تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

ذكر بعض عجائب مصر

وبمصر أخبار عجيبة من الدفائن وذخائر الملوك، فمنها ما ذكره يحيى بن بكير قال: جاء رجل إلى عبد العزيز بن مروان وهو أمير مصر وقال له: بالقبّة الفلانية كنز عظيم يوصل إليه بأدنى حفر أوّل علاماته أنواع من المرمر والرخام الأبيض يفضي إلى باب صفر، تحته عمود من الذهب على أعلاه ديك من ذهب عيناه ياقوتتان لا تعدلهما قيمة. فأمر له عبد العزيز بنفقة آلاف من الدنانير وشرع في الحفر، فظهرت الدلائل، فازداد عبد العزيز حرصا وأوسع له في النفقة إلى أن فتحوا باب الصفر وظهر رأس الديك، فبرق عند ظهوره لمعان عظيم لشدّة نور الياقوتتين إلى أن ظهرت جناحاه وبدت براثنه، وظهر تحت عمود الذهب قناطر مقنطرة وطاقات على أبواب معقّدة ولاحت تحتها تماثيل وأشخاص من الذهب وأجرنة من الأحجار قد أطبقت عليها أغطيتها. فأشرف عبد العزيز على الموضع حين ظهر فيه ما ظهر وجدّ في العمل وجمع إليه الناس، فتسرّع بعضهم فوضع قدمه على درج من النحاس ينتهي إلى ما هنالك، فلمّا استقرّت قدماه على الرابعة

ظهر سيفان عظيمان عاديّان (سيف عن يمينه وسيف عن شماله)، فالتقيا عليه، فجزّياه قطعا وهوى جسمه سفلا. فلمّا مرّت ببعض الدرج منه قطعة اهتزّ العمود وصفّر الدّيك صفيرا عجيبا أسمع من كان بالبعد وحرّك جناحيه، فظهرت من تحتها أصوات غير معهود مثلها وتهافت من كان هنالك من الرجال إلى أسفل تلك الحفرة، وكان فيها ممّن (يحفر ويعمل) نحوا من ألف رجل، فهلكوا جميعا. فجزع عبد العزيز وقال: هذا ردم عجيب الأمر ممنوع النّيل، نعوذ بالله منه. وأمر الناس فردّوا التراب عليه وعلى من (هلك فيه) من القوم، وصار الموضع قبرا لهم.

وقد كان وقع إلى بعض من أغرى بحفر الحفائر وطلب الكنوز كتاب (ببعض الأقلام) السالفة فيه وصف كنز ببلاد مصر على أذرع يسيرة من بعض الأهرام، وأخبر الإخشيد محمّد بن طغج فأذن في حفره، وذلك سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، فحفروا حفرة عظيمة إلى أن انتهوا إلى آزاج وأقباء وحجارة مجوّفة وصخور منقورة فيها تماثيل قائمة مختلفة الصور، منها على صور الشيوخ والشبّان والنساء والأطفال أجسامها (في نوع من) الخشب ووجوهها ذهب وفضّة وعيونها من أنواع الجواهر، وكثرت في أجوافها رمم بالية وأجسام فانية. والتمثال على صورة من وضع في جوفه على اختلاف أسنانهم وتباين صورهم، وعلى جانب كلّ تمثال نوع من الآنية كالبراني من الزمرّد والجواهر الغالية فيه بقية ما طلي به ذلك الميّت من الطلاء، دواء مسحوق وأخلاط معمولة لا رائحة لها، فإذا وضعت

في النار تضوّعت منها أرياح طيّبة مختلفة لا تعرف في نوع من أنواع الطّيب، وقد جعل بإزاء كلّ تمثال تمثال من المرمر والرخام على هيئة الصنم على حسب عبادتهم للتماثيل. (وعليها أنواع من) الكتابات لم يقف على استخراجها أحد من أهل الملل، وزعم قوم من أهل الدراية أنّ لذلك القلم مذ فقد من أرض مصر أربعة آلاف سنة.

وكان صلحاء مصر أعظم الناس علما وأجلّهم بالكهانة حذقا، وكان حكماء اليونانيّين يصفونهم بذلك ويشهدون لهم بالتقدّم فيه، فيقولون: أخبرنا حكماء مصر بكذا واستفدنا منهم كذا. وكانوا يزعمون أنّ الكواكب هي الّتي تفيض عليهم العلوم وتخبرهم بالغيوب، وأنّها هي الّتي علّمتهم أسرار الطبائع ودلّتهم على العلوم المكنونة، فعملوا الطلسمات المشهورة والنواميس الجليلة وولدوا الولادات الناطقة والصور المتحرّكة وعجائبهم ظاهرة وحكمتهم واضحة.

وكانت مصر خمسا وثمانين كورة، فأسفل الأرض خمس وأربعون وبالصعيد أربعون. وكان في كلّ كورة رئيس من الكهنة وتحت يد كلّ واحد منهم عدد عظيم من السحرة وأهل الحكمة، وهؤلاء الرؤساء الّذين عنى الله تعالى في قصّة فرعون لمّا أشار عليه أصحابه وقالوا له: وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ

. وكان الّذي يتعبّد منهم الكواكب السبعة المدبّرة

لكلّ كوكب سبع سنين، فإذا بلغ هذه المنزلة سمّي ناظرا وكان يجلس (مع الملك في مرتبته) ويصدر الملك عن رأيه ولا يعصي له أمرا. وكان من رسمهم أن يدخل إلى الملك كلّ يوم فيجلس إلى جانبه ويدخل الكهنة ومعهم أصحاب الصناعات، فيقفون حذاء الناظرين. وكلّ واحد من الكهنة منفرد بكوكبه يخدمه لا يتعدّاه إلى سواه ويسمّى عبد كوكب كذا. فيقول الناظر للكاهن: أين صاحبك؟ فيقول: في البرج الفلاني في درجة كذا ودقيقة كذا. فإذا عرف مستقرّ الكواكب من جميع خدمتها قال للملك: ينبغي أن يصنع اليوم بنيان كذا ويوجّه جيش إلى مكان كذا ويأكل الملك في وقت كذا، وجميع ما يراه له صلاحا في دقيق أموره وجليلها. والكاتب قائم يكتب جميع ما يقوله الناظرون ممّا يتّفقون على إمضائه وتصريف فعله، ثمّ يلتفتون إلى أصحاب الصناعات فيقولون: انقش أنت صورة كذا وكذا على حجر كذا، وصوّر أنت تمثالا كذا واغرس أنت كذا، حتّى يأتوا على جميع الأعمال، فيخرجون إلى دار الحكمة ويضعون أيديهم في تلك الأعمال.

ويستعمل الملك جميع ما يقوله الناظرون ويؤرّخ ذلك اليوم في الصحيفة وتطوى وتودع خزائنه. فعلى ذلك جرت أمورهم، وكان الملك إذا حزنه أمر أو همّ (به همّ أضمره) جمعهم خارج منف واصطفّ لهم الناس في الشوارع والطرقات، ثمّ يمرّون ركبانا يقدم بعضهم بعضا فيدخل كلّ واحد منهم بأعجوبة، فمنهم من يعلو وجهه نور مثل نور الشمس ولا يقدر أحد (أن ينظر إليه)، ومنهم من يدخل راكبا أسدا، ومنهم من يتوشّح بثعابين عظام، ومنهم من يكون عليه قبّة من نور، في صنوف من العجائب كثيرة إلّا أنّ كلّ واحد منهم إنّما يصنع ما يدلّ عليه كوكبه. فإذا دخلوا على الملك قالوا: أرادنا الملك لكذا والصواب فيه كذا.

وروى ابن لهيعة قال: كان عدد السحرة الّذين حشروا لفرعون اثني عشر رئيسا، تحت يد كلّ رئيس عشرون عريفا، تحت يد كلّ عريف ألف من السحرة، وكان عدد السحرة مائة ألف وأربعين ألفا ومائة واثنين وثلاثين، (والله أعلم).

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.