تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

الشيخ القبطي

وبلغ أحمد بن طولون صاحب مصر في سنة نيّف وستّين ومائتين أنّ رجلا من الأقباط بأرض الصعيد- أعالي بلاد مصر- له ثلاثون ومائة سنة ممّن عني بالعلم من لدن حداثته والإشراف على الآراء والنّحل من مذاهب المتفلسفين وغيرهم من أهل الملل، وأنّه علّامة بالممالك والملوك وذو معرفة بهيئات الأفلاك والنجوم، (وكان نقراسا على مذاهب) اليعقوبية.

فبعث ابن طولون إليه قائدا من قوّاده فحمله في النيل مكرما، وكان الشيخ قد انفرد عن الناس في بنيان قد اتّخذه سكنا وسكن في أعلاه، وقد رأى الولد الرابع عشر من (ولد ولده).

فلمّا بلغ إلى أحمد أسكنه بعض مقاصيره ومهّد له وحمل إليه لذيذ المآكل والمشارب، فأبى الشيخ أن يتوطّأ شيئا من ذلك وأن يتغذّى إلّا بما حمل مع نفسه من كعك وسويق ونحوهما، وقال: هذه بنية قوامها ما ترون من الغذاء واللبس، فإن أنتم سمتموني النقلة عن العادة كان ذلك سبب انحلال البنية. ثمّ أحضره ابن طولون أهل الدراية وصرف همّته إليه وأخلى له نفسه أيّاما وليالي يسمع كلامه. فممّا سأله عنه بحيرة تنّيس ودمياط المتقدّم ذكرهما فقال: كان موضع البحيرة أرضا لم يكن أرض مثلها طيب تربة وزكاء رتع، وكانت جنانا متّصلة ولم تكن بمصر كورة

(تشبهها، وقيل ما يشبهها) إلّا الفيوم وحدها، وكانت أكثر فاكهة ورياحين من الأصناف الغريبة.

ومعنى الفيوم ألف يوم لأنّ أوّل من نزلها جارية من الروم اسمها ألف يوم. وكان الماء منحدرا إلى قرى موضع البحيرة صيفا وشتاء يسقون منه متى شاؤوا، وفضلة الماء تصبّ في البحر في الموضع المعروف بالأشتوم. وكان فيما بين العريش وقبرس طريق مسلوكة في اليبس، وبينها وبين قبرس اليوم مسير طويل في البحر. فلمّا مضى من ملك دقلطيانس مائتان وإحدى وثلاثون سنة، وذلك قبل استفتاح مصر بمائة سنة، طغى الماء من البحر وزاد فأغرق القرى الّتي كانت في موضع البحيرة، وآثارها كان منها في البقاع باقية قد أحاط بها الماء. (والأكوام الّتي بتنّيس الّتي يسمّونها بأبي الكوم) إنّما هي قبور أهل تلك القرى، وهي تلال منضدة بالناس من صغير وكبير وذكر وأنثى كالجبال.

قال: وعند هذه الزيادة الّتي ذكرتها من طغيان البحر علا الماء على القنطرة الّتي كانت بين الأندلس (وبين الموضع الّذي يسمّى الخضراء، وهو قريب من فاس المغرب وطنجة، وهي قنطرة فاس، وهي قنطرة مبنيّة

بالحجارة) تمرّ عليها الإبل والدوابّ من ساحل المغرب إلى الأندلس، (وما البحر تحت تلك القنطرة) خلجان، وكان طولها نحو اثني عشر ميلا في عرض واسع وسموّ بيّن، وربّما بدت هذه القنطرة لأهل المراكب تحت الماء فعرفوها.

وسئل عن ممالك الأحابيش الّتي على النيل فقال: لقد لقيت منهم ستّين ملكا كلّ ملك منهم ينازع من يليه. قال: ولاستحكام الناريّة في بلادهم تغيّرت الفضّة ذهبا لحرارة الشمس ويبسها، وقد يطبخ الذهب المغربي بالملح والزاج والطوب فيرجع فضّة خالصة بيضاء. وسئل عن منتهى النيل في أعلاه فقال: البحيرة الّتي لا يدرك قعرها وطولها (وعرضها و) هي تحت الموضع المسمّى بالفلك المستقيم من الأفلاك، وهي الأرض الّتي اللّيل والنهار فيها متساويان (الدهر كلّه).

وسئل عن الأهرام فقال: إنّها قبور الملوك. كان الملك إذا مات وضع في حوض من حجارة، ثمّ يطبق عليه ويبنى له هرم على قدر ما يريدون ويوضع الحوض في وسط الهرم، ويضعون باب الهرم تحت الحوض، ثمّ يحفر له طريق في الأرض يعقدونه أزجا. فقيل له: كيف بنيت هذه الأهرام المملّسة وكيف كانوا يصعدون إليها وعلى أيّ شيء كانوا يحملون

هذه الحجارة الّتي لا يقدر أهل زماننا أن يزحزحوا منها حجرا؟ فقال:

كانوا يبنون الهرم مدرّجا ذا مراق، فإذا فرغوا منه نحتوه، ومع هذا كان لهم صبر وجلد ليس لمن بعدهم. قيل له: فما بال هذا القلم الّذي على الأهرام والبرابي لا يفهم؟ فقال: تداول أهل مصر الأمم بعد الأمم فدرست كتابتهم الأولى. قيل: فمن كان أوّل من سكن مصر؟ قال: مصر بن بيصر وبه سمّيت، وهو ابن حام بن نوح.

وناظر هذا الشيخ القبطي (بحضرة أحمد) بن طولون جماعة من أهل الديانات والنحل، فممّا قال لليهود: أنتم تزعمون أنّ الله خلق آدم على صورته وأنّ الباري تعالى أبيض الرأس واللحية وأنّ الله تعالى قال: أنا النار المحرقة والحمّى الآكلة، وفي توراتكم أنّ بنات لوط سقينه الخمر حتّى سكر وزنى بهنّ وحملن منه وولدن، وأنّ موسى ردّ على الله الرسالة مرّتين حتّى اشتدّ غضب الله، وأنّ هارون صنع العجل الّذي عبده بنو إسرائيل، وتقولون في يوم عيد الكفور، وهو لعشر خلون من تشرين الأوّل، إنّ الربّ الصغير- ويسمّونه ميططرون - يقوم في هذا اليوم ويقول: ويلي إذا خربت بيتي وأيتمت بنتي، وينتف شعره، تعالى الله عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا.

وأقام هذا القبطي عند ابن طولون نحو سنة، فأجازه وأعطاه، فأبى قبول شيء من ذلك، وردّه إلى بلده مكرما.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.