من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
صالح ﵇
هو صالح بن عبيد من ذريّة ارم بن سام. وقال وهب بن منبّه: هو صالح بن عبيد بن جابر بن هود النبيّ ﵇ بن عابر بن إرم بن سام بن نوح، وقد تقدّم من نسب هود غير هذا. قال وهب: بعثه الله إلى ثمود حين راهق الحلم، وكان يمشي حافيا لا يتّخذ حذاء كما كان يمشي المسيح ابن مريم، ولا يتّخذ مسكنا ولا بيتا، ولا يزال مع ناقة ربّه حيثما توجّهت.
وكانت منازل قومه بالحجر وبين الحجر وبين قرح ثمانية عشر ميلا، وقرح هي وادي القرى. وبيوتهم إلى وقتنا هذا مبنيّة منحوتة في الجبال ورممهم باقية وآثارهم بادية، وهي بين الشام والحجاز إلى ساحل البحر الحبشي على طريق الحاجّ من الشام، وهي في ناحية تبوك، ومساكنهم على قدر مساكن أهل عصرنا هذا، وهذا يدلّ على أنّ أجسامهم كانت كأجسامنا لا كأجسام عاد الأولى. وأوّل ملوكهم عابر بن إرم بن سام، وثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح. وكانت أعمارهم تطول فيبنون كلّ بناء فينهدم فاتّخذوا من الجبال بيوتا فرهين.
وقالوا لصالح: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
. وكان القوم أصحاب إبل. فقال له زعيم من زعمائهم: إن كنت صادقا فأظهر لنا من هذه الصخرة ناقة سوداء عشراء ذات عرق وشعر ووبر. فأتى بهم هضبة، فلمّا رأته تمخّضت كما تمخض الحابل وانشقّت عن الناقة، ثم تلاها سقبها في نحو صفتها، فآمن كثير منهم وآمن زعيمهم جندع بن عمرو، فكان شربها يوما وكان شربهم يوما، فإذا كان يوم شربها حلبوا لبنا، فملؤوا كلّ إناء ووعاء.
وعاقر الناقة أحمر ثمود وهو قدار بن سالف، وكان أحمر أشقر أزرق سناطا قصيرا، والعاقر الآخر مصدع بن مهرج، واستغويا تسعة من قومهم وهم الذين أخبر الله عنهم في كتابه أنّهم يفسدون في الأرض ولا يصلحون. وكانت لهما صاحبتان أغوتاهما- عنيزة وصدوق- بذلتا أنفسهما إن عقرا الناقة، فأتوها فضرب قدار عرقوبها بالسيف، وامتثل مصدع فعله في العرقوب الآخر واستهموا لحمها.
فلمّا عقرت خرجت ثمود تعتذر إلى صالح بأنّه عقرها فلان وفلان ولا ذنب لنا. فقال: انظروا هل تدركون فصيلها، فعسى أن يرفع عنكم العذاب.
ولمّا رأى الفصيل أمّه تضطرب صعد جبلا يقال له القارة، فأوحى الله
عزّ وجلّ إلى الجبل فطال في السماء حتّى ما تناله الطير، وبكى الفصيل حتّى سالت دموعه. ثمّ استقبل القوم فرغا ثلاثا وقيل إنّه لحقه بعضهم فعقره فقال صالح: لكلّ رغوة أجل يوم تمتّعوا في داركم ثلاثة أيّام، ذلك وعد غير مكذوب. قال لهم: وآية ذلك أن تصبح وجوهكم مصفرّة وفي اليوم الثاني محمرّة وفي الثالث مسودّة. فلمّا رأوا صدق قوله في اليوم الأوّل همّ بعضهم بقتل صالح وقالوا: إن كان صادقا عاجلناه، وإن كان كاذبا جزيناه بكذبه.
فأتوا ليلا فحالت الملائكة بينهم وبينه ومنعه الله منهم. ثمّ لمّا رأوا صدق ما أنذرهم به في اليوم الثاني والثالث تحنّطوا في الثالث وتكفّنوا وصاحوا وضجّوا وبكوا وانتحبوا، فجعلوا يقلّبون أبصارهم إلى السماء مرّة وإلى الأرض مرّة لا يدرون من أين يأتيهم العذاب. فصبحهم في اليوم الرابع وهو يوم الأحد صيحة من السماء، فتقطّعت قلوبهم في صدورهم، فأصبحوا في ديارهم جاثمين. عقروا الناقة يوم الأربعاء وصبحهم العذاب نهار الأحد.
قال غيره: وخرج عنهم صالح بمن آمن معه ليلة الأحد، فنزل موضع مدينة الرملة من بلاد فلسطين. وقال حباب [بن] عمرو، وكان ممّن آمن مع صالح:
كانت ثمود ذوي عزّ ومكرمةما إن يضام لها في الناس من جار
فأهلكوا ناقة كانت لربّهمقد أنذروها وكانوا غير أبرار
وروي عن رسول الله ﷺ أنّ الله ﷿ أهلكهم بتلك الصيحة أجمعين إلّا رجلا واحدا وهو أبو رغال، كان في حرم الله فمنعه من العذاب. وقد نهى
رسول الله ﷺ أصحابه لمّا مرّ بهذه القرية أن يدخلوها وأن يشربوا من مائها وأراهم مرتقى الفصيل. قال ط: وأهل التوراة يزعمون أنّه لا ذكر لعاد ولا لثمود ولا لصالح عندهم، وأمرهم عند العرب في الجاهلية والإسلام كشهرة إبراهيم. ق: عن وهب: ولمّا رأى صالح أنّها دار قد سخط الله عليها ارتحل هو ومن معه، فأهلّوا بالحجّ على قلايص حمر مخطّمة بحبال الليف حتّى وردوا مكّة، فلم يزالوا بها حتّى ماتوا، فقبورهم في غربيّ الكعبة بين دار الندوة والحجر.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع