تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

القول في أخبار المغرب وذكر مصر ونيلها وملوكها وبرابيها وأهرامها والمشهور من بلاد المغرب وجمل من أخبارها

وصفها بعض الحكماء فقال: ثلاثة أشهر لؤلؤة بيضاء وثلاثة أشهر مسكة سوداء وثلاثة أشهر زمرّدة خضراء وثلاثة أشهر سبيكة ذهب حمراء، يريد أنّها في تموز وآب وأيلول يركبها الماء، فترى الدنيا بيضاء وضياعها على رواب وتلال كالكواكب قد أحاطت بها المياه، فلا سبيل (لبعض منهم) إلى بعض إلّا في الزوارق، ثمّ تكون في تشرينين وكانون بعد نضب الماء عنها مزارع وتربة ندية ذات روائح طيّبة تشبه ريح المسك، ثمّ تكون في كانون الثّاني وشباط وآذار قد اتّصلت خضرتها واستوسقت نضرتها، فكانت زمرّدة خضراء، ثمّ في نيسان وأيار وحزيران يدرك الزرع ويتورّد العشب، فتصير كسبيكة الذهب منظرا ومنفعة.

والنيل (إذا زاد غاضت الأنهار والعيون والآبار)، وإذا غاض زادت وزيادتها من غيضه وغيضها من زيادته، وهذا عجيب.

وليس في الدنيا نهر يسمّى بحرا ويمّا غيره. قال الله تعالى: فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِ

. وسمّته العرب بحرا، وليس في الدّنيا نهر يزرع عليه ما يزرع على النيل ولا نهر يجنى منه إلّا جزء ممّا يجنى من النيل. وابتداؤه بالتنفّس (في بقية) حزيران، فإذا انتهت الزيادة ستّ عشرة ذراعا ففي ذلك تمام خراج السلطان وخصب الناس الكافي، وكان المرعى ناقصا قاصرا بالبهائم، فإذا بلغ سبع عشرة ذراعا فذلك الخصب العام والصلاح التّام، فإن زاد إلى ثماني عشرة ذراعا استبحر من مصر الربع وأضرّ بالضياع وأعقب الوباء بمصر، وقد بلغ تسع عشرة ذراعا سنة تسع وتسعين في خلافة عمر بن عبد العزيز.

قال عبد الملك بن حبيب: خروج النيل وجريته من أوّل ما يبدأ إلى توقّفه ورجوعه سبعة وثمانون يوما، أوّل ذلك لخمس بقين من حزيران- وهو بونه. وذكر أنّ الله تعالى جعل نيل مصر معادلا لأنهار الدنيا في المادّة ومياهها الجارية، فحين يبتدئ في الزيادة تنقص كلّها وحين يبتدئ بالنقصان تزيد كلّها بمدّة لها كما نقصت بجزره منها.

ومساحة الذراع إلى أن يبلغ اثنتي عشرة ذراعا ثمانية وعشرون إصبعا، وما زاد على الاثني عشر مساحة الذراع أربعة وعشرون إصبعا. وإذا انصرف الماء عن ثلاث عشرة ذراعا إلى أربع عشرة استسقى الناس بمصر وكان الضرر الشديد. وهم يسمّون هذين الذراعين منكرا ونكيرا. وفي خمس عشرة ذراعا لا يستسقى وكان نقصا من خراج السلطان والغلّات.

والقياس الّذي يعمل عليه في وقتنا هذا هو الّذي اتّخذه أسامة بن زيد التّنوخي في خلافة سليمان بن عبد الملك، وهو أكبر المقاييس ذراعا، وهذا المقياس في الجزيرة الّتي تدعى جزيرة الصناعة بين الفسطاط والجيزة، فيعبر من الفسطاط إلى الجزيرة على الجسر ومن الجزيرة إلى الجيزة على جسر آخر، والفسطاط على شرقي الجزيرة والجيزة على غربيّها. والعمل عند ترادف الرياح وكبر الموج وكثرة الماء على مقياس آخر لأحمد بن طولون. وقد كان عمر بن عبد العزيز بن مروان لمّا ولّي مصر اتّخذ مقياسا قصير الذراع بحلوان، وهي فوق الفسطاط، فكان العمل عليه حتّى اتّخذ أسمامة (بن زيد) هذا. وكان العمل قبل الإسلام وصدر الإسلام بمقياس صنعه يوسف الصدّيق ﵇ »

لمّا بنى الأهرام لمعرفة زيادة النيل، وكان بمنف، (ولمّا يبن الفسطاط يومئذ). وكانت دلوكة الملكة وضعت أيضا مقياسا آخر بالصعيد ببلاد أخميم.

والتّرع الّتي في مصر أربع أمّهات: ترعة ذنب التّمساح وترعة بلقينة وخليج سردوس وخليج ذات السّاحل. وتفتح هذه الترع في عيد الصليب لأربع عشرة من أيلول، وليلة الغطاس بمصر لعشر يمضين من كانون الآخر، وهو أصفى ما يكون النيل، وحينئذ يتّخذ النبيذ السواري بعد الغطّاس، ويختزن الماء أهل تنّيس ودمياط (سائر قرى) البحيرة.

ولليلة الغطّاس بمصر شأن عظيم. قال س: حضرتها سنة ثلاثين وثلاثمائة وأميرها الإخشيد محمّد بن طفج، وهو في داره المعروفة بالمختارة في الجزيرة الراكبة للنيل والنيل مطيف بها. وقد أمر فأسرج من جانب الجزيرة وجانب الفسطاط ألفا مشعل سوى ما أسرج أهل مصر من المشاعل والشمع ما لا يحصى عدده. وقد حضر النيل في تلك الليلة آلاف الآلاف من البشر، منهم في الزوارق ومنهم في الدور الراكبة للنيل ومنهم في الشطوط، وقد أظهروا كلّ ما في إمكانهم إظهاره من الملابس وآلات الذهب والفضّة والجواهر والملاهي والعزف والقصف وأحضروا من المآكل والمشارب ما اختلفوا فيه، وهي أحسن ليلة تكون وأجلّها سرورا، ويغطس أكثر الناس في النيل ويزعمون أنّ ذلك أمان من المرض ونشرة من الدّاء.

وكتب عمر إلى عمرو بن العاص: إنّ أرضك واسعة رفيعة، وقد أعطى الله أهلها جلدا وقوّة في برّ وبحر وعالجتها الفراعنة وعملوا فيها عملا محكما مع شدّة عتوّهم، فاكتب إليّ بصفة أرض مصر حتّى كأنّي أنظر إليها، والسّلام. فكتب إليه: إنّ أرض مصر تربة سوداء وشجرة خضراء بين (جبل أغبر) ورمل أعفر، وخطّها مسيرة راكب شهرا، كأنّما بين جبلها ورملها بطن أقبّ أو ظهر أخبّ، فيها نهر مبارك يسيل بالذهب على الزيادة والنقصان كمجاري الشمس والقمر تمدّه عيون الأرض وينابيعها مأمورة بذلك، حتّى إذا طفحت لججه واعلولى عبابه كانت القرى ممّا أحاط بها منه لا يوصل من بعضها إلى بعض إلّا في السفائن والمراكب، ثمّ لا يلبث إلا قليلا حتّى تنقص جريته وتستبين متون أرضه، ثمّ تنتشر فيها أمّة محصورة قد رزقوا على أرضهم جلدا وقوّة، فأثاروا سهل الأرض وروابيها، وبذروا فيها من الحبّ ما يرجون به التمام من الشرب حتّى تبدو طوالعه وتظهر قنواته يسقيه من تحته الثرى ومن فوقه الندا، فينتفي ذبابها وتدرّ حلابها، فبينا هي مدرة سوداء إذا هي لجّة زرقاء ثمّ غوطة خضراء ثمّ ديباجة رقشاء ثمّ فضّة بيضاء، فتبارك الله الفعّال لما يشاء، فالحمد لله يا أمير المؤمنين على ما أنعم به عليك منها والسّلام.

وذكر أنّ مصر مصوّرة في كتب الأوائل وسائر المدن مادّة أيديها إليها تستطعمها. وقال عمرو بن العاص: ولاية مصر تعدل الخلافة، وجعلها الله متوسّطة للدنيا، فهي من الإقليم الثالث والرابع، سالمة من حرّ الإقليم الأوّل والثاني ومن برد الإقليم السادس والسابع، فطاب هواؤها وضعف حرّها وخفّ بردها، فسلم أهلها من مشاتي الجبال ومصائف عمان وحرّ تهامة ودماميل الجزيرة وجرب اليمن وطواعين الشام وطحال البحرين وحمّى خيبر، وآمنوا من غارات الترك والعرب والديلم وآمنوا قحط الأمطار. ففي كورها طرائف وعجائب، فصعيدها (أرض حجازية) تنبت النخل والآراك والقطر والعشر، وأسفل أرضها شامي ينبت ثمار الشام من الكرم والتين واللوز والجوز وسائر الفواكه من البقول والرياحين، ويقع بها الثلج.

وأمر الرشيد فصوّرت له مدائن الدنيا، فما استحسن منها غير عمل أسيوط، فإنّ مساحته ثلاثون ألف فدّان في دست واحد، لو قطرت فيه قطرة فاضت على جميع جوانبه يبذر فيه جميع الحبوب. فلا يكون على الأرض بساط أعجب منه، من جانبه الغربي جبل أبيض على صورة الطيلسان، ويحيط به من جانبه الشرقي النيل كأنّه جدول فضّة، لا يسمع فيه الكلام من شدّة أصناف أصوات الطير. وممّا ذمّت به مصر سوى ما ذكره الجاحظ أنّ أهل مصر أعقل الناس صغارا وأحمقهم كبارا. وكان أبو دلامة دخل مصر، فلمّا رجع إلى العراق لقيه الحسن بن هاني فسأله عن صفة

مصر فقال: ثلثها كلاب وثلثها تراب وثلثها دوابّ. قال: وأين الناس؟

قال: في الثلث الأوّل. وفي بعض الروايات أنّ الدجّال يخرج من موضع يقال له قوس. والحسد في أهل مصر كثير والجهل عليهم غالب. وقال علي بن الحسن العراقي: صلّى علي بن أحمد بن أبي شيخمة العيد سنة اثنتين وثلاثمائة بجامع عمرو، ولم يكن يصلّي فيه العيد قبل ذلك، فخطب خطبة العيد في فتر نظرا، فكان ممّا قال (أو حدّثوا عنه): اتّقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلّا وأنتم مشركون. فقال شاعرهم:

وقام في العيد لنا خاطبيحضّض النّاس على الكفر

فأمر أمير مصر بضربه، فكلّم فيه وتشفّع له حتّى تركه. وأهل مصر يشبه بعضهم بعضا في الأبدان والأخلاق، وكذلك الصقالبة يشبه بعضهم بعضا.

ومن العجائب بأرض مصر: في قرية منها يقال لها بدرسانة القرى كنيسة للروم فيها بيت يصعد إليه الناس نيفا وعشرين مرقاة، وهناك سرير عليه صبي ميّت، وتحت السرير صورة ثور عظيم من رخام وفي جوفه باطية زجاج فيها أنبوبة نحاس، (توضع فيها فتل) كتّان ويصبّ عليه يسير من الزيت ويشعل، فلا يلبث أن تمتلئ الباطية وتفيض إلى جوف الثور، فيأخذ قيّم الكنيسة ذلك الزيت فيسرج به دائما لا ينقطع نماؤه وزيادته، فإن أزيل الصبي الميّت طفئت تلك النّار ولم يفض الزيت. وقد صار إلى هذا الموضع جماعة من الناس ونظروا إليه وفرغوا الباطية، ثمّ أسر جوها بيسير من الزيت، ففاضت وبدا منها ما ذكرنا. ويذكرون أنّ المرأة إذا اتّهمت نفسها بحمل

أخذت ذلك الصبي الميّت فجعلته في حجرها، فإن كان بها حمل تحرّك جنينها في بطنها لحينه، وإلّا لم يتحرّك.

وبساحل أبي علي بقرية بوصير الكتّان مسجد يسمّى مسجد برمنت فيه حجر نابت يبض بيسير من الماء يوجد عليه، فإذا شربت منه المرأة الّتي لا تحمل أقلّ شيء حملت، لا يشكّون في ذلك. ولا ينحدر أحد في النيل من الصعيد ولا يصعد أحد من مصر إلّا أهدى لهذا المسجد ممّا يحمله من الطيّب والشمع وغير ذلك. وعلى بوصير نقب (في صخر بأعلى الجبل) يجتمع إليه في كلّ سنة في يوم بعينه منها طير كثير لا يحصى كثرة، فلا يزال الواحد بعد الواحد يدخل رأسه في ذلك النقب حتّى (تعلّق واحد منهم) ولا يمكنه إخراج رأسه، فإذا كان ذلك انصرف الطير كلّه وتفرّق. وإنّ الناس (لم يزالوا) يشاهدون ذلك.

وعلى شاطئ النيل بعمل مصر موضع يجتمع إليه (في يوم معلوم من السنة) سمك كثير يتعمّد إليه أهل ذلك الموضع فيصيدونه بأيديهم، لا يمتنع عليهم ولا ينفر منهم، حتّى إنّ الرجل ليأخذ منها الألف وأكثر، فإذا غابت الشمس من ذلك اليوم لم يقدروا منها على سمكة واحدة.

وبصفح جبل من أرض مصر كنيسة فيها عين ماء عذب، متى مسّه جنب أو حائض غار من ساعته وأنتن جميع ما قد حصل في الحوض منه حتّى يغرف ماء الحوض ويغسل ويغرف ما بقي في العين منه، فيعود يجري على عادته.

وقيل: نعم بلاد مصر، يغزى منها بدرهمين ويحجّ بدينارين، يريدون الحجّ في بحر القلزم والغزو إلى الإسكندرية.

ولمّا أهدى المقوقس إلى رسول الله ﷺ (عند كتاب رسول الله ﷺ إليه أهدى إليه) ما أهدى من الثياب والكراع والجاريتين القبطيتين، كان في هديته تلك عسل، فقال رسول الله ﷺ: من أين هذا العسل؟

قيل: من قرية مصر يقال لها بنها. فقال: اللهمّ بارك في بنها وعسلها.

فعسلها إلى يومنا هذا أحلى عسل مصر وأكثره. قيل: وصاهر إلى القبط ثلاثة من الأنبياء ﵈: إبراهيم الخليل تسرّر هاجر، ويوسف ﵇ تزوّج زليخا ابنة صاحب عين شمس، وهي الّتي نصّ الله تعالى حديثها معه، ومحمّد ﷺ تسرّر مارية القبطية.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.