تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

ذكر فتح مصر

قال عبد الرحمان بن عبد الله بن عبد الحكم: لما كانت سنة ثماني عشرة وقدم عمر ﵁ الجابية خلا به عمرو بن العاص، وكان قد دخل مصر في الجاهلية وديارها وعرف أحوالها، فجعل يعظّم عنده أمرها ويهوّن عليه فتحها، حتى ركن لذلك عمر وعقد له على أربعة آلاف رجل كلهم من عكّة، ويقال ثلثهم من غافق. فقال له عمر: سيروا وأنا مستخير الله

وسيأتيك كتابي سريعا إن شاء الله، فإن أدركك كتابي آمرك فيه بالانصراف (عن أرض مصر قبل ان تدخلها فانصرف، وإن أنت دخلتها) قبل أن يأتيك كتابي فامض لوجهك فاستعن بالله واستنصره. فسار عمرو بن العاص من جوف الليل ولم يشعر به أحد.

واستخار عمر رضه فكأنه تخوّف على المسلمين (فكتب إلى عمرو) أن ينصرف بمن معه، وأدركه الكتاب وهو برفح، فتخوف عمرو إن قرأ الكتاب أن يكون فيه أمر بالانصراف كما عهد إليه. فلم يأخذ الكتاب من الرسول ودافعه حتى نزل قرية فيما بين رفح والعريش. فسأل عنها فقيل له إنها من مصر، فدعا بالكتاب فقرأه على المسلمين، ثم قال عمرو لمن معه:

ألستم تعلمون أن هذه القرية من مصر؟ (فقالوا: بلى). قال لهم: فإن أمير المؤمنين عهد إليّ إن لحقني كتابه ولم أدخل أرض مصر أن أرجع اليه، وإن كتابه لم يلحقني حتى دخلنا أرض مصر فسيروا وامضوا على بركة الله تعالى.

قال: فلما بلغ المقوقس أمر عمرو توجه الى الفسطاط، وكان يجهز الى عمرو الجيوش. وقال جماعة من مشايخ أهل مصر إن أسقفا كان بالاسكندرية للقبط يقال له أبو بنيامين لما بلغه قدوم عمرو الى مصر كتب الى القبط يعلمهم أن ملكهم قد انقطع ويأمرهم بتلقّي عمرو. فأول موضع قوتل فيه عمرو

الفرما، قاتله فيه الروم نحوا من شهر، ثم فتحها الله عليه، فيقال إن القبط الذين كانوا بالفرما كانوا لعمرو أعوانا لما أعلمهم به أبو بنيامين. ثم تقدم عمرو لا يدافع الا بالأمر الخفيف حتى فتح بلبيس وأم دنين، وكتب الى عمر يستمده، فأمدّه بأربعة آلاف. ثم سار عمرو الى الحصن وقد خندقوا حوله وجعلوا للخندق أبوابا وجعلوا سكك الحديد موتدة بأفنية تلك الأبواب، وكان عمرو يفرق أصحابه ليرى العدو أنهم أكثر مما هم ويغدوا في الأسحار فيصفّهم على أبواب الخندق وعليهم السلاح.

ثم قدم على عمرو الزبير بن العوّام في اثني عشر ألفا فتقوّى المسلمون، وجعل عمرو يلح عليهم بالقتال ووضع المنجنيق على الحصن، وكان عمرو إنما يقف تحت راية بلى. قال: وكانت أمّه بلوية. (قال المؤلف ﵀: هذا من قائله وهم، وإنما هي عنزية. فلما أبطأ الفتح على عمرو قال الزبير رضه:

أنا أهب نفسي لله وأرجو أن يفتح الله بذلك للمسلمين، فوضع سلما الى جانب الحصن من ناحية سوق الحمّام، ثم أمرهم اذا سمعوا تكبيره أن يجيبوه جميعا. فما شعروا الا والزبير واقف على رأس الحصن يكبّر (والسيف في يده)، فتحامل المسلمون على السلم حتى نهاهم عمرو خوفا من أن يكسر، فهرب أهل الحصن جميعا وعمد الزبير الى باب الحصن ففتحه واقتحمه المسلمون.

ثم حاصر المسلمون باب اليون وبه أكابر الروم والقبط ورؤساؤهم وعليهم المقوقس، فقاتلوهم بها شهرا. فخاف المقوقس على نفسه (ومن معه) فتنحّى المقوقس وجماعة من أكابر القبط وخرجوا على الباب القبلي وترك هناك جماعة يقاتلون فصار بالجزيرة- موضع دار الصناعة اليوم- وأمر بقطع الجسر، وذلك في مجرى النيل. فأرسل المقوقس الى عمرو: إنكم قد دخلتم في بلادنا وطال مقامكم بأرضنا وإنّما أنتم عصبة يسيرة وقد أظلتكم الروم، جهزوا إليكم الجيوش، وقد أحاط بكم هذا النيل وإنما أنتم أسارى في أيدينا، فابعثوا إلينا رجالا منكم نسمع من كلامهم، فعسى أن يأتي الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبون ونحب، وينقطع عنا وعنكم هذا القتال قبل أن تغشاكم جموع الروم فتندموا.

فردّ عمرو مع رسله أنه ليس بيننا وبينكم إلا احدى ثلاث خصال: إمّا دخلتم في الإسلام وكنتم إخواننا وكان لكم ما لنا، وإن أبيتم أعطيتم الجزية عن يد، وهم صاغرون، وإما جاهدناكم بالصبر والقتال: حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين. فلما جاءت رسل المقوقس اليه قال: كيف رأيتموهم؟

قالوا: رأينا قوما الموت أحب الى أحدهم من الحياة والتواضع أحب الى أحدهم من الرفعة، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة، إنما جلوسهم على التراب وأكلهم على الركب وأميرهم كواحد منهم، يغسلون أطرافهم بالماء واذا حضرت الصلاة لا يتخلف عنها أحد منهم، يتخشعون في صلاتهم. فقال

المقوقس: والذي يحلف به، لو أن هؤلاء استقبلوا الجبال لزلزلوها، وما يقوى على قتال هؤلاء أحد وإن لم يغتنم صلح هؤلاء القوم وهم محصورون بهذا النيل لم يجيبونا بعد اليوم إذا أمكنتهم الارض. [وكان ذلك وقت خروج النيل وفيضه] والمسلمون قد أحدق بهم الماء من كل جهة ولا يقدرون على النفوذ الى الصعيد ولا غيره من القرى.

وبعث عمرو إليهم عشرة نفر أحدهم عبادة بن الصامت وأمره أن (يكون متكلم) القوم وأن لا يجيبهم الى شيء إلا الى احدى هذه الثلاث خصال.

فركبوا السفن الى المقوقس فدخلوا عليه، فتقدم عبادة بن الصامت فهابه المقوقس لسواده وقال: نحّوا عني هذا الأسود وقدّموا غيره. فقالوا جميعا:

إن هذا الأسود سيدنا وأفضلنا رأيا وعلما. فكلمه عبادة فازداد المقوقس له هيبة وقال لأصحابه: لقد هبت (منظره وإن قوله عندي لأهيب)، وإن هذا وأصحابه إنما أخرجهم الله لخراب الأرض وما أظن ملكهم إلا سيغلب على الأرض كلها. (فقال له المقوقس): يعطى كل رجل منكم دينارين دينارين فأميركم مائة دينار وخليفتكم ألف دينار. فلم يجبه عبادة إلّا على احدى الثلاث خصال. فقال المقوقس لأصحابه: ما ترون؟ فقالوا: أما ما أرادوا من دخولنا في دينهم فهذا ما لا يكون. نترك دين المسيح الى دين لا نعرفه، وأما ما أرادوا أن يجعلونا عبيدا أبدا فالموت أيسر من ذلك. ولو رضوا منا ان نضعف لهم ما أعطيناهم كان أهون علينا.

فانصرف عبادة ولم يتّفقوا على شيء. وألحّ المسلمون في القتال حتى أذعن المقوقس بالجزية عن القبط خاصة والروم مخيّرون في المقام على مثل ذلك أو الخروج الى أرض الروم. فأحصي يومئذ من بمصر أعلاها وأسفلها من القبط (خاصة و) رفع ذلك عرفاؤهم بالأيمان المؤكدة فكانوا ستّة آلاف ألف ممن بلغ الحلم سوى الشيخ الفاني والصغير والنساء.

ففرض على كلّ نفس دينارين دينارين، فكانت فريضتهم اثني عشر ألف ألف دينار. ثم كانت بمن استقر هناك من النصارى وساكنيهم من النوبة خمسين ألف ألف دينار.

[وجعل عمرو يبحث عن الأموال ويضمّها الى بيت المال]. وذكر لعمرو أنّ عند عظيم الصعيد مالا، فبعث اليه، فقال: ما عندي مال. فسجنه، فسأل عمرو من يدخل عليه هل يسمعونه يذكر أحدا. قالوا: نعم راهبا بالطور. فبعث عمرو فأوتي بخاتم المسجون وكتب كتابا على لسانه بالرومية وختم عليه وبعث به الى الراهب فأتى بقلّة من نحاس مختومة برصاص، فإذا فيها (كتاب فيه): يا بني آدم إذا أردتم مالكم فاحفروا تحت الفسقية.

فبعث عمرو أمناء الى الفسقية- وهي السقاية- فحفروا واستخرجوا خمسين أردبا من دنانير [والأردب قنطار ونصف].

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.