من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر المنبر الّذي اتّخذه معاوية
وقد كان من مضى يخطبون النّاس يوم الجمعة بمكّة على أرجلهم قياما حتّى اتّخذ معاوية منبرا صغيرا على ثلاث درجات قدم به من الشام سنة حجّ. ثمّ صنع الخلفاء بعده [منبرا] أحكمت صناعته مفصّلا قطعا، وكان في خزانة المسجد، فإذا كان عيد أو جمعة أخرج المنبر أعوادا مفرّقة ونصب ما بين باب البيت والركن الشامي فيما يقابل المقام وأسند إلى جدار البيت، فيصعد الإمام يخطب عليه. وكذلك إذا ورد على صاحب مكّة كتاب من الخليفة نصب وقرئ عليه الكتاب.
فلمّا كانت سنة أربع وتسعين وثلاثمائة تكسّر ذلك المنبر في المسجد الحرام، وكان سبب كسره أنّ صاحب مصر الملقّب بالحاكم الحسن بن نزار بن معد أرسل إلى صاحب مكّة أبي الفتوح الحسن بن جعفر الحسني- قال القاضي
الموسوي: وهو يومئذ قاضي مكّة وما والاها- بكتاب فيه شتم بعض الصحابة- رضوان الله عليهم- وبعض أزواجه ﷺ، وأمر بقراءته على الناس. فلمّا فشا ذلك عند الناس من المجاورين والقاطنين بمكّة والمنتجعين وغيرهم من البلاد من قبائل العرب المجاورة، هذيل ورواحة وغيرهم، رجعوا إلى المسجد غضبا لله ولنبيّه ولأصحابه ﵃. فلمّا بلغ ذلك القاضي تثاقل عن الخروج وتبطّأ وطال انتظار النّاس له حتّى قال قائل: قد صعد المنبر. فرماه الناس بالحجارة وزحفوا إليه فلم يجدوه عليه، فتكسّر المنبر وصار رضاضا.
وكان يوما عظيما ومشهدا مهيبا ولم يقدم أحد بعد ذلك أن يعلّق بذلك المذهب.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع