من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
اللهون والفيوم
وحجر اللهون بالفيوم من عجائب الدنيا، واللهون قرية من قرى الفيوم، وهذا الحجر شاذروان بين قبّتين مدرّج على ستّين درجة فيه فوّارات للماء، يدخل الماء منها إلى الفيوم بوزن بقدر ما يكفيها، وهو من أحكم البناء بالهندسة عمل وبالفلسفة أتقن وفي السعود نصب. وذكر كثير من الناس أنّ يوسف عمله بالوحي ولم تزل الملوك من الأمم تقصد هذا الموضع وتتأمّله لما قد نمى من أخباره وصار في الخليقة من عجيب إتقانه.
وهو من البناء الّذي يبقى على عابر الزمان ولا يتغيّر، ويقال إنّه عمل من ثلاثة أشياء: الفضّة والنحاس والزجاج. وفي أعلى الحجر بناء متقن، وفي الضفّة الغربية منه مسجد يقال له مسجد يوسف، وقد ذكرنا شيئا من أمره عند ذكر النيل.
وليس على الأرض مثل أربع كور مصر ولا تحت السّماء لهنّ نظير: كورة الفيوم وهي أفضلها وكورة أتريب وكورة سمنّود وكورة صا. والفيوم فيها
ثلاثمائة قرية وستّون قرية على عدد أيّام السنة لا تقصر أبدا عن الريّ للحكمة في شربها. فإذا نقص النيل سنة من السنين مارت كلّ قرية منها مصر يوما، ولو ناسبوا أنهار الفيوم بأنهار البصرة ودمشق لكانت أنهار الفيوم أفضل وأكثر. ولقد رام جماعة من أهل العقل والفضل والمعرفة إحصاء مرافقها وغلّتها وخيرها وفوائدها، فأعجزهم ذلك (ولم يدركوه). وأنزل يوسف الفيوم من كلّ كورة من كور مصر أهل بيت، فكانت قرى الفيوم على عدد كور مصر، وصيّر لكلّ قرية من الماء ما يروي أرضها من غير زيادة ولا نقصان، وصيّر لكل قرية شربا في زمان، لا ينالهم الماء إلّا فيه، [وصيّر] مطأطئا لمرتفع ومرتفعا لمطاطئ، ولا بعض يأخذ دون حقّه ولا يزداد فوق قدره. وإنّما فعل ذلك لفرعون حين أراد اختبار علمه على ما قدمنا عند ذكره. وكانت الفيوم قبل ذلك مغايص ماء النيل، وأمره فرعون (بعمارة غامرها) وإحياء مواتها لبنته، فلمّا أظهر من الحكمة الوحية العجيبة في ذلك ما أظهر ونظر إليه فرعون قال: هذا من ملكوت السّماء. وكانت أوّل قرية عمّرها بالفيوم قرية يقال لها شانة، وهي القرية الّتي كانت تنزلها ابنة فرعون. ومن ذلك الوقت حدثت الهندسة ولم يكن الناس يعرفونها قبل ذلك.
وقد ذكرنا لم سمّيت الفيوم، وقال عبد الملك بن حبيب (غير ذلك.
قال): إنّما سمّيت الفيوم لأنّها تؤدّي منها إلى السلطان كلّ يوم ألف دينار. وخليج الفيوم يسقي أعلاها ووسطها وأسفلها بماء واحد، ولا يعدم بها التمر الرطب شتاء ولا صيفا. وإذا كان يوم سدّ حجر اللهون أتى أمير الناحية وعدول الناس وأهل الهندسة يشهدون سدّه، (فلم يكن
لمن) يدّعي نقصا من الماء عذر. ويحضر ذلك أمير الفيوم (بالبنود والطبول) ويكتب بالبشارات إلى مصر.
ويزرع أهل الفيوم في العام مرّتين، وذلك إذا حمل النيل أوّلا وهي تشرب من ذراع اثنتي عشرة، وليس من أرض مصر موضع يشرب من هذا الذراع غير الفيوم، لأنّ سائر أرض مصر إنّما تشرب من ستّ عشرة، وإذا زاد الماء على اثنتي عشرة قطع أهل الفيوم جريانه فسدّ لهم هناك عند موضع يعرف بالشجرة، وهي شجرة جمّيز عظيمة، فيزدرعون والماء باق في سائر الأرض. فيكون الحصاد عند أهل الفيوم وجميع من على أرض النيل لم يتمّ حرثه، فإذا كان أوّل حصاد أهل مصر كان ذلك أوّل السقية الثانية لأهل الفيوم، وحينئذ يسدّ حجر اللهون ويزدرعون في السقية الثانية القمح والشعير والأرزّ.
والفيوم وسط بلاد مصر ومصر وسط البلاد ولا يؤتى إليها»
من ناحية من النواحي إلّا من صحراء أو مفازة. وذكر ابن عفير وغيره أنّ عمرو بن العاص (لمّا فتح مصر أقام المسلمون بعد ذلك سنة لم يعلموا بالفيوم ولا مكانها حتّى بعث عمرو بن العاص) قيس بن الحارث إلى الصعيد، فسار حتّى أتى القيسيين فنزل بها وبه سمّيت، وأبطأ على عمرو خبره، فقال ربيعة بن حبيش: أكفيك. فركب فرسا له أنثى، فجاز عليها النيل من
ناحية الشرقية ومشى حتّى انتهى إلى الفيوم، ثمّ أتى عمرا بخبرها وخبر قيس. ويقال إنّ عمرا بعث جرائد خيل إلى ما حول مصر، فأخبرهم رجل بأمر الفيوم، فسار معه في جريدة من الخيل عمرو بن ربيعة بن حبيش بن عرفظة الصدفي. فلمّا سلكوا في المجابة لم يروا شيئا وهمّوا بالانصراف، فلم يسيروا إلّا قليلا حتّى طلع لهم سواد الفيوم.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع