من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
القول في ذريّة نوح ﵇
قال بعض أهل التوراة: لم يكن التناسل ولا ولد لنوح ولد إلّا بعد الطوفان، وإنّما كان معه في الفلك قوم آمنوا به إلّا أنّهم بادوا فلم يبق عقب. وقال بعضهم: كان لنوح قبل الطوفان ابنان هلك أحدهما كنعان، (وهو الذي غرق في الطوفان)، والآخر عاش ومات قبل الطوفان. وروي عن عبد الله بن عبّاس ﵄ قال: ولد نوح الذي غرق كنعان والعرب تسمّيه يام. ق: المختلف عن نوح الذي قال له: (يا بنيّ) اركب معنا، لم أر له في التوراة ذكرا. يقال له اسمه يام والعرب تقول إنّما هو عمّنا يام.
[ذكر بيوراسب] وتسمّيه العرب أيضا الضحّاك، وهو ذو الأفواه، والعجم تدّعي الضحّاك، واليمن تدّعيه وتنسبه غير هذه النسبة وتزعم أنّه [الضحّاك بن] علوان بن عبيد بن عويج وأنّه ملك ألف سنة وملك الأرض كلّها. وإيّاه يعني أبو نواس بقوله:
وكان منّا الضحّاك يعبدهالخابل والجنّ في مساربها
وإيّاه عني حبيب بقوله:
ما نال ما قد نال فرعون ولاهامان في الدّنيا ولا قارون
بل كان كالضحّاك في سطوتهبالعالمين وأنت أفريدون
والفرس تسمّيه الازدهاق وتنسبه نسبة أخرى. وهو أوّل من سنّ الصلب ووضع العشور. يقال إنّه خرج في منكبيه سلعتان كل واحدة منهما كرأس الثعبان. قال كثير من أهل الكتاب تتحرّكان تحت ثوبه إذا جاع أو غضب، فكان يشتدّ وجعهما حتّى يطليهما بدماغ إنسان، فكان يقتل لذلك رجلين كلّ يوم وكان يقسمهما على الآفاق. وزعموا أنّه نمرود صاحب إبراهيم، وقد زعموا أنّه مقيّد مغلول، (وقد زعموا أنّه بيوراسب الملك الفارسي، هذا قول الفرس، وأنّه ملك الأقاليم السبعة، وزعموا أنّه مقيّد مغلول) في جبل دنباوند بين الري وطبرستان، واتّخذوا اليوم الذي قيّد فيه عيد المهرجان، قيّده أفريدون فقام عليه كابي رجل من أهل إصبهان من أجل ابنين له قتلهما، ودعا الناس إلى مجاهدته، فأسرعوا إليه ونهضوا إلى الضحّاك، فألقى الله الرعب في قلبه وخلا عن منازله، فافتتح الأعاجم ما أرادوا واجتمعوا إلى كابي وسمّوه (درفش كابيان) وتبرّكوا به، فأعلمهم أنه لا يتعرّض للملك وأمرهم أن يملّكوا من بيت المملكة. وكان أفريدون (بن أثفيان) مستخفيا من الضحّاك فملّكوه.
وهو أوّل من تسمّى بالكييّة، [فقيل له] كي أفريدون، (فقام عليه). وتفسير ذلك من التنزيه والبهاء، واتبع الضحّاك وأسره واتّخذوا ذلك اليوم عيدا وسمّوه المهرجان، وأصله بالفارسيّة مهر ماه، أي نفس الملك ذهبت. وأفريدون أوّل من ذلّل الفيلة وامتطاها ونتج البغال وعالج بالترياق. وقد زعم بعضهم أنّ الضحّاك كان في زمن نوح وإليه أرسل.
وروي عن النبي ﷺ في قوله تعالى: وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ
أنّهم سام وحام ويافث، وبذلك تكرّرت الأخبار والآثار، وهم لأمّ واحدة. وقيل:
تزوّجها بعد خمسمائة سنة من عمره. وأصاب حام امرأته في السفينة فدعا نوح أن يغيّر الله نطفته، فجاءت بالسودان. وقال أهل التوراة إنّ نوحا (شرب وانتشى و) تعرّى، فأبصر حام عورته، فأطلع على ذلك أخويه فأخذا رداء فألقياه على عواتقهما ومشيا على أعقابهما فواريا عورة أبيهما وهما مدبران. فعلم بذلك أبوه نوح فقال: ملعون كنعان بني حام يكونون عبيدا لأخويه ومبارك سام ويكثّر الله يافث.
أمّا سام فسكن وسط الأرض الحرم وما حوله إلى اليمن إلى حضر موت إلى عمان
إلى البحرين إلى عالج ويبرين ووبار والدّوّ والدّهناء. وعن عبد الله بن عبّاس ﵄: نزل بنو سام سرّة الأرض فيما بين ساتيدما إلى البحر وما بين اليمن إلى الشام، وجعل الله ﷿ فيهم النبوّة والكتاب.
وسام كان القيّم بعد نوح في الأرض ومن ولده الأنبياء كلّها عربيّها وعجميّها، والعرب كلّها يمنيّها ونزارها.
فولد سام أرفخشد، وهو أرفخشات، وهو القائم بأمره بعده وإرم وملما (؟). فمن ولد أرفخشد قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشد أبو اليمن و [يقطن بن عابر بن شالخ هو أبو] جرهم بن يقطن بن عابر، نزلوا مكّة وقطورا بنو عمّهم. وجرهم أخوال ولد إسماعيل، وملكان بن أرفخشد من ولده الخضر ﵇.
ومن ولد إرم عاد بن عوص بن إرم، ومنازلهم الأحقاف والرمل إلى حضر موت، وثمود بن غابر بن إرم، منازلهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى، وطسم وجديس ابنا لاوذ بن إرم نزلوا اليمامة وما حولها إلى البحرين، واسم اليمامة إذ ذاك جو. أخوهما عمليق بن لاوذ، نزل بعضهم الحرم وبعضهم الشام. فطسم وجديس وعاد وثمود والعماليق ويعرب وجرهم هم العرب العاربة لأنّه لسانهم الذي جبلوا عليه. ويقولون لبني إسماعيل العرب المتعرّبة لأنّهم إنّما تكلّموا به حين سكنوا بين أظهرهم. ومن العماليق الجبابرة بالشام والفراعنة بمصر. وأهل تيماء وعمان منهم أمّة يسمّون جاسم، وكان ملك أهل الحجاز وتيماء منهم واسمه الأرقم.
ومن ولد إرم أميم بن لاوذ بن إرم أخوهم نزلوا بأرض وبار، وأجناس الفرس كلّهم من ولده. ومن إرم شقّ الكاهن الأوّل بن حويل بن إرم، وهذا غير شقّ الأنماري. فأمّا ماش فنزل بابل ومنه النبط أجمعون، وأرنيط بن ماش.
وزعم قوم أنّ النبط من ولد كنعان بن حام. وولد ماش نمرود بن ماش صاحب الصّرح ملك خمسمائة سنة وهو ملك النبط، وفي زمانه فرّق الله الألسنة، فجعل في سام تسعة عشر لسانا وفي حام سبعة عشر لسانا وفي يافث ستّة وثلاثين لسانا. وبنى الصّرح بعد البلبلة وهو البناء الذي يسمّى المجدل، وكان ارتفاعه خمسة آلاف ذراع ومائة وسبعين ذراعا، وكان أسفله أوسع من أعلاه، وكانت فيه محاريب كثيرة من فائق الرخام مزيّنة بالذهب والجوهر وما لا يكاد سامعه يصدّق الخبر عنه. ويقال إنّه بناه بأرض فارس لأنّه بعد البلبلة استقلّ عن بابل إلى أرض فارس وفرض على الناس عبادة النّار. ويقال إنّ المجدل بني في زمان غابر.
وذكر أنّ لاوذ ولد سام لصلبه. وذكر أنّه كان لسام ولد يسمّى آدم وذكر أنّه يسمّى مالكا وأنّه حيّ، وذلك أنّ ساما دفن تابوت آدم في وسط الأرض ووكّل مالكا بقبره، فأوحى الله إليه أن الذي وكّلته بقبر آدم أبقيه إلى آخر الأبد.
فأمّا يافث بن نوح فمن ولده الصقالب وبرجان والأشبان أعجمية، وكانت
الأشبان منازلهم أرض الروم قبل الروم. ومن ولده الترك والخزر وياجوج وماجوج.
وأمّا حام بن نوح فولد قوط بن حام، فنزل الهند والسند وأهلها طرّا من ولده. وأهل الهند يقولون إنّهم من ولد سلا بن قوط، وسلا أحد ملوك العالم المشهورين. وكنعان بن حام من ولده الحبابرة والكنعانيّون بالشام الذين قاتلهم موسى ويوشع بن نون، ويقال إنّ فراعنة مصر منهم. وهؤلاء غير العمالقة ومنهم جالوت وكوش والنوبة والزنج والفزان والزغاوة والقبط والحبشة والبربر.
روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنّه قال: ولد نوح ثلاثة: سام أبو العرب وفارس والروم وأهل الشام وأهل مصر، ويافث أبو الخزر وياجوج وماجوج، وحام أبو هذه الجبلة السوداء. وقال سعد بن المسيّب: ولد نوح ثلاثة وولد لكلّ واحد منهم ثلاثة: سام ولد العرب والفرس والروم وفي كلّ هؤلاء خير، وحام ولد السودان والقبط والبربر، ويافث ولد الترك والصقالبة وياجوج وماجوج وليس في واحد من هؤلاء خير.
وقال أهل الخبر إنّ الشيطان نزغ بين بني سام وبني حام فوقعت بينهم مناوشات وحروب كانت الدائرة فيها لسام وبنيه، وكان من آخر أمر حام أن هرب
إلى ناحية مصر وتفرّق بنوه ومضى على وجهه يريد المغرب حتّى انتهى إلى السوس الأقصى إلى موضع يعرف اليوم بأسفا، وهو آخر مرسى تبلغه مراكب البحر من عين الأندلس إلى ناحية القبلة، وليس بعده للمراكب مذهب. وخرج بنوه في أثره يطلبونه، فكلّ طائفة من ولده بلغت موضعا، وانقطع عنهم خبره وأقامت بذلك الموضع وتناسلوا فيه. ووصلت إليه طائفة منهم فأقاموا معه وتناسلوا هناك. وكان عمر حام أربعمائة سنة وإحدى وأربعين سنة، وقال قوم: كان عمره سبعمائة سنة وسبعين سنة. ولمّا مات دفنه بنوه في صخر منقور في جبل أصيلة.
وقال الجيهاني: إنّما تفرّقت الألسنة حين ملكهم نمرود بن كنعان بن سخاريب بن نمرود بن كوش بن حام، فردّهم عن الإسلام فأمسوا كلامهم السريانيّة وأصبحوا وليس منهم مخلوق يعرف بكلام صاحبه، فتبلبلت ألسنتهم ففهّم الله تعالى العربية عادا وعبيل ابني أوص بن سام وعمليق وطسم وأميم وجاسم بني لاوذ بن سام، (هكذا ذكر. قال الطبري): فافترقت لغة بني آدم على اثنين وسبعين لسانا، لبني سام منها اثنان وثلاثون وسائرها لبني حام وبني يافث. قال: ونزل عبيل بموضع المدينة مدينة النبيّ ﷺ، فأخرجت العماليق بني عبيل من المدينة وأنزلوهم موضع الجحفة، فأقبل سيل من الليل فاجتحفهم فألقاهم في البحر فسمّيت الجحفة. وقد احتمل السيل الحجاج بالجحفة سنة ثمانين من الهجرة، ويقال إنّها عند ذلك سميّت الجحفة.
فذهب كثير من الناس وأمتعتهم ورجالهم وذلك يوم الاثنين. وقال أبو السنابل:
لم تر عيني يوم الاثنينأكثر محزونا وأبكى للعين
إذ هبّ السيل بأهل المصرينوأقبل المخبّآت يسعين
حواسرا في جبلين يرقلين
ويقال أيضا إنّ النبط من ولد أرفخشد، وإرم وملوك بابل من النبط، وهم الذين عمّروا الأرض ومهّدوا البلاد، وكانوا أشرف ملوك الأرض، فأذلّهم الدهر وصاروا إلى ما هم عليه من الذلّة في هذا الوقت كما شاهد من بالعراق وغيرها منهم. وقد ادّعى الكثير ممّن ذكرناهم أنّهم من العرب، وأكثر أجناس العجم يزعمون أنّهم عرب: فرقة من الروم تزعم أنّها من غسّان من آل جفنة ممّن دخل مع جبلة بن الأيهم الغسّاني أحد ملوكهم إلى بلاد الروم، فإنّه دخل معه ثلاثون ألفا في عهد عمر بن الخطّاب ﵁. وقوم منهم يزعمون أنّهم من اياد دخلوا بلاد الروم عند إجلاء أبرويز إيّاهم من أرض العراق في سبعين ألفا، فنزلوا أنقرة. وقوم منهم يزعمون أنّهم من ولد قضاعة من تنوخ خرجوا من الشام مع هرقل ملك الروم لمّا غلبه المسلمون عليها. ونصارى الجزيرة يزعمون أنّهم من العرب فبعضهم يقول إنّه من ولد الحارث بن كعب بن مدحج ناقلة من الشام، وبعضهم يقول إنّه من لخم رهط النعمان بن المنذر، وكانوا كلّهم على دين النصرانيّة، وبعضهم يقول إنه من آل عبّاد بن تميم رهط زيد العبادي، وبعضهم يزعم أنّه من بني سليم. والديلم تزعم أنّها من بني قيلة بن أد بن طانجة. وذلك بأنّ سابل بن ضبّة نافر إخوته فسار إلى بلاد الديلم فأقام بها. والحدلجيّة خاصّة يزعمون أنّهم من حمير. وغيرهم من أجناس الترك يدّعي العرب ويسمّون أولادهم بأسماء العرب العاربة. والأكراد يزعمون أنّهم من قيس ثم من هوازن، وهم
مقيمون على هذه الدعوة إلى هذه الغاية. والخزر يزعمون أنّهم من قريش ومن بني أميّة وأنّ الدولة العبّاسيّة لمّا ظهرت هرب قوم من بني أميّة فتناسلوا هنالك. والبربر كلّهم يزعمون أنّهم من العرب. وهوارة تزعم أنّها من عاملة ناقلة من الشام، وزويلة تزعم أنّها من جرهم، لمّا نالهم ما نالهم بمكّة هربوا فصاروا بزويلة. وقبط مصر من أهل الصعيد يزعمون أنّهم من ربيعة ثم من تغلب وأنّ قوما من تغلب انتجعوا بإبلهم أرض مصر لطلب الكلأ وهم على دين النصرانيّة، فتزوّجوا القبطيات وتناسلوا هناك وهم التيمي من القبط.
والحبشة الذين ببلاد النجاشي يزعمون أنّهم من اليمن، فغلبت الحبشة على أرض اليمن في قديم الدهر وملكهم بها ومقامهم بها أربعين سنة حتّى صاهروا وصوهر إليهم.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع