تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

ملوك مصر بعد الطوفان

وذكر جماعة من الشرعيّين أنّ بيصر بن حام (بن نوح) لمّا انفصل عن أرض بابل بولده وكثير من أهل بيته سار نحو مصر فنزل موضعا يقال له منف، وكذلك يسمّى إلى الآن، وكان عددهم ثلاثين، فسمّيت بهم كما سمّيت

مدينة ثمانين ببلاد الجزيرة والموصل، وقد تقدّم ذكرها. وأوصى بيصر إلى الكبير من ولده، (وهو مصرايم) فتملّك من أسوان إلى العريش طولا والعريش آخر أرض مصر والفرق بينها وبين الشام، ومن أيلة- وهي بتخوم الحجاز- إلى برقة عرضا، (وهي آخر أرض) مصر. ويقال إنّ هذا الحدّ جزء من ستّين جزءا من أرض السودان، وأرض السودان جزء من ستّين جزءا من معمورة الأرض. وأوصى مصرايم إلى الأكبر من ولده وهو قفط، ومن ولده جميع القبط. وقد دخل في أنسابهم غيرهم من ولد مصريم.

ولم يزل الملك فيهم إلى أن ملك أمرهم النساء فدخلهم الحرم، فسار إليهم من الشام ملك من ملوك العماليق يقال له الوليد بن دومع، فغلب على الملك فانقادوا إليه. (ثمّ ملك بعده الرّيّان ابنه وهو فرعون يوسف، ثمّ ملك بعده دارم بن الرّيّان، ثمّ كامس بن معدان العملاقي)، ثمّ الوليد بن مصعب، وهو فرعون موسى. وقد تنوزع فيه فمنهم من رأى أنّه من العماليق، وقال بعضهم: هو من لخم من بلاد الشام، ومنهم من رأى أنّه من الأقباط. وقال المسعودي: سألت جماعة من أقباط مصر والصعيد عن معنى فرعون وتفسيره فلم أجد أحدا يعرفه، والّذي أراه - والله أعلم- أنّه كان سمة (لملوكهم بتلك الأمصار). فلمّا هلك غرقا ومن معه ملّك أهل مصر ممّن بقي فيها من الذراري والنساء والعبيد والشيوخ والزّمنى امرأة ذات حزم ورأي وأصالة وعلم يقال لها دلوكة لم ينسبها أحد.

قال عبد الله بن عمرو بن العاص: دلوكة ابنة ريّان. فبنت على بلاد مصر

حائطا يحيط بجميع البلاد، وجعلت عليه المحارس من الرجال متّصلة أصواتهم، وأثر هذا الحائط باق إلى اليوم يعرف بحائط العجوز. واتّخذت البرابي بمصر وأحكمت آلات السّحر، فجعلت في البرابي صور من يدخل من كلّ ناحية ودوّابهم إبلا كانت أو خيلا، وصوّرت فيها من يرد في البحر من المراكب نحو المغرب والشام، وجعلت ذلك في أوقات حركات فلكية واتّصالها بالمؤثّرات العلوية. فكان إذا ورد عليهم جيش عوّرت الصور الّتي من ناحية الجيش وعلى هيئته، فيتعوّر ما في ذلك الجيش وينقطع ناسه وحيوانه، وكذلك لمن ورد في البحر، فهابتها الملوك والأمم.

وجمعت»

في هذه البرابي العظيمة المشيّدة البنيان (أسرار الطبيعة) وخواصّ الأحجار والنّبات والحيوان، فمنها صور إذا صوّرت في بعض الأشياء أحدثت أفعالا على حسب ما رسّمت له وصنعت من أجله، والله أعلم بكيفيّة ذلك.

وعرض الهرم في الطول والارتفاع أربعمائة ذراع، وهي خمسة أهرام الثلاثة منها في الجانب الغربي من النيل وترى من الفسطاط، وهي على مقدار واحد (أوسطها مدرج الأعلى، والأخريان على زاوية قائمة)، وهرمان منها بغربي الفسطاط.

والخواصّ وأسرار الطبائع في العالم موجود كثير.

لا يدفع أحد أنّ في الأرض (مدنا لا يدخلها) عقرب ولا حيّة مثل حمص (ومعرّة وأنطاكية)، وقد كانت أنطاكية إذا أخرج الإنسان يده خارج السور وقع عليها البق، فإذا جذبها (إلى الداخل) لم يبق على يده منه شيء إلى أن كسر عمود من الرخام في بعض المواضع فأصيب في أعلاه حق من نحاس في داخله نحو كفّ من البقّ مصوّر من نحاس، فما كان إلّا على الفور من ذلك حتّى صار البقّ يعمّ دورهم. والله ﷿ قد استأثر بعلم الأشياء، فأظهر لعباده ما شاء، قال الله ﷿: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ

قال المسعودي: وأخبرني غير واحد من بلاد أخميم من صعيد مصر عن ذي النّون أبي الفيض الأخميمي الزاهد، وكان حكيما ممّن امتحن كثيرا من أخبار هذه البرابي، قال: رأيت في بعضها كتابا تدبّرته فإذا هو:

احذروا العبيد المعتقين والجند المتعبّدين والنبط المستعربين. قال: ورأيت في أخرى كتابا تدبّرته فإذا هو: المقدّر يقدّر والقضاء يضحك. وزعم أنّه رأى في أخرى كتابة فإذا هي:

تدبّر بالنّجوم ولست تدريوربّ النّجم يفعل ما يشاء

وقد قيل إنّ (أمّة من الأوّل دلّتها) أحكام النجوم أنّ طوفانا (سيكون على الأرض) ولم يقطعوا عليه أهو نار أو ماء أو سيف، فخافت على دثور العلم وذهابه، فبنت برابي في حجارة ورسمت فيها العلوم وبرابي طين وقالت: إن كان الطوفان ماء بقيت الحجارة، فإن كان نارا ستحجر الطين، وإن كان سيفا بقي النوعان. وهذا (على زعم من رأى) أنّ بناءها كان قبل الطوفان. وقال بعض من زعم أنّ علّة هذه البرابي (؟) ورأى أن ذلك كان بعد الطوفان الّذي كانوا يرتقبونه ولم يعيّنوه. وقيل إنه كان سيفا أتى على جميع أهل مصر من ملك غشيهم. وقيل: (وباء عمّهم) بتلال تنّيس ودمياط المتقدّم ذكرها منهم، وما يوجد في بلاد مصر وصعيدها من النواويس والكهوف المملوءة رمما والبرابي الموصوفة بربى الصعيد وبربى أخميم وبربى بلاد سمنّود.

ثمّ تعاقب بعد دلوكة العجوز في ملك مصر الفراعنة نحو ثلاثمائة سنة من ملك دلوكة إلى استيلاء بخت نصر عليها، منهم فرعون الأعرج الذي غزا بني إسرائيل وخرّب بيت المقدس إلى أن سار إليهم بخت نصر على ما قدّمناه، فخرّب أرضها وقتل رجالها. واستولى عليها بعد ذلك الروم، فتنصّر أهلها إلى أن ملك كسرى أنو شروان، فغلبهم وملكهم نحوا من عشر سنين. ثمّ جرت بين الروم وفارس حروب تكافؤوا فيها، فكان أهل مصر يؤدّون عن بلادهم خراجين: خراجا إلى الروم وخراجا إلى فارس. ثمّ ظهرت الروم

على مصر والشام، فشملتها النصرانية، وجاء الله بالإسلام وصاحب مصر المقوقس وافتتحها عمرو بن العاص في خلافة عمر بن الخطّاب رضه وبنى الفسطاط، وهو قصبة مصر. كان المقوقس ينزل الإسكندرية في بعض الفصول وفي بعضها منف وفي بعضها قصر الشّمع، وهو يعرف بهذا الاسم إلى اليوم، وهو في وسط الفسطاط.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.