من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر ملوك مصر من لدن عمارتها قبل الطوفان وبعده إلى استفتاح المسلمين لها (وغريب أخبارهم)
الّذي بنى الأهرام والبرابي واستوسقت له مملكة مصر وانتقادت له الملوك سوريد بن سهلون، وبنى الأهرام صيانة لجثثهم وأجسامهم، وبنى الأفرونيات وبنى البرابي حفظا لعلومهم وآثارهم، وذلك لمّا أنذروا له بأمر الطوفان المهلك للعالم. وكان سوريد قد أوتي من الحكمة والعلم ما لم يسبق إليه وكان يتعاهد من مصالح رعيته ما لم يتعاهد سواه، وكان ينفق على الضعفاء من بيت ماله. واتّخذ مرآة من أخلاط وأقامها على منار في وسط قصره، وكان ينظر فيها جميع الأمم والممالك والأقاليم وما منها أخصب وما منها أجدب وينظر من قصد ناحيته وما يجري للأمم من حروب أو غيرها. وتقدم إلى رأس الناظرين، وهم الكهّان، أن ينظر ما يحدث في كلّ يوم ويجعله في كتاب. وكان أكثر اهتمامه بعمل الأدوية والعقاقير المؤلّفة والصنعة والنواميس ودفع المضارّ بالطلسمات وكلّ ما كان فيه صلاح للناس. وعمل صنما في صورة امرأة جالسة في حجرها صبيّ ترضعه، فمن أصابها علّة من النّساء في عضو من بدنها مسحت ذلك المكان من الصنم فزال عنها ما تجدّه، وكذلك إن قلّ لبنها أو أبطأت حيضتها مسّت فوق ركب الصنم، وإن كثر دمها مسّت أسفل الركب فينقص، وإن أصاب ولدها شيء فعلت مثل ذلك بالصبي فيزول عنه، وإن عسرت ولادتها فمسحت رأس الصبي سهلت ولادتها، وكذلك البكر يسهل
افتضاضها. وإذا قربت الزانية من هذه الصورة ووضعت يدها عليها ارتعدت يدها ولا تزال كذلك حتّى تقلع عن فجورها. ولم تزل الصورة كذلك حتّى أزالها الطوفان، ويقال إنّها وجدت بعد الطوفان وإنّهم عملوا بها بعد ذلك وعبدت وصورتها موجودة في جميع برابي مصر باسمها، وكان اسمها بلهوية.
وعمل لهم الصنم الّذي يقال له بكرس من أخلاط يدفع الأسقام والعلل بمواضع تغسل منه وتشرب وبخورات يتبخّر بها ويستنشق، وعمل عجائب كثيرة.
واستخرج زمن أبي سليمان عوف بن سليمان قاضي مصر كتابا بالقبطية وجد في قبر ميّت كان فيه، كتب هذا الكتاب في أوّل سنة من ملك دقلطيانس من كتاب نسخ في أوّل سنة من ملك فليبس، (وإنّ فليبس) استنسخه من صحيفة ذهب بالكتاب الأوّل (ترجمه له أخوان من القبط ورثا علم ذلك من أبيهما، وهو رجل) من أهل مصر الأوائل لم ينج منها من الطوفان غيره، وكان سبب نجاته أنّه أتى نوحا ﵇ فآمن به فلم يأته من بلده غيره، وهذا المترجم من الكتاب الموجود:
باسم الباقي بعد الأشياء. إنّ الملك سوريد بن سهلون ملك مصر وأنّه رأى رؤيا هالته، فأحضرنا وأمرنا أن ننظر ما تدلّ عليه الكواكب ممّا يحدث في العالم، فأقمناها في مراكزها في وقت مسألته، فدلّت على آفة نازلة من السماء وحادثة من الأرض. فلمّا بان لنا ذلك أخبرناه به فقال: ما هو؟
فنظرنا في خفي أمورها فوجدنا ماء يحدث مفسدا للأرض وأهلها وحيوانها وجميع ما فيها. فلمّا تمّ اليقين من ذلك أمرنا ببناء الأفرونيات وأعلاما عظاما تكون له ولأهل بيته (قبورا تحفظ أجسامهم) من الفساد ويبقى علمهم»
صحيحا، وكتب على حيطان الأفرونيات وسقوفها علم غوامض الأمور من دلائل النجوم وعللها وسرائر الطبائع وتكوّنها والنّواميس العظام وعلمها والعقاقير وتأليفها والصنعة وحكمتها، وغير ذلك ممّا ينفع ويضرّ ملخّصا مفسّرا لمن عرف كتابنا ولغتنا. وإنّ هذه الآفة محيطة بجميع أقطار العالم إلّا اليسير، وذلك إذا نزل قلب الأسد أوّل دقيقة من السرطان وتكون الشمس والقمر في أوّل دقيقة من رأس الحمل وأقرونس من الحمل (في درجة وثمان وعشرين دقيقة)، وأورانس في الحوت (في تسع وعشرين درجة وثمان وعشرين دقيقة)، وأرش في الحوت (في تسع وعشرين درجة وثلاث دقائق)، وأفروديطى في الحوت (في ثمان وعشرين درجة ودقائق)، وهرمس في الحوت (في سبع وعشرين درجة ودقائق)، والجوزهر في الميزان، فأوج القمر في الأسد خمس درجات ودقائق.
فلمّا عرّفناه ذلك قال: انظروا هل يكون بعد هذه الآفة كون مضر-[بالعالم]. فأصبنا الكواكب تدلّ في وقت نظرنا على [أنّ] آفة نازلة من السماء إلى الأرض وأنّها ضدّ الأولى، وهي نار محرقة لأقطار العالم، فعرّفناه بذلك فقال: انظروا متى يكون هذا الكون. فوجدناه قد يكون عند نزول قلب الأسد آخر دقيقة من الدرجة الخامس عشرة من الأسد ويكون أيليس، وهي الشمس، معه في دقيقة [واحدة] متّصلة بقرونوس من تثليث الرامي، ويكون (راوس في الأسد) وأرش معه في دقيقة واحدة ويكون سليني، وهو القمر، في الدلو مقابلا لإبليس والذنب معه، ويكون كسوف مطبق، وتكون أفروديطى في بعدها الأبعد من وراء إبليس وهرمس في بعده الأبعد أمامها مقيمين، أفروديطى للاستقامة وهرمس للرجعة.
فقال الملك: هل من خبر آخر توقفوننا عليه بعد هذه الأمور العظام؟ قالوا:
ننظر في ذلك. فنظروا على عدد السنين وقالوا: وجدنا أنّه إذا قطع قلب الأسد ثلثي أدواره، وهو آخر دقيقة من العقرب، لم يبق من حيوان الأرض متحرّك إلّا تلف، فإذا استتمّ أدواره تحلّلت عقد الفلك. قال لهم: فأي يوم تحلّل فيه عقد الفلك؟ قالوا: اليوم الثاني من بدء حركة الفلك. فعجب من ذلك. قال: وزعم آخرون أنّ قلب الأسد إذا بلغ الدرجة الخامس عشرة من الأسد كان طوفان نار يحرق العالم بأسره، فلا يبقى على الأرض حيوان وتبقى الأرض خرابا، ويستأنف الباري تعالى ما أراد من الخلق. وهذا لم يصحّ لأنّ قلب الأسد كان يرصد سنة أربع عشرة
ومائتين في ثلاث عشرة درجة وثلاثين دقيقة من الأسد، فيجب أن يكون اليوم، وهو إحدى وستّين في آخر الدرجة السادس عشرة منه.
وفي كتاب السند هند (الّذي عمل المجسطي منه) وغيره أنّ (دوران الشمس من أوّل مسيرها) من الحمل إلى أن ينقضي مسيرها آخر الأسد على ما حسبوه وأحاطوا علما به بزعمهم أربعة آلاف ألف وأربعمائة ألف ألف وعشرون ألف ألف دورة والدورة سنة. وجمهور الناس من المتقدّمين والمتأخّرين يعتقدون أنّ العالم محدث منتقض إلّا ما قاله أرسطاطاليس إنّ الطبيعة قديمة وانّ الزمان لا يبيد وإنّه لا أوّل له ولا آخر، وهو قول أهل الهند. وقال نفر من الفلاسفة: العالم محدث إلّا أنّه لا يبيد لأنّه حكمة والحكيم لا يفسد صنعته.
ولمّا مات سوريد بعد أن ملك مائة سنة وسبع سنين دفن في الهرم الشرقي وملك بعده أخوه هرجيت ثلاثين سنة ودفن في الهرم الغربي، وملك بعده ابنه مناوش خمس عشرة سنة ودفن في الهرم الملوّن بلونين من الحجارة.
ولهذه القبور أبواب في آزاج مبنية بالحجارة في الأرض طول كلّ أزج منها عشرون ذراعا بذراعهم، له باب من حجر واحد يدور بلولب، فإذا أطبق عليه لا يعرف أنّه باب، وصار كالبنيان لا يصل الذر إلى الوصول منه. وفي هذه الأهرام قبون من الذهب والفضّة والكيمياء و (الحجارة من الزبرجد الرفيع) والجواهر النفيسة ما لا يحتمله الوصف كثرة.
هذا آخر الكتاب الموجود في القبر، وترجم هذا الكتاب يوم الأحد أوّل يوم من توت عند طلوع الشمس سنة خمس وعشرين ومائتين من سني العرب وانتهى ما تضمنه من التواريخ من لدن أثبت بالخطّ الأوّل إلى هذا اليوم (أربعة آلاف وخمسمائة وعشرون وثلث) بسني الشمس. ثمّ نظر كم للطوفان إلى هذا اليوم، فوجد (اثنين وأربعين وتسعمائة وثلاثة آلاف)، فعلم أنّ الكتاب كتب قبل الطوفان (لما بين الجملتين).
وكانت الرؤيا الّتي رآها الملك على ما أثبت في المصاحف الموجودة بمنف في خلافة عبد الملك- وكانت سبعة مصاحف مترجمة يذكر»
قيطون بن أمنايوس الكاهن يذكر فيها مبادئ الولادات والخلوق الأوّلية ويذكر الملوك والناظرين وما وضعوه من الحكم وعملوه من الطلسمات، وكانت بخطّ أركليوس الكاهن، فحملت إلى عبد الملك مع الحبر الّذي كان معها وانعفى أكثرها، ففسّرها له رجل يهودي من أهل الطواري، فلم تكن بالخطّ الكاهني الصوري بل كانت بالخطّ المعروف بالبرسطي، فبذلك قدر على استخراجها، فكشف لهم منها ما أراد وستر ما أراد، وقدر منها على علم كثير وعرف الخبر المشهور وكيف الوصول إليه وأصناف العلوم المقترنة به. وقد كان صدر المصحف الأوّل الجامع لهذه المصاحف.
باسم الربّ المحيط بالأشياء. أنا قيطون بن أمنايوس الكاهن. كان أبي من خدّام الهياكل النورية والمتكلّمين عندها بكلمة التوحيد والخضوع للآلهة المعطية للعلوم المظهرة وللأرواح الأشباحية لمن كان يتعبّد لها ويقوم بقرابينها وبخورها. وكان إليه مع ذلك خدمة نواويس الملوك، وكان من رسم بهاتين الحالتين يومى إليه بالتعظيم ويفضل بالتزكية. فلمّا هلك هرمينيوس الملك حفر له في ناووس المملكة أزجا وصفحه بالمرمر الأزرق ملوحا بالذهب اليأكلون، وحفر عند رأس الأزج موضعا تقام فيه أسطوانة التآريخ (فانتهى به الحفر) إلى أوعية من رصاص مطبقة فيها مصاحف الكهنة وفيها جثّة أقوديس الكاهن الّذي كان في زمن أسادس. فأخذ أبي المصحف بحقّ كهانته وقيامه على الهياكل والنواويس، فوقف على ما فيها ولم يظهر شيئا من علومها. فلمّا هلك أبي صارت المصاحف إليّ فنقلتها بترجمتي لتكون ذخيرة لولدي. وكان أوّل ما ترجمته من تلك المصاحف:
باسم النور الّذي كانت الأنوار كلّها منه وإليه تعود، مطهّر الحكماء ومؤيّدهم بالأشباحية العالية واسم الآلهة. هذا ما نسخناه ووقفنا عليه من أسرار العلوم والّذي قدرنا عليه من كتب ساداتنا الناظرين الهادين إلى طريق الحكمة، ووقفنا عليه من أسرار الخليقة ومفاتيح العلوم وأسرار الولادات.
ثمّ نرجع إلى ذكر الرؤيا. وكان في جملة ما ترجم من هذه المصاحف أنّ سوريد (رأى الكواكب) المعروفة بالبابانية في صور (طيور بعض) وكأنّها تخطف العالم وتلقيهم بين جبلين عظيمين، وكان الجبلان انطبقا عليهم وكانت الكواكب النيّرة مظلمة كاسفة كلّها. فلمّا أخبره الناظرون بما تقدّم عنهم أمر أن يختار موضعا لبنيان الأعلام، فاختير موضع بقرب النيل في الجانب الغربي وبنيت فيه مدينة (مرقة أي مطلب الحكمة)، وأمر الملك بجمع الناس والفعلة فجمع سبعة آلاف لقطع الحجارة وحملها ومثلهم لهندستها والنقش عليها وأضعافهم (للبناء وعمل) قضبان الحديد واستخراج معادن الرصاص، فكانوا ينصبون البلاطة ويجعلون في وسطها عمودا من حديد قائما قد ضبط بالرصاص المسبوك وتركب عليه بلاطة أخرى في قدّها وهندستها مثقوبة الوسط بقدر دخول القضيب فيها، ويسبك الرصاص ويصبّ على البلاطتين معا، حتّى بنى بها بنيانا طوله مائة ذراع وخمسون ذراعا بذراعهم ليكون ماء الطوفان مع حافته وهرم البنيان صاعدا، وجعل رأسه عشر أذرع في مثلها، وعرض كلّ حائط من تربيع الهرم مثل طوله مائة وخمسون ذراعا.
ثمّ أحضرهم فقال: انظروا هل تفسد هذه الأعلام. فنظروها فوجدوها باقية (لا تزول). فقال: انظروا هل يفتح منها موضع. فنظروا فقالوا: نعم يفتح من الجانب الشمالي. فقال: حقّقوا النظر هل تعرفون الموضع بعينه،
فعرّفوني إلى متى يكون ذلك. فأخرجوا الموضع وذكروا أنّ ذلك يكون لأربعة آلاف دورة للشمس. (فقال: انظروا العلّة الّتي يفتح من أجلها.
فقالوا: يفتح طلبا لما فيه من مال. فقال: هل ينفقون على ذلك شيئا؟
قالوا: نعم. قال: هل تقفون على قدره؟ فعرّفوه). فقال: اجعلوا في الموضع الّذي يصلون منه إلى. داخل الهرم ذهبا بقدر ما ينفقونه.
وحثّ الأمّة على الفراغ من الأهرام والأفرونيات، ففرغوا من ذلك في ستّين سنة. وعلى الأهرام مكتوب: بنينا هذه الأهرام في ستّين سنة، فليهدمها من يريد ذلك في ستّمائة سنة، فإنّ الهدم أهون من البناء.
وذكروا أنّه كانت لهم قرافل من خوص إذا ضربوا بها الحجارة قفزت من أنفسها وطارت، وأنّ ذلك لم يزل متعارفا عندهم. قال الوصيفي: وقال لي رجل قبطي يعرف بإبراهيم بن أبراس، وقد أجرينا شيئا من هذا الذكر، أنّهم أصابوا في بعض الكنائس في موضع شبيه بالطاق سفط فيه سلة، ففتحت فوجدوا فيها قرفلة من خوص عجبوا منها ولم يدروا لها معنى، فطرحوها في النار ليحرقوها، فكانت تثب من النار حتّى تبلغ سقف الكنيسة، فلمّا رأوا ذلك قطعوها بالسكين، ثمّ عرفوا الحال فيها فندموا على إفسادها. قال الوصيفي: ولا أدري أهي من قرافل الحجارة أم من غيرها إلّا أنّ في توثّبها من النار عجبا.
ولمّا فرغ المأمون من حرب أهل التيماء وأقام بمصر أراد هدم الأهرام، فعرّفه بعض شيوخ المصريّين أنّ ذلك غير ممكن ولا يجمل بمثله أن يطلب شيئا لا يبلغه. فقال: لا بدّ لي أن أعلم علم ما فيها. ثمّ أمر (أن يفتح) من الجانب الشمالي لقلّة دوام الشمس على من يتولّى ذلك. فكانوا يوقدون النار عند الحجر، فإذا حمّى رشّ عليه خلّ ورمي بالمنجنيق حتّى فتحت الثلمة الّتي يدخل منها إلى الهرم اليوم، فوجد بنيانه على ما ذكرنا من الحديد والرصاص، ووجد عرض الحائط عشرين ذراعا.
فلمّا وصلوا إلى آخر الفتح وجدوا خلفه مطهرة من حجر أخضر فيها مال على حول الدنانير العراض، وزن كلّ مثقال منها سبعة وعشرون مثقالا وثلثا مثقال بمثقالنا. فقال: زنوه. فوزنوا الجملة فوجدوا فيها مالا عظيما معلوما. وكان المأمون ﵀ فطنا فقال: ارفعوا إليّ ما أنفقتم على فتحه. ففعلوا فوجدوه موازنا لما وجدوا من المال فتعجّب من ذلك ومن معرفتهم بالموضع الّذي يفتح منه على طول الزمان، وازداد يقينا في علم النجوم. فركب حتّى دخله ونظر إلى البيت فوجد فيه صنما أخضر مادّا يده وهو قائم، ونظر إلى الزلاقة والبئر، فأمر بنزولهما، فنزلوا من واحدة إلى واحدة حتّى أفضوا إلى صنم أحمر وعيناه مجزعتان سوادا في بياض كأنّهما حدقتا إنسان، فهالهم أمره وقدّروا أنّ.
