من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
إسحاق ويعقوب عليهما الصّلاة والسّلام
وتزوّج إسحاق رفقا ابنة عمّه على ما تقدّم، وهو قول أهل التوراة. وقال ابن إسحاق: هي رفقا آبنة بتويل بن ناحور بن آزر، فولدت له عيصو ويعقوب توأمين، وذلك بعد أن مضى من عمر إسحاق ستّون سنة. فولدت لعيصو من ابنة إسماعيل الروم، فكان بنو الأصفر من ولده، وقيل: إنّ الأشبان من ولده ولا أدري أمن آبنة إسماعيل أم لا؟ وولد عدّة أولاد سواه.
قال: وولد للعيص ثلاثون رجلا ومن (بني الأصفر) ملوك الروم (ومنهم الإسكندر في قول الروم. قال عدي:
وبنو الأصفر الكرام ملوك الرّوم لم يبق منهم أحد مذكور.
وقد اختلف في الروم، فقيل: إنّهم من ولد إسحاق، وقيل: إنّما سمّوا روما بإضافتهم إلى مدينة رومة وليس اسم رجل. وكان منزل عيصو الشّام، فكثر ولده فصاروا إلى البحر وناحية الإسكندرية، ثمّ إنّ الروم غلبوا الكنعانيّين.
قال: وكان العيص فيما ذكر يسمّى آدم لأدمته، ولذلك سمّي ولده بنو الأصفر. وكان الروم رجلا أصفر في بياض ولذلك سمّي ولده بنو الأصفر.
فكان أكثر دعاء إسحاق ليعقوب وظهرت البركة له بدعائه، فغاض ذلك العيص وتوعّد يعقوب بالقتل، فخرج هاربا إلى خاله ببابل، فكثر جزع يعقوب من أخيه العيص فأمّنه الله ﷿ من ذلك. وكان ليعقوب خمسة آلاف وخمسمائة من الغنم، فساهم أخاه العيص فيها وأعطاه عشرها استكفافا لشرّه وخوفا من صولته بعد أن أمّنه الله منه. فعاقبه الله في ولده لمخالفته لوعده، وأوحى الله إليه: لم تطمئن إلى قولي، لأجعلنّ ولد العيص يملكون ولدك خمسمائة وخمسين سنة، وهو عدد ما أعطى العيص من غنمه، فكانت المدّة مذ أخربت الروم بيت المقدس واستعبدت بني إسرائيل إلى فتح عمر بن الخطّاب ﵁ بيت المقدس.
ولم يزل يعقوب يتألّف أخاه العيص حتّى ترك له البلاد وعبر إلى الروم، فأوطنها فصار الملك من ولده وهم اليونانية فيما يزعمون.
وعاش إسحاق مائة وثمانين سنة ودفن مع أبيه إبراهيم، وقد كفّ بصره.
وأمر إسحاق ابنه يعقوب أن لا ينكح امرأة من الكنعانيّين وأمره أن ينكح من
بنات خاله لابان بن ناهر بن آزر، فنكح ابنتيه لايا وراحيل بالحديث المشهور. وكانوا يجمعون بين الأختين حتّى جاءت شريعة موسى ﷺ.
وقيل إنّه لم يتزوّج راحيل حتّى توفّيت لايا، فولد له منها الاثنا عشر سبطا، وكان ولدا راحيل يوسف وبنيامين، وقيل اثنان سواهما. وقيل إنّ الاثني عشر من أمتين كانتا لابنتي لايا جهّزهما فوهبتهما له.
ولمّا توجّه يعقوب إلى خاله لينكح ابنته أدركه الليل فبات في بعض الطريق متوسّدا حجرا. فرأى فيما يرى النائم سلّما منصوبا إلى باب (من أبواب) السّماء والملائكة تعرج فيه وتنزل منه، فأوحى الله إليه: إنّي أنا الله لا إله إلّا أنا، وقد ورّثتك هذه الأرض المقدّسة وذرّيتك من بعدك، ثمّ أنا معك أحفظك حتّى أردّك إلى هذا المكان، فأجعله بيتا تعبدني فيه، فهو بيت المقدس. عن ق. ثمّ كان من أمره مع خاله ما كان. وتوفّى يعقوب بمصر وهو ابن مائة سنة وسبع وأربعين سنة ودفن عند قبر إبراهيم وإسحاق. وكان يعقوب قد أوصى إلى يوسف أن يحمل جسده حتّى يدفنه مع أبيه بالشّام ففعل. ق: وعاش يعقوب مع يوسف بمصر سبع عشرة سنة وعاش عيصو كعمر يعقوب سواء.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع