تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

مدينة جلولا

ومن مدينة القيروان إلى مدينة جلولا أربعة وعشرون ميلا. وبجلولا آثار وأبراج قائمة للأوّل وآبار عذبة وخرائب وجد فيها بعض الرعاة تاج ذهب بجوهرة، فأخذه منه ابن الأندلسي. وبقرب جلولا منتزه يعرف بسردانية ليس بإفريقية موضع أجمل منه، فيه ثمار عظيمة وفيه من النارنج خاصّة نحو ألف أصل. وجلولا مدينة لها حصن وهي مدينة أوّلية قديمة مبنية بالصخر وفيها عين ثرّة في وسطها، وهي كثيرة الأشجار والثمار وأكثر رياحينها الياسمين، وبطيب عسلها يضرب المثل لكثرة ياسمينها

وجرس نحلها له، وبها يربّب أهل القيروان السمسم بالياسمين للنزبق وبالورد والبنفسج، وبها قصب السكر كثير، ومنها كان يرد إلى القيروان (كلّ يوم) من أحمال الفواكه والبقول ما لا يحصى كثرة. وحولها (الجنات وقبائل) ضريسة في القرارات.

وفتح مدينة جلولا كان على يدي عبد الملك بن مروان، وذلك أنّه كان في جيش معاوية بن حديج التجيي، فبعثه إلى مدينة جلولا في ألف رجل، فحاصرها أيّاما فلم يصنع شيئا، فانصرف راجعا فلم يسر إلّا يسيرا حتّى رأى في ساقة الناس غبارا شديدا فظنّ أنّ العدوّ يتبعهم، فكّر جماعة من الناس لذلك وبقي من بقي على مصافّهم، فإذا مدينة جلولا قد تساقط من سورها حائط، فدخلها المسلمون، وغنموا ما فيها، فانصرف عبد الملك إلى معاوية بن حديج. فاختلف الناس في الغنيمة فكتب (في ذلك) إلى معاوية فراجع يقول إنّ العسكر ردة للسرية فقسّم الفيء بينهم، فأصاب كلّ رجل منهم لنفسه مائتي درهم وللفرس سهمان. قال عبد الملك: فأخذت لنفسي ولفرسي ستّمائة درهم واشتريت بها جارية.

ويقال: بل نازلها معاوية بن حديج، فكان يقاتلهم على باب المدينة صدر النهار، فإذا مال الفيء انصرف فقاتلهم يوما، فلمّا انصرف نسي عبد الملك قوسه معلّقة بشجرة فانصرف إليها، فإذا جانب من المدينة قد انهدم، فصاح

في أثر الناس فرجعوا فقد رأوا غبرة شديدة فظنّوا أنّ العدوّ قد ضرب في ساقتهم فغنموها.

قالوا: فلمّا كان من عبد الملك بن مروان ما كان ومنازعته لمعاوية بن حديج على فيئها ثقل على معاوية بن حديج، فكان يتجهّمه ولا يقبل عليه، فرأى حنش الصنعاني عبد الملك بن مروان وهو متفكّر متغيّر اللون فقال له:

ما شأنك؟ فقال: إنّي أبعد قريش مجلسا من الأمير. فقال له حنش: لا تغتمّ فوالله لتلينّ الخلافة (بعد هذا) وليصيرنّ هذا الأمر إليك. فلمّا أفضت الخلافة إلى عبد الملك وبعث الحجّاج لقتال عبد الله بن الزبير ﵀ أخذ حنشا الصنعاني أسيرا فبعث به إلى عبد الملك، فقال له عبد الملك: ألست الّذي بشّرني بالخلافة؟ قال: بلى. قال: فلم ملت عنّي إلى ابن الزبير؟ قال: رأيته يريد الله ورأيتك تريد الدنيا فملت إليه، فعفا عنه وأطلقه.

ومن الغرائب ببلاد إفريقية ببلاد كتامة منها

قال أبو جعفر أحمد بن محمّد بن أبي خالد المتطبّب وقد ذكر الماء الّذي يجري في الأشهر الحرم خاصّة: إنّ عندنا بالمغرب (ببلاد كتامة) عين الأوقات معلومة، إنّما يجري ماؤها في اليوم والليلة خمس مرّات في

أوقات الصلوات الخمس وينقطع ما بين ذلك، وقد ذكرنا موضع هذه العين عند ذكر المراسي بعد هذا. وقد حدّث جماعة ممّن قصد إليها ورءاها ووقف عليها بمثل ذلك.

وببلاد كتامة حجر اللازورد الجيّد ومعادن النحاس والحديد. وكانت بكنيسة شقبنارية في سلطان الروم أعجوبة مرآة كانت إذا اتّهم الرجل امرأته فنظر في تلك المرآة يرى وجه المبتلى بها. وكانت البربر قد تنصّرت فكان منهم بربري قد أظهر اجتهادا في النصرانية حتّى صار شمّاسا واتّهم رجل من الروم امرأته، فنظر في المرآة فإذا بوجه البربري الشمّاس، فدعا به الملك فقطع أنفه ومثل به وطرده من الكنيسة، فطرق قومه المرآة فكسّروها، فأرسل الملك إلى حيّهم فاستباحه.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.