تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

إبراهيم ﵇

هو إبراهيم بن تارخ بن ناحور بن أسرغ بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح. قال: وكذلك في التوراة إلّا أنّه مكان أسرغ شاروغ.

واختلف في الموضع الذي ولد فيه، فقيل بالسّوس من أرض الأهواز، وقيل بأرض بابل من أرض السّواد، سواد الكوفة. وقال بعضهم بكوثا من السّواد أيضا، وفيها كان نمرود. وقال عامّة السلف: ولد في عهد نمرود بن كوش المتقدّم الذكر، وكان بين الطوفان ومولد إبراهيم ألف سنة وتسع وسبعون سنة، وقال بعض أهل الكتاب: ألف سنة ومائتا سنة وثلاث وستّون سنة. وقال د: تسعمائة واثنتان وأربعون سنة. قال: وإنّما سمّي أبو إبراهيم آزر النمرود لمّا صار قيّما على خزائنه. وقيل إنّ النمرود ملكه الشرق، وقال مجاهد إنّ آزر ليس باسم أبيه وإنّما هو اسم صنم، وقيل إنّه عيب عابه به معناه معوج.

ولمّا قرب أمر إبراهيم طلع كوكب على نمرود، فذهب بضوء الشمس والقمر، فدعا المنجمين والكهنة فسألهم عن ذلك. وفي زمانه ظهر القول

بأحكام النجوم وكوّرت الأفلاك وعملت الآلات وقرب فهم ذلك إلى قلوب الناس ونظر أصحاب النجوم فيما سألهم عنه، فأخبروه أنّ مولودا يولد يكون على يده هلاكه وذهاب مملكته وفساد آلهتهم.. فأمر بقتل الولدان وعزل الرجال عن النساء. وخرج إلى قرية أخرى وأخرج الرجال مع نفسه ولا يولد مولود إلّا قتله. وعرضت حاجة للنمرود إلى المدينة فلم يأمن عليها إلا آزر، فأرسله فيها ونهاه عن مواقعة أهله، فقال (له آزر: أنا أضنّ بديني).

فلمّا دخل المدينة لم يتمالك أن وقع على زوجته، ثم مرّ بها إلى قرية بين الكوفة والبصرة فجعلها في سرب، وكان يتعاهدها بالطعام والشراب، فولدت إبراهيم فكانت جمعته كالشهر لسرعة شبابه، وترعرع ابراهيم ونسي الملك ما أنذر به. فلمّا أمن عليه أبوه أخرجه من السرب بعد المغرب فرفع رأسه فإذا هو بالكوكب المشتري، وكان من أمره ما نصّه الله تعالى.

قال ابن عبّاس ﵄: وخرج في آخر الشهر، فلذلك لم ير القمر قبل الكوكب. وكان قد أوتي رشده من قبل، ومن أوتي رشده فقد عصم من الزلل وعبادة غير الواحد الصمد. ثمّ أتاه جبريل ﵇ فعلّمه دينه واصطفاه الله خليلا ونبيّا، فدعا قومه إلى الإسلام، وكان من كسر الأصنام ما نصّه الله تعالى.

فشاور نمرود في أمره، فقال رجل منهم يقال له هيزم: حرّقوه، فخسف الله به الأرض فهو يتلجلج فيها إلى يوم القيامة. وقال عبد الله بن عمر لمجاهد: أتدري من أشار بحرق إبراهيم؟ قال: قلت: لا. فقال: رجل من أعراب فارس. قلت: وهل للفرس من أعراب؟ قال: نعم، الكرد.

ولمّا رفع إبراهيم ليقذف به في النار سألت السماوات والأرض وكلّ من عليها غير الثقلين ربّها ﵎ أن يأذن لها في نصرته، فقال: إن استغاث بشيء منكم فينصره، وإن لم يدع غيري فأنا وليّه. فرفع إبراهيم رأسه فقال: اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض. فقال الله ﷿: يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً

. فقال عبد الله بن عبّاس ﵄: لو لم يتبع بردها سلاما لمات إبراهيم من بردها ولم ينتفع بنار في ذلك اليوم وظنّت كلّ النار أنّها المأمورة. ونظر نمرود إلى إبراهيم في روضة خضراء في سواء النار ومعه رجل ورأس إبراهيم على حجره وهو يمسح العرق عن وجهه، وكان ملك الظلّ، وإبراهيم حينئذ ابن ستّ عشرة سنة.

فعجب نمرود من ذلك وما كفّ عن إبراهيم وقال: إنّي مقرّب إلى إلاهك أربعة آلاف بقرة. فقال إبراهيم: إنّه لا يقبلها منك ما كنت على شيء من دينك.

واستجاب لإبراهيم رجال من قومه بتلك الآية على خوف من نمرود، وآمن به ابن أخيه لوط. وتزوّج إبراهيم سارة ابنة عمّه هران الأكبر بن ناحور، هي سارة ابنة هران بن ناحور أخت لوط وابنة عمّ ابراهيم، فآمنت به. قال:

وهي أوّل من آمن به. وخرج إبراهيم مهاجرا بمن معه حتّى قدم مصر. قال وهب: فلسطين. فوجد بها فرعون من فراعنة القبط. قال وهب: يقال له صادوف، فذكر له حسن سارة فأرسل إلى إبراهيم فسأله عنها فقال: هي أختي: وخاف أن يقتله عليها لو قال: هي زوجتي. فقال: زيّنها وارسل بها إليّ أنظر إليها. فمدّ يده إليها فرعون فيبست إلى صدره فقال: ادعي ربّك أن يطلق يدي ولا أمسكك. ففعلت وانطلقت إليه يده، ووهب لها هاجر

فوهبتها سارة لإبراهيم. وقال رسول الله ﷺ: لم يكذب إبراهيم غير ثلاث: إنّي سقيم، وبل فعله كبيرهم هذا، وقوله للجبّار إذ سأله عن سارة: هي أختي.

فخرج إبراهيم حتّى نزل فلسطين بين الرملة وإيليا، وقال وهب: إنّ الله أخرج الجبّار الذي عرض لسارة من تلك المدينة وأورثها إبراهيم، فأثرى بها فولدت هاجر- وهي قبطية- إسماعيل لستّ وثمانين سنة من عمر إبراهيم، وولد له إسحاق وهو ابن مائة سنة وعشرين وسارة ابنة تسعين سنة. واختتن إبراهيم بعد تسع وتسعين سنة وختن الله إسماعيل ابن ثلاث عشرة سنة. وكان من إخراج إبراهيم لهاجر وابنها إسماعيل إلى مكّة ما قد شهر: أسكن إسماعيل بمكّة وهو ابن ستّ عشرة سنة، وقيل ابن أربع عشرة سنة، وانفجرت زمزم من تحت يد إسماعيل فاستسقت هاجر وجعلت تدخره في قربتها، فلولا الذي فعلت ما زالت زمزم معينا ظاهرة. ثم أجاب الله دعوة إبراهيم فأنسهم بجرهم وجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ورزقهم من الطيّبات.

ثمّ بنى إبراهيم البيت مع ابنه إسماعيل على ما أمره الله تعالى به. وذكر آخرون أنّ الذبح كان قبل بناء الكعبة وهو أصحّ، والله أعلم. ثمّ أمر الله إبراهيم أن يذبح ولده على كثرة الاختلاف فيه. قال: إن كان الذبح وقع بمنى قبل ذبح الفداء فعلى ما تكرّر فالذبيح إسماعيل، لأنّ إسحاق لم يدخل الحجاز.

وإن كان الأمر بالذبح وقع بالشام فالذبيح إسحاق، لأنّ إسماعيل لم يدخل الشام بعد أن حمله أبوه منه. وقد تكرّرت الآثار أنّ الموضع الذي خلا فيه

بابنه وأضجعه للذبح فيه شعب ثبير. وعن عليّ وابن عبّاس ﵃ أنّ الكبش أهبط على إبراهيم في ثبير. قال عبد الله بن عبّاس: وكان رعى في الجنّة أربعين خريفا. قال: فأرسل إبراهيم ابنه فاتّبع الكبش حتّى أخرجه إلى الجمرة الأولى، فرماه بسبع حصيات فأفلته عندها. فجاء الجمرة الوسطى فرماه بمثلها فأفلته. ثمّ رماه عند الجمرة الكبرى بمثلها وأخذه. فأتى به إبراهيم المنحر من منى فذبحه. قال عبد الله بن عبّاس ﵄: لقد كان أوّل الإسلام وإنّ رأس الكبش المعلّق بقرنه في ميزاب الكعبة قد وخش يعني يبس.

قال أبو جعفر: ممّا امتحن الله به إبراهيم النّار والكواكب والشمس والقمر وأمره بذبح ابنه والكلمات التي ذكرها الله في محكم كتابه على اختلاف الناس فيها وذكر خمسة أقاويل. فلمّا علم الله منه الصبر على ما ابتلاه [به] والقيام بما ألزمه واسترعاه جعله الله لمن بعده إماما، وجعل في ذريّته النبوّة والرسالة وخصّهم بالكتب المنزّلة والحكم البالغة.

وروي أنّ أوّل من ركب الخيل إبراهيم، وقالت العرب: إن أوّل من ركب الخيل إسماعيل بن إبراهيم، وكانت وحوشا فأوحى الله إليه بآية الخيل فدعا بها فأتته فأمكنته من نواصيها فركبها هو وولده، فعتاق الخيل تنسب إليهم إلى هذه الغاية، فيقال الخيل العربيّة.

وذكر السدّي أنّ إبراهيم سأل ربّه أن لا يتوفّاه حتّى يكون هو الذي يسأله الموت. فبعث الله إليه ملك الموت في صورة شيخ هرم، وكان إبراهيم كثير الإطعام، فبينما هو يطعم الناس إذ رأى شيخا كبيرا يمشي في الحرّ، فبعث إليه بحمار فركبه حتّى إذا جاء أطعمه. فجعل الشيخ يأخذ اللقمة يريد أن يدخلها فاه فيدخلها عينه أو أذنه ثم يدخلها، فإذا دخلت جوفه خرجت من دبره.

فقال للشيخ حين رأى ذلك منه: ما بالك؟ قال: الكبر، فسأله عن سنّه، فزاد على عمر إبراهيم سنتين. فقال إبراهيم: إنّما بيني وبينك سنتان، فإذا أتيت عليها كنت مثلك؟ قال نعم. قال إبراهيم: اللهم اقبضني إليك قبل هذا. فقام الشيخ فقبض نفسه وتوفّى وهو ابن مائتي سنة، وقيل ابن مائة وخمس وسبعين سنة- صحّ عنهم- ودفن بأرض الكنعانيّين في حبرون في مزرعة اشتراها إبراهيم، وفيها دفنت سارة وإسحاق، ومواضع قبورهم مشهورة وهي على ثمانية عشر ميلا من بيت المقدس في مسجد هناك يعرف بمسجد إبراهيم.

وأنزل الله على إبراهيم عشر صحف. قال رسول الله ﷺ أمثالا ومواعظ منها: على العاقل أن يكون بصيرا لزمانه مقبلا على شأنه حافظا للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قلّ كلامه إلّا في ما يعنيه.

ق: وما عاشت سارة سوى مائة سنة وسبع وعشرين سنة. واختلف هل هي أوّل موتا أو هاجر، والصحيح أن هاجرا تقدّمتها، ولا اختلاف أنّهما ماتتا في حياة إبراهيم. ودفنت هاجر بحجر مكّة وفيه دفن ابنها إسماعيل. وتزوّج بعدها إبراهيم امرأتين من الكنعانيّين قطورا وحجورا وله ثلاثة عشر ذكرا، منهم مدين بن إبراهيم جدّ شعيب، فجميع ولده ثلاثة عشر ولم يذكر إلّا قطورا ولدت له سبعة نفر ولا تذكر الأخرى. وكان لإبراهيم أخوان: حرّان

أو لوط- ويقال هاران- وهو الذي بنى حرّان وإليه تنسب، وناهر وهو أبو رفقا امرأة إسحاق. وفي التوراة أنّه ناحور لا ناهر وناهر لوهب.

وأمّا الدليل أنّ هاجر سبقت سارة فما رواه السدّي أنّ إبراهيم اشتاق إلى إسماعيل، فآستأذن سارة أن يأتيه. فأخذت عليه عهدا ألّا ينزل غيرة على هاجر، فركب البراق ثمّ أقبل فوجد أم إسماعيل قد ماتت. وتزوّج إسماعيل امرأة من جرهم ولم يجد إسماعيل ورأى المرأة فظّة غليظة فقال لها: إذا جاء زوجك فقولي له: جاء هنا شيخ من صفته كذا وكذا ويقول لك: لا يرضى عتبة بابك: ففعلت، فلمّا أخبرته طلّقها. وتزوّج ثانية، وجاء إبراهيم مرّة ثانية فلم يجد إسماعيل ووجد امرأة سهلة طلقة وأتته باللبن واللحم، فدعا لها بالبركة وجاءته بالمقام فوضعته تحت شقّه الأيمن، فوضع قدمه عليه فبقي أثر قدمه فيه وغسلت شقّ رأسه الأيسر ثم قال لها: إذا جاء زوجك فاقرئيه السلام وقولي له: قد استقامت عتبة بابك.

قال أبو جعفر: ثمّ لبث ما شاء الله أن يلبث وأمره ببناء الكعبة. وفي رواية أخرى قيل: كان على أتان ولدعوة إبراهيم لا ينقطع اللّبن بمكّة في فصل من فصول السنة، ولذلك كانت لحومها أطيب اللحوم حتّى أنّ القصّاب ليعطي الشحم بدلا من اللحم يغشّ به.

وأمّا نمرود صاحب إبراهيم فعذبه الله بأضعف خلقه ببعوضة توغّلت في خياشيمه، فمكث أربعمائة عام، أربعين عاما يعذّب في حياته، وكان يضرب رأسه بالمطارق وأرحم الناس عنده من جمع يديه فضرب بهما رأسه. وهو الذي جوّع الأربعة الأنسر وقرنهنّ بالتّابوت، فلم يزل يرفع اللحم حتّى وقع في ظلمة لا يرى ما فوقه ولا ما تحته، ففزع وألقى اللحم وانقضّت النسور وكان طيرانهنّ من بيت المقدس وسقوطهنّ بجبل الدخان. وذلك قول الله ﷾: وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ

الآية. ثم أخذ بعد ذلك في بنيان الصّرح، فبنى حتّى إذا ظنّ أنّه أسنده إلى السماء ارتقى فوقه ينظر- بزعمه- إلى إله إبراهيم، فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ

. فيقال: عند ذلك تبلبلت ألسن الناس من الفزع، فتكلّموا بثلاثة وسبعين لسانا، فلذلك سمّيت بابل، وإنّما كان لسان الناس قبل [ذلك] بالسريانيّة.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.