من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر الملتزم والحطيم وزمزم
[الملتزم ما بين الركن والباب].
غور زمزم ستّون ذراعا، وهو شرقي الكعبة، وفي قعرها ثلاث عيون.
قال رسول الله ﷺ: ماء زمزم لما شرب له. وقال أيضا: ماء زمزم لنا شرف.
فأمّا الحطيم فهو ما بين الكعبة وزمزم والمقام. قال الأزرقي: ما بين حجرة زمزم إلى جدار الحوض الّذي قدام السقاية، سقاية العبّاس بن عبد المطّلب، وهي الّتي عليها القبّة، إحدى وعشرون ذراعا ونصف، وذرع بطن الحوض اثنتا عشرة ذراعا ونصف إصبع.
وروي أنّ علي بن أبي طالب حدث بحديث زمزم فقال: قال عبد المطّلب:
إنّي نائم في الحجر إذا أتاني آت فقال: احفر طيّبة. قال: قلت: وما الطيّبة؟ قال: ثمّ ذهب عنّي، فلمّا كان من الغد رجعت إلى موضعي [فنمت فيه فجاءني] فقال: احفر مظنونة. قال: قلت: وما المظنونة؟
قال: ثمّ ذهب عنّي، فلمّا كان من الغد رجعت إلى موضعي فنمت فيه فجاءني فقال: احفر برّة. قال: قلت: وما برّة؟ قال: ثمّ ذهب عنّي، فلمّا كان من الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فجاءني فقال: احفر زمزم.
قال: قلت: وما زمزم؟ قال: لا تنزف أبدا ولا تدم تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدم عند نقر الغراب الأعصم عند قرية النمل. قال: فلمّا بيّن له شأنها ودلّ على موضعها [وعرف أنّه قد صدق غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث بن عبد المطّلب ليس له يومئذ ولد غيره فحفر، فلمّا بدا لعبد المطّلب الظمى كبّر فعرفت قريش حاجته فقاموا إليه] فقالوا: يا عبد المطّلب إنّها بئر إسماعيل إنّ لنا فيها حقّا، فأشركنا معك فيها. قال:
ما أنا بفاعل، إنّ هذا الأمر خصصت به دونكم. فقالوا: إنّا غير تاركيك [حتّى] نخاصمك فيها. قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم [أحاكمكم إليه]. قالوا: كاهنة بني سعد بن هذيم. قال: نعم. وكانت بأشراف الشام.
فركب عبد المطّلب ومعه أشراف بني أميّة وبني عبد مناف وركب من كلّ قبيلة من قريش نفر، والأرض إذ ذاك مفاوز. قال: فخرجوا حتّى إذا كانوا في بعض الطريق في تلك المفاوز بين الحجاز والشام، فنى ماء عبد المطّلب وأصحابه وظمئوا حتّى أيقنوا بالهلكة، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش، فضنّوا عنهم وأبوا من سقيهم وقالوا: إنّا بمفازة ونحن نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم. فلمّا رأى عبد المطّلب ما صنع القوم قال لأصحابه: ماذا ترون؟ قالوا: ما رأينا إلّا تبع لرأيك، فمرنا بأمرك.
قال: فإنّي أرى أن يحفر كلّ رجل منكم حفرة لنفسه بما بكم الآن من القوّة، فكلّما مات رجل دفنه أصحابه وواروه حتّى يكون آخركم رجلا
[واحدا]، فضيعة رجل واحد منكم أيسر من ضيعة ركب جميعا. قالوا:
نعم ما أمرت به. فقام كلّ واحد منهم وحفر حفرة، ثمّ قعدوا ينتظرون الموت عطشا.
ثمّ إنّ عبد المطّلب قال لأصحابه: ما إقامتنا هكذا للموت ألا نضرب في الأرض ونبتغي لأنفسنا مخرجا، فعسى الله أن يرزقنا ماء. وارتحلوا وقبائل قريش تنظر إليهم ما هم فاعلون، حتّى إذا تقدّم عبد المطّلب إلى راحلته، فلمّا انبعثت به انفجرت من تحت خفّها عين ماء عذب. فكبّر عبد المطّلب وكبّر أصحابه، ثمّ نزل وشرب وشربوا واستقوا حتّى ملّوا أسقيتهم، ثمّ دعا القبائل من قريش فقال: هلمّوا إلى الماء، فقد سقانا الله، فاشربوا واستقوا. فجاؤوا وشربوا واستقوا فقالوا: قد والله قضى [الله] لك علينا، والله لا نخاصمك في زمزم أبدا، فارجع إلى سقايتك راشدا. فرجع ورجعوا معه ولم يصلوا إلى الكاهنة وخلّوا بينه وبين زمزم.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع