من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
الطريق من الفسطاط الى الإسكندرية
تخرج من الفسطاط فتعبر النيل (الى الجزيرة) الى الجيزة، وهي الضفة الغربية من النيل، وبقرب الفسطاط على رأس ميل منها قرية (يقال لها) وسيم. وعن بكر بن سوادة عن أبي عطية عن عبيد بن رفيع قال:
قال لي عمر بن الخطاب رضه: يا مصري أين وسيم (من قراكم؟) قال: فقلت: على رأس ميل يا أمير المؤمنين، قال: ليأتينكم أهل الأندلس حتى يقاتلوكم بها. فلما قام الوليد بن عابرة الأندلسي ببرقة وحشد الناس وغزا مصر سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة نزل يحاصر مصر من قرية وسيم، وهي على ثلاثة فراسخ من مصر. ثم تسير من الجيزة الى ذات الكرم الى ترنوط ويحدو الجمالون، فيقولون: من ترنوط الى ذات الساحل مرحلة أعيت على المراحل. وتسير من ترنوط الى تروجى - قال الحكيم تورح- ثم الى مدينة الاسكندرية.
وطريق أخرى تركب السفن من الفسطاط الى محلّة المحروم ثم الى مدينة رشيد، وهي مدينة على كثيب رمل عظيم متهيل، اذا هبت الريح الغربية وهي تشتد عندهم ملأت عليهم منه بيوتهم ولا يقدرون على التصرف في أسواقهم. ومن أعجب متنزهات الدنيا ضفتا النيل من مصر الى مدينة رشيد ولا غلة لثمار الأرض كغلات هذه الناحية. أخبرني غير واحد أن ضيعة كانت لرجل بقرية منها (تعرف بذيبة)، وهو رجل من أهل
مصر يعرف بابن داود، يغلّ رمانها وموزها في العام خمسة عشر الف مثقال، وأشجار رمانهم تطعم من سنتها وتزداد نماء وفائدة الى العام الرابع، ثم تذوي وتيبس، وهناك كانت ضيعة الليث بن سعد ﵀.
قال قتيبة بن سعيد: سمعت الليث بن سعد يقول: يدخل علّي (في كلّ سنة) خمسون ألف دينار (ما وجبت عليّ زكاة قطّ). وكان أجود الناس لا يبقي شيئا يزكّيه. وتسير من مدينة رشيد إلى مصبّ النيل في البحر، وهو موضع مخوف على السفن لأنّ أمواج البحر تعظم هناك مع قوّة جريان النيل، فيثير ذلك أكوام رمال تحت الماء، فربّما حمل شدّة جريان الماء السفن إلى تلك الرمال فهلكت، ثمّ تسير السفن من هذا الموضع في البحر مسيرة يوم أو أقلّ إلى الإسكندرية.
(فأمّا الطريق من مدينة رشيد إلى الإسكندرية) على البرّ تسير منها نحو ثلاثة أميال إلى الغرب في رمال، ثمّ تفضي إلى فوهة بحيرة قد دخلت في البرّ أميالا كثيرة فتخوض الدوابّ الماء حتّى تقطع تلك البحيرة نحو نصف ميل بعلامات قد وضعت في البحيرة، فإذا حادت دابّة عن تلك العلامات سقطت في بحر بعيد القعر فهلكت وهلك ما عليها من المتاع أو فسد إلّا إن تدورك وخلص. ويسمّى ذلك الموضع الأشتوم. فإذا عبروا تلك
البحيرة صاروا إلى أجم وغياض وهضاب رمال فساروا فيها نحو عشرة أميال. ويستعمل الصيّادون في هذا الموضع من الطير غلات جزلة من لحمها وريشها، والطير تخرج من البحر إلى مصايدهم. ثمّ تسير بعد ذلك نحو خمسة أميال إلى باب مدينة الإسكندرية، وبقرب هذا الباب من خارج سورها صور أصنام. فإذا دخلت الباب فهناك قبّة خضراء على ستّة عشر عمودا من الرخام، ويسرة هذه القبّة بساتين كثيرة فيها جميع الفواكه وأكثرها الجمّيز، ويمنة من هذه القبّة المدينة والبحر. ومن تروجى إلى مدينة الإسكندرية خمسة وعشرون ميلا.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع