من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
الطريق من سفاقس إلى المهدية
من سفاقس إلى لجم وهو حصن الكاهنة وهو طرف سوق الحسيني، وفي هذا السوق قرية كبيرة آهلة تعرف بأرزلس بها جامع وحمّام وأسواق وهي من قرى الساحل، ومن لجم إلى مدينة المهدية.
ذكر إفريقية وبلادها وحدودها ولم سميّت إفريقية وذكر غرائبها
قال قوم إنّها أفريقية أي إنّها صاحبة السماء، وقال آخرون: سمّيت إفريقية لأنّ إفريقش بن أبرهة بن الرائش (غزا نحو المغرب) حتّى انتهى إلى طنجة في أرض بربر، وهو الّذي بنى إفريقية وباسمه سميّت. وقيل سميّت بأفريق بن إبراهيم ﵇ من زوجته الثانية قطورى.
وقال قوم إنّما سمّوا الأفارقة وبلدهم إفريقية لأنّهم من ولد فارق بن مصريم. وقد زعموا أنّ اسم إفريقية ليبية فسمّيت ببنت يافوه بن يونش الّذي بنى مدينة منفيش بمصر، وهي الّتي ملكت ملك إفريقية أجمع فسمّي بها.
وحدّ إفريقية طولها من برقة شرقا إلى مدينة طنجة الخضراء غربا، واسم طنجة مورطانية، وعرضها من البحر إلى الرمال الّتي هي أوّل بلاد السودان، وهي جبال رمال عظيمة متّصلة من الغرب إلى الشرق وفيه يصاد الفنك الجيّد. وروى جماعة من سحنون بن سعيد وموسى بن معاوية جميعا عن ابن وهب عن سعيد بن أبي أيّوب عن شرحبيل بن سويد عن عبد الرحمان الجبلي قال: بعث رسول الله ﷺ سرية فقفلوا فذكروا
لرسول الله ﷺ شدّة برد أصابهم، فقال رسول الله ﷺ: لكن إفريقية أشدّ بردا وأعظم أجرا.
وأسنداه أيضا عن ابن وهب عن ابن لهيعة عن بكر بن سوادة الجذامي أنّ سفيان بن الحارث حدّثهم عن أشياخهم أنّهم قالوا لمقداد بن الأسود صاحب النّبي ﷺ: إنّك ثقلت وأنت تخرج في هذه المغازي؟
فقال: خفيفا كنت أو ثقيلا لا أتخلّف عنها لأنّ الله ﵎ يقول:
أنفروا خفافا وثقالا. ثمّ قال: قدمت سرية على النبي ﷺ فذكروا البرد فقال رسول الله ﷺ: إنّ البرد الشديد والأجر العظيم لأهل إفريقية.
وروى ابن أبي العرب قال: حدّثني (فرات حدّثني) عبد الله بن أبي حسّان عن عبد الرحمان (بن زياد بن أنعم عن أبي عبد الرحمان) الجبلي قال: قال رسول الله ﷺ: ينقطع الجهاد من البلاد كلّها فلا يبقى إلّا بموضع (في المغرب) يقال له إفريقية. فبينما القوم بإزاء عدوّهم نظروا إلى الجبال قد سيّرت فيخرّون لله ﵎ سجدا، فلا ينزع عنهم أخلاقهم إلّا خدّامهم في الجنّة.
وكان عبد الرحمان بن زياد بن أنعم يقول: ينقطع الجهاد من كلّ بلد وسيعود إلى إفريقية وليضربنّ القبائل من الآفاق إلى إفريقية لعدل إمامهم ورخص أسعارهم. وروى ابن أبي العرب عن عبد الله بن عمر العمري عن ابن لهيعة
عن أبي قبيل عن عبد الله بن عمرو أنّه قال: والله ليباعنّ الجمل بمصر بعشرة دنانير، ثمّ ليباعنّ بمائة دينار لمغالاة الناس بها، وكأنّي أسمع صرير المحامل على عقبة الثنية من مصر إلى إفريقية يطلبون بها الجهاد والعدل، وليملكنّ إفريقية رجل يعدل فيهم اثنتين وعشرين أو أربعا وعشرين سنة.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع