تجاوز إلى المحتوى

من «جمهرة أشعار العرب» لأبي زيد القرشي (ت ١٧٠هـ)

فصل آخر (٤)

قال: وكان لبيد جواداً شريفاً في الجاهلية والإسلام، وكان قد آلى في الجاهلية أن يطعم ما هبت الصبا، ثم أدام ذلك في إسلامه. ونزل لبيد الكوفة، وأميرها الوليد بن عقبة، فبينا هو يخطب الناس، إذ هبت الصبا بين ناحية المشرق إلى الشمال فقال الوليد في خطبته على المنبر: قد علمتم حال أخيكم أبي عقيل، وما جعل على نفسه أن يطعم ما هبت الصبا، وقد هبت ريحها، فأعينوه! ثم انصرف الوليد، فبعث إليه بمائةٍ من الجزر واعتذر إليه فقال:

أرَى الجَزّارَ يَشْحَذُ شَفرَتيهِإذا هَبّتْ رِياحُ أبي عَقيلِ
للشاعر الوليد بن عقبة بن أبي معيط، اقرأ القصيدة
أشمُّ الأنفِ أَصْيَدُ عامريٌّ،طويلُ الباعِ كالسّيفِ الصّقيلِ
للشاعر الوليد بن عقبة بن أبي معيط، اقرأ القصيدة
وفَى ابنُ الجَعفَريِّ بما نَواهُ،على العِلاَّتِ والمالِ القَليلِ
يُذَكّي الكُومَ ما هَبَّتْ عليهِرِياحُ صَباً تجاوَبُ بالأصيلِ

فلما وصلت الهدية إلى لبيد قال له الرسول: هذه هدية ابن وهب، فشكره لبيد

وقال: إني تركت الشعر منذ قرأت القرآن، وإني ما أعيا بجواب شاعر، ودعا ابنةً له خماسيةً فقال: أجيبيه عني، فقالت:

إذا هَبَّتْ رِياحُ أبي عقيلٍ،دَعَونا عندَ هَبّتِها الوَليدَا
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إذا هبت رياح أبي عقيل»
أشَمَّ الأنفِ، أصْيَدَ عَبشَمِيّاًأعانَ على مُروءَتِهِ لَبيدَا
للشاعر ابنة لبيد بن ربيعة العامري، اقرأ القصيدة
بأَمثالِ الهِضابِ، كأنَّ رَكباًعَليها من بَني حامٍ قُعُودَا
للشاعر ابنة لبيد بن ربيعة العامري، اقرأ القصيدة
أبا وَهبٍ! جَزَاكَ اللَّهُ خَيراًنَحَرناها، وأطعَمنا الوُفُودَا
فَعُدْ! إنّ الكريمَ لهُ مَعَادٌ،وظنّي يابنَ أروى أن تَعُودا
للشاعر ابنة لبيد بن ربيعة العامري، اقرأ القصيدة

فقال لبيد: أجبت وأحسنت لولا أنك سألت في شعرك. قالت إنه أمير، وليس بسوقة ولا بأس بسؤاله، ولو كان غيره ما سألناه! قال: أجل! إنه لعلى ما ذكرت.

قيل: وكان لبيد أحد المعمرين؛ يقال: إنه لم يمت حتى حرم عليه نكاح خمسمائة امرأةٍ من نساء بني عامر، وهو القائل لما بلغ تسعين حجة:

كأنّي وَقَدْ جاوَزتُ تِسْعينَ حجّةًخَلَعتُ بها عنِّي عِذارَ لجامي
للشاعر عمرو بنِ قُمَيئَة، اقرأ القصيدة
رَمتني بناتُ الدَّهرِ من حيثُ لا أرَىفكَيفَ بمن يُرْمى، وليس برامي
للشاعر عمرو بنِ قُمَيئَة، اقرأ القصيدة
ولو أنّني أُرمَى بِسَهْمٍ رأيتُها،ولكنَّني أُرمَى بغَيرِ سِهامِ

وقال حين بلغ عشرين ومائة:

وغَنِيتُ دَهراً قَبلَ مَجْرى داحسٍ،لو كانَ للنّفسِ اللَّجُوجِ خُلُودُ

وقال حين بلغ أربعين ومائة:

ولقد سئِمتُ منَ الحَياةِ وطولِها،وسؤالِ هذا النّاسِ: كيفَ لبيدُ؟
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «قضي الأمور وأنجز الموعود»
غَلَبَ الزّمانَ، وكانَ غَيرَ مُغَلَّب،دَهرٌ طَويلٌ دائمٌ مَمدُودُ
يومٌ إذا يأتي عليَّ، ولَيلَةٌوكلاهُما بَعدَ انقضاهُ يَعُودُ

ثم أسلم، وحسن إسلامه، وجمع القرآن وترك قول الشعر.

النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق وشرحه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من فاتحة الكتاب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.