من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
هود ﵇
عن وهب: هو ابن عبد الله بن رباح بن حارث بن عاد بن عوص بن إرم.
ومنهم من يزعم أنّه هود بن عابر بن شالخ بن أرفخشد: هذا قول أهل اليمن.
لمّا وقعت العصبيّة بين يمن ومضر ففخرت مضر بأبيها إسماعيل ادّعت اليمن هود أنّه من ولد أرفخشد أبيها. وقال حبيب البصري: هو هود بن عبد الله بن الخلود أرسله الله إلى قومه عاد، وهي عاد الأولى، وكانوا ثلاث عشرة قبيلة، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح. وذكر جماعة من أهل العناية أنّ الملك بعد نوح تأثّل في عاد الأولى قبل سائر الممالك، وذلك قوله ﷿: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً
. قال: كانوا في هيئة النخل طولا وكانوا في القوّة واتّصال الأعمار
بحسب ذلك. قال وآثارهم بالشحر ومواضع مساكنهم تدلّ على عظم أجسامهم. قال: وكان عاد رجلا جبّارا يعبد القمر، وتزوّج ألف امرأة ورأى من صلبه أربعة آلاف ولد وعاش ألفا ومائتي سنة. ثمّ ملك بعده ولده شداد بن عاد، وهو الذي بنى مدينة إرم ذات العماد، وهذه عاد الثانية، فقد قال الله تعالى في الأولى وبيّنها بقوله ﷿: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى
وقال في هذه: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ؟
ولشداد مسير في الأرض وحروب في البلاد، ويقال إنّه تغلّب على سائر ملوك الأرض. قال: ويقال إنّ جيرون بن سعد حلّ دمشق فمصّر مصرها و (جمع عمد) الرخام والمرمر إليها وشيّد بنيانها وسمّاها إرم ذات العماد، وبقية هذا البنيان في هذا الوقت بدمشق يعرف بباب جيرون وهو بناء عظيم.
وأكثرهم كان بالدّوّ والدّهناء وعالج ويبرين ووبار إلى عمان والشحر وحضر موت والأحقاف. قال الله ﷿: وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ
. فلمّا سخط الله عليهم جعلها مفاوز وغيطانا وكانت أخصب البلاد، ولحق هود ومن اتّبعه بمكّة فلم يزالوا بها حتّى ماتوا.
د: ويقال إنّ قبر هود بحضر موت. وقال أبو الطفيل: سمعت عليّا ﵁ يقول لي: رأيت كثيبا أحمر يخالطه مدرة حمراء وآراك وسدر كثير بناحية كذا وكذا من أرض حضر موت، هل رأيته؟ قلت: نعم والله إنّك لنعتّ نعت رجل قال: ما رأيته ولكنّي حدثت عنه، وفيه قبر هود عليه السلام
عند رأسه سدر وسلم. وذكر ابن وهب عن ابن لهيعة أنّ رجلا من مهرة أتى علي بن أبي طالب ﵁ فقال له: ممّن أنت؟ قال له من مهرة.
قال: وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ
. وقال ابن لهيعة: قبر هود بمهرة.
وكانت عاد أصحاب أوثان وكانت لهم ثلاثة أصنام: صمّود وصدّاء والهبا. قال الله ﷿ حكاية عنهم: قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ
. فحبس الله عنهم القطر ثلاث سنين، فأوفدوا وفدا ليستسقوا لهم بمكّة وهم قيل بن عتر ولقيم بن هزّال ومرثد بن سعد- وكان مسلما يكتم إسلامه- ولقمان بن عاد وجلهمة بن الحبيري ابن خال معاوية بن بكر، فبلغوا بأشياعهم سبعين. فلمّا قدموا مكّة نزلوا على معاوية بن بكر، وهذه عاد الأخرى، وكانوا أخواله وأصهاره، فأكرمهم وأقاموا يشربون الخمر وتغنّيهم الجرادتان قينتان لمعاوية، فمكثوا كذلك شهرا.
فلمّا رأى ذلك شقّ [ذلك] عليه وقال: هلك أصهاري وأخوالي وهؤلاء مقيمون وقد بعثوهم يتغوّثون لهم. واستحى أن يأمرهم بالخروج فيظنّون أنّه أضيق لمقامهم. فقالت له جارية من جواريه: قل شعرا نغنّيهم به لعلّه يحرّكهم، فقال:
ألا يا قيل ويحك قم فهينملعلّ الله يصبحنا غماما
فيسقي أرض عاد إنّ عاداقد أمسوا لا يبينون الكلاما
من الجهد الشّديد فليس يرجوبه الشيخ الكبير ولا الغلاما
وأنتم هاهنا فيما اشتهيتمنهاركم وليلكم التماما
فقبّح وفدكم من وفد قومولا لقّوا التحية والسّلاما
فأجمعوا على الاستسقاء فقال لهم مرثد: إنّكم والله لا تسقون بدعائكم ولكن إن اطعتموني سقيتم، آمنوا بهود واظهروا إسلامه. فقال له معاوية بن بكر حين سمع ذلك منه:
أبا سعد فإنك منقبيل ذوي كرم وأمك من ثمود
وإنّا لن نطيعك ما بقيناولسنا فاعلين لما تريد
أنترك دين آباء كرامذوي رأي ونتبع دين هود
وقالوا لمعاوية: احبس عنّا مرثد بن سعد لا يخرج معنا، فإنّه قد ترك دين آبائنا وديننا وخرج عنّا. وخرجوا يستسقون فقالوا: اللهمّ إن كان هود صادقا فاسقنا فإنّا قد هلكنا. فأنشأ الله لهم سحائب بيضاء وحمراء وسوداء، ثمّ نادى مناد من السحاب: يا قيل اختر لنفسك. فقال: اخترت السحابة السوداء. فناداه مناد:
اخترت رمادا أرمدالا تبقي من عاد أحدا
لا والدا تترك ولا ولداإلّا جعله الله همدا
وساق الله السحابة السوداء بالنقمة إلى عاد، فلمّا رأوها قالوا: هذا عارض ممطرنا. قال الله ﷿: بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ
الآية. سخّرها عليهم سبع ليال وثمانية أيّام حسوما، أي دائمة، ولم يصب هودا ومن اتّبعه منها إلّا ما تلين عليهم الجلود وتلذّ به الأنفس، وإنّها لتمرّ من عاد بالظعينة بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة.
وقال ابن إسحاق: لما سخرت الريح على عاد قال سبعة رهط منهم أحدهم الخلجان: تعالوا نقوم على شفير الوادي فنردها. فجعلت الريح تردهم وتنسفهم حتّى تركتهم: صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ
، فلم يبق إلّا الخلجان. فقال له هود: ويحك أسلم تسلم. قال: وما لي إن أسلمت؟ قال: الجنّة. قال: فما هؤلاء الذين أراهم في السحاب كأنّهم البخت؟ قال: الملائكة. قال: فإن أسلمت يعيذني ربّك منهم؟
قال: ويحك هل رأيت ملكا يعيذ من جنده؟ قال: ولو فعل ما رضيت. ثم جاءت الريح فألحقته بأصحابه. وفي سابعهم يقول الأوّل وهو النهبان بن الخليل:
لو أنّ عادا سمعت من هودما أصبحت غامرة الجلود
هامدة الأجساد بالوهيدصرعى على الأنف مع الخدود
ماذا جنى الوفد على الوفودأحدوثة للأبد الأبيد
وقال مرثد بن سعيد:
عصت عاد رسولهم فأضحواعطاشا لا تبلّهم السّماء
ألا قبّح الإله حلوم عادفإنّ قلوبهم قفر هواء
ويقال إنّ الريح أرسلت عليهم يوم الأربعاء، فلم ترد الأخرى وعلى الأرض منهم حيّ. فلذلك كرهت الأربعاء. وروى عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن الحارث بن حسّان قال: مررت على عجوز بالرّبذة وهي تبغي الصحابة إلى رسول الله ﷺ، وأنا أريد رسول الله ﷺ، فاحتملتها. قال: فدخلت
المسجد وهو غاص بالناس وإذا راية سوداء تخفّق وبلال مقلّد السيف قائم بين يدي رسول الله ﷺ. قال: فلمّا دخل رسول الله ﷺ رحله أذن لي.
قال: فدخلت المسجد فسلّمت فقال: هل كان بينكم وبين بني تميم شيء؟
قلت: نعم يا رسول الله كانت لنا الدائرة عليهم، وقد مررت على عجوز منهم بالرّبذة منقطع عنها فقالت: إنّ لي إلى رسول الله ﷺ حاجة، فاحتملتها وها هي بالباب. قال: فأذن لها رسول الله ﷺ فدخلت، فلمّا قعدت قلت: يا رسول الله إن أردت أن تجعل الدّهناء حاجزا بيننا وبين بني تميم فافعل، فإنّها قد كانت لنا. فاستوفزت العجوز وأخذتها الحمية فقالت: يا رسول الله بأين تضطرّ مضر؟ قال: قلت: أنا والله يا رسول الله كما قال الأوّل معزى حملت حتفها، حملت هذه ولا أشعر أنّها كانت خصما، وأعوذ بالله يا رسول الله أن أكون كوافد عاد. قال رسول الله ﷺ: وما وافد عاد؟ قال: قلت: يا رسول الله على الخبير سقطت. فقال رسول الله ﷺ: إنّه يستطعم الحديث. فقلت: إنّ عادا قحطوا فبعثوا وافدهم قيل، فنزل على معاوية بن بكر شهرا يسقيه الخمر وتغنّيه الجرادتان. قال: ثمّ مضى حتّى أتى جبال مهرة، ثم قال: اللهمّ تعلم أنّي لم آت لأسير فأفديه ولا لمريض فأداويه، فاسق عادا ما كنت تسقيه، فمرّت به سحائب سود فنودي منها أن تخيّر السحابة، فقال: هذه السحابة السوداء فنودي منها أن خذها رمادا رمددا لا تدع من عاد أحدا. قال: قلت: يا رسول الله والله لقد بلغني أنّه لم يرسل عليهم من الريح إلّا قدر ما يجري في حلقة الخاتم. قال أبو وائل وكذلك بلغنا. ويقال إنّ قبر هود بمهرة على ما تقدّم.
قال د: ومن أعاجيب أرض عاد أنّ هناك منارة من نحاس عليها تمثال من نحاس، فإذا كانت الأشهر الحرم سالت ماء في حياضهم.
وروي أنّه كان قيل لوفد عاد حين نشأت لهم السحاب: وقد اعطيتم مناكم فاختاروا لأنفسكم. فقال لقمان بن عاد: أعطني يا ربّ عمرا. فقيل: لا سبيل إلى الخلد، فاختر لنفسك بقاء سبع أيعار عفر في جبل وعر لا يرقى به إلّا القطر، أو بقاء سبعة أنسر إذا مضى نسر خلّف نسرا مكانه.
فاختار النسور، فكان يأخذ الفرخ حين يخرج من بيضته حتّى إذا مات أخذ غيره، وكان آخرها لبد، ولبد بلسانهم الدهر، فماتا جميعا.
وكان هود أشبه ولد آدم بآدم ما خلا يوسف ﵇.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع