تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

الطريق من أوجلة المتقدّمة الذكر إلى الواحات

من أوجلة إلى بلد شنترية عشر مراحل في صحراء ورمال قليلة الماء. وشنترية هذه كثيرة العيون والثمار والحصون، أهلها بربر لا عرب فيهم. وتسير من شنترية على طرق شتّى إلى أودية الواحات، ومن شنترية إلى بهنسى الواحات عشر مراحل- (وهي غير بهنسى الصعيد) - ومن بهنسى الواحات إلى أريش الواحات ثماني مراحل.

(بهنسى الواح مدينة مسوّرة فيها أسواق ومساجد). وذكر محمّد بن سعيد الأزدي رجل من أبناء مدينة سفاقس أنّه دخلها ورأى فيها في يوم عيد

النصارى- وأهلها عرب مسلمون وقبط نصارى- تابوتا فيه رجل ميّت يجعلونه على عجلة يسمّونه ابن قرمى، ويزعمون أنّه من الحوّاريّين يتطوّفون به في سكك البلد ويتبرّكون بذلك ويتقرّبون إلى الله وتجرّ تلك العجلة البقر، فإن نفرت من موضع ولم تسر فيه علموا أنّ في ذلك الموضع نجاسة.

وأريش بلد كثير العيون الجارية والثمار والنخيل مياهها كلّها حامّة. ومن أريش ثلاثة أيّام إلى الفرفرون، وبالفرفرون معادن الشبوب المريّش والقصبى وفيه أنواع الزاج وفيه العيون الحامضة وغير ذلك من المياه المختلفة الأطعمة.

والفرفرون هذا بلد كثير الأشجار والنخيل وفيه قرى كثيرة وأهلها قبط نصارى. وتسير من الفرفرون إلى ألواح الداخل أربع مراحل في صحراء لا ماء فيها ولا عمارة، وهذا الواح الداخل كثير الأنهار والعمارات والحصون، منها حصن يسمّى بالقصر، في وسطه عين ماء ثرثار تتشعّب منه أنهار تسقي زرعهم ونخلهم وثمارهم.

وتسير منه في قرى متّصلة إلى حصن يسمّى قلمون مياهه حامضة منها يشربون ويسقون، وبها قوامهم، وإن شربوا سواها من المياه العذبة استوبئوه. وآخر هذا الواح الداخل قرية كبيرة تسمّى القصبة لها مياه عذبة سائحة تسقي نخلها وثمارها، ولها ثلاث عيون ملحة يجتمع ماؤها في سباخ فيكون ملحا: ملح العين الواحدة أبيض وملح العين الثانية أحمر وملح العين الثالثة أصفر، وهذا الأصفر هو المستعمل بمصر وبرقة.

ومن هذا الواح إلى الواحين الخارجين ثلاث مراحل، وهو آخر بلاد الإسلام وبينه وبين بلاد النوبة في صحراء ستّ مراحل. وفي بعض الواحات قبائل من لواتة. وزعموا أنّ في أقصى الواحات بلد يقال له واح صبرو وأنّه بلد لا يقع عليه إلّا من قد ضلّ في الصحراء في النادر من الزمان، فالواقع عندهم يقول إنّه يكون في بلادهم ما شاء وهم في أخصب عيش، فإذا أراد الرجعة أروه صوب بلاده. وقد وقع في هذا البلد من عرب بني قرّة رجمة بن قائد القرّي ورجع إلى موضعه، ثمّ طلبه بعد ذلك فلم يقدر عليه. فأعدّ مقرب بن ماضي أمير بني قرّة بعد عشرين وأربعمائة من الهجرة زادا وماء كثيرا وظهرا وذهب في الصحراء يطلب واح صبرو وبقي يجوّل في الصحراء مدّة فلم يقدر عليها حتّى خاف نفاد الزاد، فكرّ راجعا فنزل ذات ليلة ربوة من الأرض في بهماء تلك الصحاري، فوجد بعض أصحابه في ناحية من تلك الربوة بنيانا للأوّل، فبحثوا عنه فإذا هو لبن نحاس أحمر محيط بالربوة أساس سور الأوّل، فأوقروا منه جميع ما كان عندهم من الظهر ورحلوا عنه، فلو قدروا على إصابة موضعه لم يفرغ من نقل ما فيه من النحاس إلّا في الزمان الطويل.

وأتى مقرّب (في منصرفه) الواح الخارج، فأخبره رجل من أهله أنّه غدا إلى حائطه. فوجد أكثر تمره قد أكل ووجد أثر قدم إنسان لا يشبه هذا الخلق في العظم، فاحترسه هو وأهله ليالي حتّى طرقهم في بعض الليالي خلق عظيم لم يعهد مثله، وجعل يأكل التمر. فلمّا أهمّوا به وأحسّ بهم بارى الريح حضرا ولم يعلموا له أمرا، فنهض معهم مقرب إلى الأثر حتّى وقف عليه،

فاستعظمه وأمرهم أن يحفروا زبية في الموضع الّذي كان يدخل منه ويغطّوا أعلاه بالحشيش ويرقّبوه ليالي (تباعا، ففعلوا). فلمّا كان بعد ليال أقبل على عادته فتردّى في الزبية فبدروا فغلبوه بكثرتهم وترديه، فإذا هي امرأة سوداء عظيمة الخلق مفرطة الطول والعرض لا يفقه منها كلمة.

فكلّموها بكلّ لسان علم هناك فلم تجاوب منهم أحدا، فبقيت عندهم أيّاما يأتمرون في أمرها، ثمّ اتّفقوا على إرسالها وركوب الخيل والنجب في أثرها إلى أن يقفوا منها ومن موضعها على حقيقة خبر. فلمّا أرسلت لم يكن طرف العين يلحقها وفاتت شأو النجب والخيل ولم يقف أحد من أمرها على حقيقة.

ويذكرون أنّ هناك رمالا عظيمة تعرف بالجزائر كثيرة النخل والعيون لا عمران فيها ولا أنيس بها وأنّ عزيف الجنّ يسمع بها الدهر كلّه. وربّما أقام بها غزاة السودان ولصوصهم لانتهاز الفرصة في المسلمين، ويتكادس التمر هناك أعواما لا يقع عليه أحد ولا يبلغ إليه حتّى ينتجعه الناس في السنين الجدبة وعند الحاجة والضرورة.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.