكان قد ضرب التابوت من ذهب من ستّمائة ألف مثقال وسبعمائة مثقال وجعله في الهيكل.
وكان هارون قيّم الهيكل، ثمّ أظهروا من توبتهم بقتلهم أنفسهم ما ذكر الله ﷿. ثمّ أمر الله ﷿ موسى أن يأتيه في الناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل. فاختار موسى من قومه سبعين رجلا. ثمّ كان من سؤالهم أن يروا الله جهرة، فأماتهم الله ثمّ أحياهم. فذلك قوله ﷿: ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ
. ثمّ أمرهم الله ﷿ بالمسير إلى أريحا، وهي أرض بيت المقدس، فساروا. فلمّا قربوا منها بعث موسى
اثني عشر نقيبا من أسباط بني إسرائيل، فلقيهم رجل من الجبابرة فجعلهم في حجرته وعلى رأسه حزمة حطب، فانطلق بهم إلى امرأته وقال: انظري إلى هؤلاء القوم الذين يريدون أن يقاتلونا. فطرحهم في يدها وقال: الآن أطحنهم برجلي. فقالت امرأته: لا بل خلّ عنهم حتّى يخبروا قومهم بما رأوا.
فذلك قول بني إسرائيل: إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ
، إلى قوله: إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ
. فقال موسى: رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ
. قال الله ﷿: فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ
الآية.
فخرج موسى إلى التيه وعددهم ستّمائة ألف بالغ، وأتاهم بالآيات المشهورة، والتقى موسى بعد ذلك عوج بن أعناق، فارتفع موسى في الهواء عشرة أذرع وكان طول عصاه مثلها وطول موسى مثلها، ثلاثون ذراعا. فأصاب كعب عوجا فقتله، حدّث بذلك سعيد بن جبير عن ابن عبّاس. وقيل إنّ عوجا عاش ثلاثة آلاف سنة.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع