من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر منارة الإسكندرية
فأمّا المنارة فذهب كثير (من الناس) أنّ الإسكندر بناها على حسب ما ذكرنا في المدينة، ومنهم من رأى أنّ دلوكة الملكة بنتها، وقال بعضهم إنّ العاشر من فراعنة مصر بناها، وقيل إنّ الّذي (بناها هو الّذي بنى مدينة رومة). وبنى الإسكندرية والأهرام بمصر، وإنّما أضيفت الإسكندرية إلى الإسكندر (لشدّة استيلائه) على ممالك العالم. وإنّ الإسكندر لم يطرقه (في البحر عدوّ ولا هاب) ملكا يرد إليه فيكون يجعل مرقبا.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: كان أوّل من ملك الإسكندرية فرعون اتّخذها مصانع ومجالس، وهو أوّل من عمّرها، ثمّ تداولها الملوك (بعد فرعون) (فبنت دلوكة بنت زبّان منارها، ثمّ تداولها الملوك). فلمّا كان سليمان ﷺ اتّخذها مجلسا وبنى فيها مسجدا.
ثمّ إنّ ذا القرنين هدم ما كان (فيها من بناء الملوك) إلّا بناء سليمان، فإنّه أصلح ما كان رثّ فيه وأقرّ المنارة على حالها وبنى الإسكندرية من أوّلها (هذا البناء). ثمّ تداولها ملوك الروم وغيرهم، فكلّ ملك أبقى فيها أثرا.
فيقال إنّ فيلبس بن الإسكندر المقدوني المعروف بالبنّاء هو الّذي بنى الإسكندرية، (وهو الّذي كان معلّمه أرسطاطاليس)، وبين بناء الإسكندرية وبين الهجرة (تسعمائة سنة وخمس وأربعون سنة واحد وأربعون يوما).
وقد ذكرنا في أخبار ملوك مصر أنّ أوّل من بناها (جيرون بأمر حوريا على ما سقناه من أمرها، ومنهم من رأى أنّ أوّل من بناها) قلوبطرة، وهي الّتي ساقت خليجها حتّى أدخلته الإسكندرية وهي الّتي بلطت قاعته.
وإنّ الّذي بنى المنارة جعلها على كرسي من زجاج (على هيئة) السّرطان في جوف البحر على طرف اللسان الّذي هو داخل في البحر من البرّ، وجعل طولها في الهواء ألف ذراع، وجعل فيها المرآة وتماثيل النحاس، (فمنها تمثال) قد أشار بسبّابة يده اليمنى نحو الشمس حيثما كانت من مغرب أو مشرق أو أفق، وتمثال يشير بيده (إلى البحر) إذا صار (العدوّ فيه) على نحو ليلة، فإذا دنا وأمكن أن يرى بالبصر سمع له صوت هائل على ميلين أو ثلاثة، وتمثال كلّما مضى من الليل والنهار ساعة سمع له صوت مطرب بخلاف الصوت الّذي كان منه في الساعة قبل.
وهذه المنارة من دخلها تلف فيها إلّا أن يكون عالما بها لكثرة بيوتها وحجراتها وطبقاتها. وذكر أنّ المغاربة حين وافوا في خلافة المقتدر في جيش صاحب المغرب دخل جماعة منهم على خيولم المنارة فتلفوا فيها، وفيها طرق تؤول إلى مهاو إلى سرطان الزجاج ومخاريق إلى البحر، فتهوّروا بدوابّهم وفقد منهم عدد كبير.
وفيها مسجد في هذا الوقت يرابط فيه المطوّعة. وكان حول المنارة مغاوص تستخرج منها أنواع جوهر يتّخذ منه فصوص الخواتم منها الاسباذجشم والكركهن والباقلمون، وهذا الباقلمون، حجر يتلوّن في المنظر ألوانا مختلفة كتلّون ريش الطاووس الهندية، فإنّها تتلوّن ألوانا لا تحصى ولا تشبه بلون من الألوان لما يترادف من تموّج الألوان في ريشها.
ولتلك الطواويس شأن عجيب وخلق عظيم، وما خرج منها من أرض الهند صغر جسمه وكدر لونه كما يفعل ما نقل منها من النارنج والأترجّ، فإنّها تصغر وتعدم تلك الأرواح العطرية لعدم ذلك الهواء والتربة. فمن الناس من رأى أنّ الإسكندر غرق هذه الأنواع من الجواهر حول المنارة لكي لا تخلو من الناس لأنّ من شأن الجواهر أن تكون مطلوبة على الأعصار.
وقيل إنّها كانت آلات شراب الإسكندر، فلمّا مات كسرتها أمّة ورمت بها في تلك المواضع.
وقد كان ملك الروم في خلافة الوليد (بن عبد الملك) أنفذ خادما من خواصّ خدمه ذا دهاء ورأي ووطأة على ما يذكره. فجاء مستأمنا إلى بعض الثغور فحمل إلى الوليد، فأعلمه أنّه كان من خواصّ الملك وأنّه أراد قتله لموجدة لم يكن لها أصل، وأنّه رغب في الإسلام فأسلم. وأظهر له النصح للوليد في دفائن استخرجها له من بلاد دمشق وغيرها من الشام (بكتب كانت له). فلمّا صارت إلى الوليد تلك الأموال والجواهر شرهت نفسه واستمكن طمعه وباحث عمّا عنده من علم هذا، فقال: إنّ الإسكندر لمّا استولى على الأموال والجواهر التي كانت لشدّاد بن عاد وملوك العرب وغيرهم بنى لها الآزاج والسّراديب والأقباء وأودعها تلك الذخائر من الأموال والجواهر، ثمّ بنى فوق تلك المنارة. فبعث معه الوليد بأناس من خواصّه وثقاته، فهدم نصف المنارة وأزيلت المرآة. فضجّ الناس من أهل الإسكندرية وغيرها وعلموا أنّها مكيدة وحيلة. فلمّا استفاض ذلك هرب في الليل في مركب قد كان أعدّ له، فبقيت المنارة على ما ذكرنا إلى هذا الوقت.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع