من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر مدينة القيروان
ومدينة القيروان في بساط من الأرض مديد، في الجوف منها بحر تونس وفي الشرق بحر سوسة والمهدية وفي القبلة بحر سفاقس وقابس وأقربها منها البحر الشرقي، بينها وبينه مسيرة يوم (وبينها وبين الجبل مسيرة يوم) وبينها وبين سواد الزيتون المعروف بالساحل مسيرة يوم، وشرقيّها سبخة (ملح عظيم طيّب نظيف) وسائر جوانبها أرضون طيّبة كريمة، وأحسنها الجانب الغربي وهو المعروف يفحص الدّرارة يصاب فيه في السنة الخصبة للحبّة مائة، وهواء هذا الجانب طيّب صحيح. وكان زياد بن خلفون المتطبّب إذا خرج من القيروان يريد مدينة الرقّادة وحاذى باب أصرم رفع العمامة عن رأسه يباشر الهواء برأسه كالمتداوي به لصحّته. وللقيروان من القديم سبعة محارس أربعة خارجها وثلاثة داخلها.
وكان للقيروان في القديم سور طوب سعته عشر أذرع بناه محمّد بن الأشعث بن عقبة الخزاعي سنة أربع وأربعين ومائة، وهو أوّل قائد دخل إفريقية للمسودّة. وكان في قبليّه باب سوى الأربعة وهو بين القبلة والمغرب، وبين القبلة والمشرق باب أبي الربيع، وفي شرقيّه باب عبد الله وباب نافع، وفي جوفيّه باب تونس، وفي غربيّه باب أصرم وباب سلم. فهدم هذا السور زيادة الله بن إبراهيم المعروف بالكبير (سنة تسع ومائتين لمّا قام عليه أهل القيروان مع المنصور المعروف بالطنبدي). فلمّا انهزم عن القيروان يوم الأربعاء للنصف من جمادي الأولى من هذه السنة وخرج أهل القيروان إلى زيادة الله فرغبوا في العفو عنهم والصفح هدم سور القيروان عقوبة لهم. ثمّ بناه المعزّ بن باديس بن منصور الصنهاجي سنة أربع وأربعين وأربعمائة، ومبلغ تكسيره اثنان وعشرون ألف ذراع، وجعل السور ممّا يلي صبرة كالفصيل، حائطان متّصلان إلى مدينة صبرة وبينهما نحو نصف ميل. ولا سبيل لتاجر ولا وارد أن يدخل مدينة القيروان ما يجب عليه فيه المكس إلّا بعد جوازه على مدينة صبرة. وللمدينة اليوم أربعة عشر بابا منها المذكورة وباب النخل والباب الحديث، وللفصيل بابان وباب الطراز (والباب الحديث) وباب القلّالين وباب أبي الربيع وباب سحنون الفقيه.
ومدينة صبرة متّصلة بالقيروان، بناها إسماعيل سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة واستوطنها وسمّاها المنصورية، وهي منزل الولاة إلى حين خرابها، ونقل إليها
معد بن إسماعيل أسواق القيروان كلّها وجميع الصناعات، ولها خمسة أبواب: الباب القبلي والباب الشرقي وباب زويلة وباب كتامة- وهو جوفي- وباب الفتوح ومنه كان يخرج بالجيوش. ويذكر أنّه كان يدخل واحد أبوابها كلّ يوم ستّة وعشرون ألف درهم. وكان سماط سوق القيروان قبل نقله إلى المنصورية متّصلا من القبلة إلى الجوف، وطوله من باب أبي الربيع إلى الجامع ميلان غير ثلث ومن الجامع إلى باب تونس ثلثا ميل، وكان سطحا متّصلا فيه جميع المتاجر والصناعات، وكان أمر بترتيبه هكذا هشام بن عبد الملك.