له حركة، فخرجوا وعرّفوه الحال وجراه ذلك على طلب مخاب كثيرة.
ووجد المأمون طول كلّ هرم من الهرمين الكبيرين أربعمائة ذراع بالمالكي وكذلك عرض كلّ حائط من حيطانها. ويقال إنّه ليس على وجه الأرض أرفع بناء من هذين الهرمين وهما غربي وسيم ولا في العالم حجر موضوع على حجر أعلى منهما. ويقال إنّ عمقهما في الأرض مثل ارتفاعهما فوق الأرض. وذكر أنّ أبواب هذه الأهرام لا تفتح إلّا بكلام وقرابين وبخورات، والصابئة تحجّ إليها من حرّان.
وفي مصحف هرقل - وكان تأريخه لستّمائة سنة من الطوفان- أنّ سوريد ملك مصر نظر في النجوم، فرأى أنّ حادثة من السماء تكون مضرّة بالعالم، فأمر ببناء أعلام تكون نواويس لحفظ أجساد الملوك، وكتب على تلك الأعلام أسماءهم وتواريخهم وكثر فيها من فاخر الجوهر والصنعة وطرائف الحكمة، ومن التماثيل والذهب الملوّن والتيجان الفاخرة ما يستدلّ به على عظم ملكهم، وجعل على ذلك طلسمات تمنع منها إلى أوقات معلومة تكون ذخيرة لهم. ووضع أساسها في وقت السعادة وجعل في أساس كلّ علم منها صنما وكتب في صدورها دفع المضارّ والآفات عنها، وفي يد كلّ صنم منها كالبوق، وهو واضعه في فيه، وفي وسط كلّ علم منها مسارات
موجّهة إلى آزاج ضيّقة المنافذ واسعة المداخل تجتذب الرياح إليها على مرّ الزمان وتخرج في وجه الداخل إليها، فإن لم يحسن دفعها أهلكته، ومنها ما ينطبق عليه بحكمة متقنة وأمر مبرم. وقيل إنّه عمل تحت الأهرام أسرابا تخرج منها إلى ناحية الفيوم وإلى ناحية المغرب على يوم ويومين منها، وأودعت عجائب كثيرة، وإنّ في أسفلها مشارب للماء يفيض فيها إلى مصابّ تجري إلى النيل.
وفي خبر آخر أنّه وكل بالأهرام روحانيّين، فجعل في الهرم الغربي روحانيا في صورة امرأة عريانة مكشوفة الفرج، لها ذؤابتان، فإذا أرادت أن تستفزّ الإنسان ضحكت إليه واستجرّته إلى نفسها. وقد ذكر ذلك من رآها وقصدها. ووكل بالهرم القبلي روحانيا في صورة غلام أمرد عريان قد ريء من خارجه مرّة بعد مرّة ثمّ تغيّب عنهم. وفي الهرم الملوّن صورة شيخ في كفّه مجمرة كنائسية كأنّه يتبخّر وعليه ثياب الرهبان. وكذلك وكل لجميع الأفرونيات حتّى إنّ أهل أخميم (لا شكّ عند جماعتهم) أنّ روحاني البربى الّذي بها غلام أسود أمرد معه عصا، ولا يستطيع أحد أن يدخل البربى من بعد العصر إلى الصبح. ولم يكن أهل سمنّود يشكّون في أنّ روحاني البربى الّذي فيها رجل طويل أدم صغير اللحية أشيب. وأمّا بربى قفط فجارية سوداء معها صبي صغير أسود تحمله.
وأمّا بربى بوصير ففيها شيخ أبيض عليه زي الرهبان وفي يده مصحف.
ولكل واحد من هؤلاء الروحانيين قربان وكلام يطيع به ويدلّ معه على علوم البربى وكنوزه. ويقال إنّ ذا النون الأخميمي إنّما قدر على ما قدر من علوم البربى حتّى عمل الصنعة والجوهر وحمل إلى العراق في ليلة وغير ذلك من العلم، لأنّه خدم راهبا كان بأخميم يقال له ساس مدّة صباه، فعلّمه الخطّ ودلّه على القربان والبخور واسم الروحاني وأوصاه بأن يكتم ذلك. فلمّا علم ذو النون ما علم طيّن (مبنى الحكماء) (بطين الحكمة) الّذي لا ينقلع إلّا مع الحجر ويفسد بقلعه الخطّ المرموز به.
وفي بعض أخبار المصريّين أنّ قوما قصدوا الأهرام (في وقت المتوكّل) وكان على مصر حينئذ ابن المدبّر، فنزلوا من الزلاقات والآبار وطلبوا أن يدخلوا من تلك المضايق الّتي تخرج الرياح منها وحملوا سرجهم في أواني زجاج، فأتتهم رياح أخرجتهم وكسّرت أوانيهم وأطفأت سرجهم.
فأخذوا أحدهم فربطوا وسطه بالحبال وقالوا له: ادخل، فإن رأيت شيئا تكرهه جررناك. ففعل ذلك. فلمّا دخل وأمعن وزاحم الرياح انطبق عليه ذلك المصبّ وجذبوه، فانقطعت حبالهم وبقي الرجل في ذلك الشقّ لا يقفون له على خبر، فاغتمّوا لذلك وصعدوا هاربين حتّى خرجوا من الهرم وجلسوا عند باب الثلمة المفتوحة ينظرون في أمر ذلك الرجل وأمرهم وما (أقدمهم على ما) أقدموا عليه، فإنّهم لكذلك إذ انفرجت لهم فرجة من الأرض كالوهدة، فأثارت لهم ذلك الرجل عريانا مشوّه
الخلق ميّت الدم جامد العينين، وهو يتكلّم بكلام عجيب لا يفقه. فلمّا فرغ من كلامه سقط ميّتا، فازداد ولههم وتضاعف جزعهم واحتملوه إلى منزله، فأخذهم الحرس وانطلقوا بهم مع الرجل الميّت إلى ابن المدبّر، فسألهم عن أمرهم فأخبروه، فعجب من ذلك وأمر أن يكتب ذلك الكلام على حسب ما لقنوه، فأقام يطلب من يفسّره (إلى أن لقي) رجلا من أهل العلم الأقصى يعرف شيئا من ذلك اللسان، فإذا معناه: هذا جزاء من طلب ما ليس له وكشف عمّا يخباه فليعتبر من رآه. فمنع ابن المدبّر من تعرض للأهرام وفي خبر آخر أنّ جماعة وجدوا في بعض البيوت الوسطى زلاقة إلى بئر، فنزلوها فوجدوا سربا، فساروا فيه نصف يوم حتّى انتهوا إلى حفير عميق، وفي عدوته باب لطيف يتبيّنون منه شعاع الذهب والجوهر، ومن رأس الحفير ممّا يليهم إلى الباب المحاذي لهم عمود حديد قد ألبس محورا من حديد يدور عليه ولا يستمسك. فاحتالوا في وقوفه وذهاب حركته فلم يصلوا إلى ذلك، فربطوا أحدهم في حبل وتعلّق به ليصل إلى الجانب الآخر، فدار به المحور فتحيّر وسقط، فخرجوا هاربين لا يلوون. ودخل نفر بعض الأسراب الّتي في الهرم فانتهوا إلى صنم أخضر في صورة شيخ بين يديه أصنام صغار (كأنّه يعلمهم، وساروا فوجدوا فوّارة تحت قبّة يقع فيها ماء من أعلى تلك القبّة، فيكون له نشيش شديد) كأنّه طفي نار ويغوص فيها فلا يتبيّن. فداروا فوجدوا بيتا مسدودا بحجر فيه دويّ
شديد لا يدرى ما هو، ووجدوا عنده شبيها بالمطهرة الكبيرة فيها دنانير عليها صورة أسد من وجه وصورة طير من وجه. فأخذ بعضهم منها شيئا، فلم يقدر على حركة ولا كلام حتّى طرحها من يده.
وكلّما فسد من هذه الأفرونيات وتهدّم وتغيّر مثل بربى بوصير وبربى سمنّود وغيرهما من الهياكل يتركهم الاستقصاء في أخذ الطالع وصحّته قبل وضع الأساس. وكذلك ما بقي منها فلقرب الطالع من الصحّة لأنّ الّذين بنوا هذه البرابي كانوا على بعد من الملك ولم يكونوا بحضرته، فيتقنون النظر كما اتّفق في عمل الأهرام. وهم لا يشكّون أنّهم لمّا هدموا بربى سمنّود فحملوا حجارته إلى أشتوم دمياط ووهبوا بقيته لبني الهندس أنّ اليوم الّذي فرغ من هدم الحائط الغربي دخل حباسه الإسكندرية وخربها وكثرت الرمال حتّى انقطع البحر في شهور الصيف وقلّ زكاء الزرع وكثر الفأر والجراد وأشياء من الفساد (كثيرة.
ويتحدّث أهل سمنّود عن هذا البربى بعجائب كثيرة) يطول شرحها، منها أنّ بعض من دخلها كتب على كتفه صورة من تلك الصور أعجبته، فانطبقت عينه حتّى أتاه من كتب على كتفه الصورة المحاذية لها فانفتحت عينه. قال الوصيفي: وأخبرني من أثق به أنّه رأى فيها صورة شيطانين تحوط بهما سلسلة بكتابة، وهما يمسكان طرفيها وبينهما كتابة. (فأخذ
صورته)، فكانت عنده إلى أن عرّفه بعض من رآها عنده أنّها حرز عظيم، وذكر أنّه لو جعل عليها لحما وجوّع كلبا أو شيئا من السباع وخلاه عليه لم يقرب منه. قال: فعجبت منه وامتحنت ذلك فوجدته كما ذكر.
قال الوصيفي: وقد رأيت أنا في بربى أخميم صورة عقرب، فألصقت عليها شمعا وكانت عندي، فلم أتركها في موضع إلّا انحاشت إليها العقارب، وإن كانت في تابوت اجتمعت تحته وحوله حتّى كنت أتجافى عن حملها.
فطلبها بعض إخواني ودفعتها إليه ورجعت إلى أخميم، فوجدت الصورة قد نقرت وأفسدت.
ومن المتعارف عند أهل أخميم أنّه كان في البربى صورة شيطان قائم على رجل واحدة وله يد واحدة وقد رفعها الهواء، وفي جبهته وحواليه كتابة وله إحليل ظاهر ملصّق بحائط البربى، فكان من احتال على ذلك الإحليل حتّى (نقب عليه ونزعه) من غير أن ينكسر، وعلّقه في وسطه لم يزل منعّظا إلى أن ينزعه ويجامع ما أحبّ ولا ينكسر ما دام عليه، وأنّ ابن أبي الغمر لمّا ولّي البلد أخبر بذلك فطلبه، فلم يوجد له غير صورة واحدة كانت قرب السقف، فاحتيل عليها حتّى أخذ له الإحليل، فكان يستعمله ويخبر بصحّته. وكانت فيها صورة بومة إذا ألصق عليها الشمع وجعل في
موضع لم تقربه بومة. وكانت فيها صورة شيطان يسوق كبشا بحبل في عنقه، فمن صوّره في صفيحة رصاص وما حوله من الكتابة وحمله معه ومرّ على قطيع من الكباش اتّبعته.
وفي بربى أخميم في الباب الّذي يدخل منه إلى المصعد في عقب الباب على يسار الداخل منه صورة رأس عظيم بلحية كبيرة وشعر كثير كأنّه رأس رومي بغير جسد، فذكروا أنّ الأوائل كانوا يبخرون ذلك الرأس ببخور لهم معروف، فكلّ من بخره وجد عنده دينارا، فكان ذلك معونة لأهل المسكنة. قال الوصيفي: فتصفّحت موضع الرأس فوجدت آثار البخور والطيب بيّنة (فيه و) في القبّة الداخلة الّتي (ينزل منها إلى) سطح البربى المعروفة بقبّة مسمطاسيين، ولها بخور وكلام، من تكلّم به وسأل عن كلّ أمر أخبر به من البئر بكلام يسمعه ويفهمه.
وفي بربى قفط صورة رجل جالس في دائرة وحوله كتابة وعلى جميع دور الدائرة شياطين قيام بأيديهم حراب، يرمون بها ذلك الرجل، والرجل رافع يده كأنّه يرميهم. فيقال إنّه من صوّر تلك الصورة في صفيحة ذهب وحملها معه ودخل الحرب لم يضرّه ولا عمل فيه حديد ولا غيره. يعمل ذلك في أوّل الهلال ويكون المشتري مسعودا. وحذاء هذه الدائرة من الجانب الآخر دائرة أخرى فيها رجل مكتوب على وجهه وحوله شياطين بأيديهم
حراب يضربونه بها، وقد شكّوها في جسمه. فيقال إنّ من صوّر مثلها في صفيحة رصاص باسم عدوّ له وبخرها بشعر جمل في آخر الشهر ودفنها في ناووس تحت رأس ميّت لحقه كلّ مكروه ولم يزل عدوّه فزعا ميّت القلب، فإن تركت أكثر من ثلاث خيف عليه الهلاك، فإذا أخرجت وغسلت بماء بئر لا تراها الشمس وجعل ذلك الماء في إناء (مزجج أو في قدر حديد) وشربها الرجل وجرد نقش تلك الصفيحة زال عنه ما يجده.
وعلى باب بربى أخميم طلسم: قطعة من حجر في صورة القلنسوة الطويلة معقّفة الرأس كأنّها منقار، يقال إنّ تحتها مالا عظيما، فجهد جماعة من الولاة أنفسهم في قلعها أو كسرها فلم يصلوا إلى ذلك، وتكسّرت المعاول عليها ولم يتثلّم منها شيء.
وأخبرني رجل بأخميم أنّه رأى هناك صورة استحسنها، وهي صورة إنسان على رأسه طائر وإلى جانبه كلب رابض وتحت رجليه كتابة، وأنّه صوّرها في قرطاس كما رآها وحملها في جيبه، فأقام ثلاثة أيّام لم يجع ولم يأكل ولا اشتهى شيئا من الطعام، ولم يدر السبب في ذلك. ثمّ إنّه فكّر في تلك الصورة فنحاها عنه فاشتهى الطعام وأكل، فحدّث بذلك بعض الولاة فأخذها منه ورجع إلى البربى يطلبها، فأشكل عليه موضعها ولم يصل إليها إلى أن أخبرني بذلك.
وحدّث رجل منهم أنّ رجلا من أهل المشرق نزل عليهم وكان بصيرا، فتذاكروا أمر البربى فقال بعضهم: إنّي رأيت صورة إنسان عريان مؤتزر بمئزر وفي يده اليمنى فأس له رأسان وفيه قفّة معلّقة. (فقال الشرقي): إنّ لهذه الصورة عملا ينتفع به، فانسخه لي وما حوله من الكتابة، وليس يعمل بها إلّا أن تفسد من البربى. قال: فصوّرتها له فقال لي: أفسدها أخبرك بنفعها، فأطمعني في علم ذلك وأفسدتها وخدّشتها بمنقار كان معي حتّى انطمست وسألته عن العلم، فخلط عليّ وجرى ذكرها، (ثمّ إنّي بعد مدّة تذاكرت خبرها) مع قوم نزلوا عندنا، فتلهّف أحدهم عليها فسألته عن أمرها فقال إنّها إذا وضعت في موضع فيه كنز تحرّك ذلك الموضع وارتفع منه كالغبار، فعلم أنّ فيه خبئا، وهذه دلالة الكنوز فأغمّني إذ كنت أفسدتها.
قال الوصيفي: وحدّثني من أثق به أنّهم أصابوا ببعض البرابي أشنانة زجاج أحمر مربّعة العمل موضوعة في طاق وفيها ماء أصفر، فلم يدروا لم يصلح، فأهرقوه منها وأخذها أحدهم، فأقامت عنده مدّة يستعملها، إلى أن رآها عنده رجل غريب (نزل عليهم، فاستطرفه فسأله عنها)، فأخبره بأمرها والماء الّذي كان فيها، فتلهّف ذلك الرجل على الماء وقال: لقد أضعتم علما كبيرا وخيرا كثيرا. وقال: إنّكم لو حميتم الفضّة وغمستموها في ذلك الماء لصارت ذهبا أحمر يحتاج إلى أزواج كثيرة (وأضعافا كثيرة حتّى يصير
ذهبا حسنا جيّدا). قال: فندمت على تفريطنا في ذلك الماء. فلمّا رأى ندمي ضحك وقال: أتحبّ أن أريك منها عجبا؟ قلت: نعم. قال:
زنها واعرف وزنها. ففعلت فوجدت فيها أربعة أرطال، فقال: املأها ماء أو ما أحببت. فملأتها فقال لي: زنها الآن، فوزنتها فوجدت وزنها وهي ملئة مثل وزنها وهي فارغة أربعة أرطال، لا تزيد ولا تنقص. فعجبت من ذلك وشاع خبرها فاتّصل ببعض الولاة فوجّه إليّ وأخذها.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع