تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

القول في وفاة موسى وهارون عليهما الصّلاة والسّلام

حدّث ابن عبّاس وابن مسعود ﵃ أنّ الله ﷿ أوحى إلى موسى: إنّي متوفّي هارون، فآت جبل كذا. فانطلق موسى وهارون إلى ذلك الجبل، فإذا فيه شجر وبيت مبنّي، وإذا فيه سرير وعليه فرش. فلمّا نظر إليه هارون أعجبه وقال: يا موسى إنّي أحبّ أن أنام على هذا السرير.

فقال: نم عليه. قال: إنّي أخاف ربّ البيت. قال موسى: أنا أكفيك.

فلمّا نام هارون قبض الله روحه، ثمّ رفع ذلك البيت والسرير به إلى السماء. فلمّا رجع موسى إلى بني إسرائيل وليس معه هارون قالوا: إنّ موسى قتل هارون وحسده حبّ بني إسرائيل له. وكان هارون أعطف عليهم. قال: دفن هارون في جبل مواب نحو جبال السراة ممّا يلي الطور، وقبره مشهور في مغاوة عادية يسمع فيها في بعض الليل دوي عظيم يجزع منه كل ذي روح. وقيل إنّه غير مدفون بل هو موضوع في الغار ظاهرا، ولهذا خبر عجيب، من وصل إلى هذا الموضع علم ما وصفناه.

وكان ذلك قبل وفاة موسى بسبعة أشهر. [وقبض هارون وهو ابن مائة وثلاث وعشرين سنة، وقيل إنّه قبض وهو ابن مائة وعشرين سنة. وقد قيل إنّ موسى قبض بعد وفاة هارون] بثلاثة أعوام وقاله أيضا، وتلك التي كان يزيد عليه هارون في سنّه، فماتا في سنّ واحد، فكانت سنّ كلّ واحد منهما مائة وعشرين سنة. وقبضا ولم يحدث لهما شيء من الشيب ولا حالا عن صفات الشباب. وكانت في جبهة هارون شامة وعلى طرف أرنبة موسى شامة وعلى طرف لسانه شامة ولا يعرف أحد قبله ولا بعده كانت على طرف لسانه شامة. وهي العقدة التي ذكرها الله، العقدة حدثت من الجمرة التي وضعها في فيه لمّا دعت آسية له جمرا وياقوتا حين نتف لحية فرعون فأرادوا قتله، فأتى جبريل فوضع في يده الجمرة.

ثمّ إنّ موسى كان مع يوشع إذ أقبلت ريح شديدة، فظنّ يوشع أنّها السّاعة

فالتزم موسى، (واستل موسى) من تحت الثياب فذهب موسى وتركها في يديه. فلمّا رجع يوشع إلى بني إسرائيل بالثياب وفقدوا موسى اتّهموه بقتله وارادوا قتله، فسألهم أن يؤخّروه ثلاثة أيّام، فأتى كلّ رجل ممّن كان يحرسه في منامه أنّ يوشع لم يقتل موسى وأنّ الله ﷿ رفعه إليه.

وذكر ابن إسحاق أنّ موسى مرّ برهط من الملائكة يحفرون قبرا فسألهم: لمن هذا؟ فقالوا: لعبد كريم على ربّه. فقال: إنّ لهذا العبد من ربّه لمنزلا.

قالوا: أتحبّ أن تكون هو؟ قال: وددت ذلك. قالوا: فانزل فاضطجع فيه وتوجّه إلى ربّك. ففعل ثمّ تنفّس فقبض الله روحه وسوّت عليه الملائكة.

قال: وكان في زمان موسى بلعم بن باعور وهو من الرهط الذين آمنوا بإبراهيم يوم ألقي في النار، وكان بقرية من قرى البلقاء قد أوتي ملكا عظيما، وأعطي اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب. فسأله قومه من العماليق أن يدعو على موسى وبني إسرائيل، فأبى فلم يزالوا به حتّى فتنوه، فركب أتانه وارتفع إلى الجبل يدعو عليهم، فصرف الله لسانه بالدعاء على قومه. ثمّ أمرهم أن يرسلوا النساء الحسان إلى عسكر بني إسرائيل بالسلع وأن لا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها. فوقع رجل من بني إسرائيل بامرأة فوقع فيهم الطاعون، فيقال إنّه هلك منهم سبعون ألفا. ففي بلعم أنزل الله: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا

الآية، إلى قوله: يَتَفَكَّرُونَ

. وهو الذي نطقت أتانه بفضيحته وقالت. ويلي منك تنكحني بالليل وتركبني بالنهار.

قال س: فأمّا السامرية ذريّة السامري فهم في وقتنا هذا- وهي سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة- في قرى متفرّقة ببلاد فلسطين والأردن إلى نابلس، وأكثرهم في هذه المدينة، وهم يقولون لا مساس، وهم صنفان متباينان كتباينهم لسائر اليهود، يقال لأحدهما الكوشان وللآخر الدوستان. ويقول أحدهما بقدم العالم، ويزعمون أنّ التوراة الصّحيحة هي بأيديهم وأنّ التي بيد اليهود ليست التي أنزلت على موسى لأنّها حرقت وقت سبيهم، وأنّ المحدث لهذه التي بأيديهم روبابيل.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.