وخارج مدينة القيروان خمسة عشر ماجلا للماء سقايات لأهلها من بنيان هشام بن عبد الملك وغيره، أعظمها شأنا وأفخمها منصبّا ماجل أبي إبراهيم أحمد بن محمّد بن الأغلب بباب تونس، وهو مستدير متناهي الكبر في وسطه صومعة مثمّنة في أعلاها قصبة لرقبة مفتّحة على أربعة أبواب (على أحد عشر رجلا لا خلل بينهم كيلا يصل مخط، فإذا امتلأ الماجل كان دلكا، وسطح هذه القصبة نحو ذراعين، كان ابن الأغلب يدخل إلى هذه القبّة في مركب يسمّى بالزلّاج. ويتّصل بهذا الماجل في قبليّه أقباء طويلة معقودة آزاجا على آزاج. وكان زيادة الله قد بنى على غربيّ هذا الماجل (قصرا، وبجوفيّ هذا الماجل ماجل لطيف متّصل به يسمّى الفسقية) يقع فيه ماء الوادي، إذا جرى (على جنبتين كبيرتين) تنكسر فيه شدّة جريان الماء، ثمّ يدخل منه إلى الماجل الكبير
إذا ارتفع الماء في الفسقية قدر قامتين على باب بين الماجلين يسمّى السرح، وهذا الماجل عجيب الشأن غريب البنيان. وكان عبيد الله يقول: رأيت بإفريقية شيئين لم أر مثلهما بالشرق: الحفير الّذي بباب تونس يعني الماجل والقصر الّذي بمدينة رقّادة المعروف بقصر البحر. وفي القيروان ثمانية وأربعون حمّاما. وأحصي ما ذبح بالقيروان في بعض أيام عاشورا من البقر خاصّة فانتهى تسعمائة وخمسين رأسا. ومن عجائب القيروان أنّهم يحتطبون الدهر من زيتونها ليس لهم محتطب غيره، وإنّ ذلك لا يؤثّر في زيتونها ولا ينقص منه.
وسنة اثنتين وخمسين سبيت القيروان وأخليت ولم يبق فيها إلّا ضعفاء أهلها.
والقفيز بالقيروان وأعمالها ثماني ويبات والويبة أربعة أثمان والثمنة ستّة أمداد بمدّ أوفى من مدّ النبي ﷺ، ومقدار تلك الزيادة في القفيز كلّه اثنا عشر مدّا، فصار (القفيز القروي) مائتي مدّ وأربعة أمداد بمدّ النبي ﷺ، وذلك بكيل قرطبة خمسة أقفزة غير ستّة أمداد. ورطل اللحم والتين وسائر المأكولات عشرة أرطال فلفلية، وقفيز الزيت عندهم ثلاثة أرطال فلفلية (والمطر عندهم كيل يسع خمسة أقفزة من زيت).
ذكر مدينة رقّادة
وهي من القيروان على أربعة أميال، ودورها أربعة وعشرون ألف ذراع (وأربعون ذراعا)، وأكثرها بساتين وليس بإفريقية أعدل هواء ولا أرقّ نسيما ولا أطيب تربة من مدينة رقّادة، ويذكر أنّ من دخلها لم يزل ضاحكا مستبشرا من غير سبب. وذكروا أنّ أحد بني الأغلب أرق وشرد عنه النوم أيّاما، فعالجه إسحاق الّذي ينسب إليه اطريقل إسحاق فلم ينم، فأمر بالخروج والمشي، فلمّا وصل إلى موضع رقّادة نام، فسمّيت من يومئذ رقّادة واتّخذت دارا ومسكنا وموضع فرجة للملوك.
والّذي بنى مدينة رقّادة واتّخذها دارا ووطنا إبراهيم بن أحمد وانتقل إليها من مدينة القصر القديم وبنى بها قصورا عجيبة وجامعا، وعمرت بالأسواق والحمّامات والفنادق ولم تزل بعد ذلك دار ملك لبني الأغلب إلى أن هرب عنها زيادة الله من أبي عبد الله الشيعي. وسكنها عبيد الله إلى أن انتقل إلى المهدية سنة ثمان وثلاثمائة. وكان ابتداء تأسيس إبراهيم لها سنة ثلاث وستّين ومائتين. فلمّا انتقل عنها عبيد الله إلى المهدية دخلها الوهن وانتقل عنها ساكنوها، ولم تزل تخرب شيئا بعد شيء إلى أن ولي معدّ بن إسماعيل، فخرب ما بقي منها وعفا أثرها وحرث منازلها ولم يبق منها غير بساتينها.
ولمّا بناها إبراهيم بن أحمد وجعلها داره منع بيع النبيذ بمدينة القيروان وأباحه بمدينة رقّادة. فقال بعض ظرفاء أهل القيروان:
يا سيّد الناس وابن سيّدهمومن إليه الرقاب منقادة
ما حرّم الشرب في مدينتناوهو حلال بأرض رقّادة
قال محمّد بن يوسف: إنّما سمّيت بهذا الاسم لأنّ أبا الخطّاب عبد الأعلى بن السمح المعافري القائم بدعوة الإباضية بأطرابلس لمّا نهض إلى القيروان لقتال ورفجومة- وكانوا قد تغلّبوا عليها مع عاصم بن جميل- التقى بهم بموضع رقّادة وهي إذ ذاك منية، فقتلهم هناك قتلا ذريعا فسمّيت رقّادة لرقاد جثثهم بعضها فوق بعض.
فأمّا مدينة القصر القديم فإنّ الّذي أسّسها إبراهيم بن الأغلب بن سالم سنة أربع وثمانين ومائة، وصارت دار أمراء بني الأغلب، وهي بقبلي مدينة القيروان وعلى ثلاثة أميال منها، بها جامع له صومعة مستديرة مبنية بالآجر والعمد سبع طبقات لم يبن أحكم منها ولا أحسن منظرا، وحمّامات كثيرة وفنادق وأسواق جمّة ومواجل للماء. وإذا قحطت القيروان وفقد الماء في مواجلها نقلوا الماء من مدينة القصر. وكان لها من الأبواب باب الرحمة قبلي وباب الحديد قبلي وباب غلبون شرقي وباب الريح شرقي وباب السعادة غربي يقابل المقبرة الكبيرة. وداخل المدينة رحبة كبيرة واسعة تعرف بالميدان. (ويجاور مدينة القصر بنية) تعرف بالرصافة. ولمّا أتى إبراهيم مدينة القصر وانتقل إليها خرب دار الإمارة الّتي كانت بالقيروان بقبلي الجامع منذ فتحت.
وإذا خرج المتوجّه إلى مصر من القيروان على باب الطراز تلقّى مدينة القيروان يسرة ويسلك بين مدينة رقّادة ومدينة القصر، فأوّل ما يلقى وادي السراويل شتوي، ثمّ المنية المعروفة وهي كبيرة آهلة، ثمّ قرية زرور وهي كثيرة البقول لاسيما الجزر وأهلها قوم يضرب بهم المثل في سوء الحال بإفريقية، ويقال مشايخ زرور شهد منهم سبعة على قبضة اسفنارية، فقال الحاكم للطالب: زد بيّنة. ثمّ وادي الطرفا كبير شتوي إذا حمل أهلك ما حوله من القرى والمنازل، وسعته إذا حمل أزيد من ثلاثة أميال. ثمّ مدينة قلشانة ومن القيروان إليها اثنا عشر ميلا، كبيرة آهلة بها جامع وحمّام ونحو عشرين فندقا، وهي كثيرة البساتين وشجر التين، وأكثر تين القيروان الأخضر منها.
وأبواب الدور بمدينة قلشانة قصار ليس تدخلها الدوابّ، فعلوا ذلك خوفا من نزول العمّال والجباة.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع