تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

ذكر أوّل من ولّي مصر من الملوك

أوّل من ولي مصر عند قسمة الأرض بين ولد آدم زمن أنوش بوصيّة آدم ﵇ نقراوش الجبّار بن مصريم، ويقال مصرام بن براكيل (بن راذيل بن غرناب) بن آدم ﵇، خرج إليها في خمسة وثمانين من ولد أبيه غرناب، وله حمل من طشهرة ابنة هرم، فولدت له ولدا سمّاه مصرم باسم أبيه. ومعنى نقراوش الملك على ولد أبيه، وهو لقب واسمه قرناش. وهو أوّل من اتّخذ المصانع وعمل الطلسمات وأقام الأساطين ورمز عليها التواريخ وبنى المدائن، وهو الّذي حفر النيل وكان قبل ينقطع ويستنقع وعمل للتماسيح في آخر بلاد النوبة صنمين على شرقيّ النيل وغربيّه ورمز فيها رموزا امتنعت التماسيح أن تنحدر فيه.

وكانت كتابتهم بقلم الخلقطير، وهو قلم آدم ﵇، وكان كاهنا عالما لربي من الجنّ من ولد الأسمور يقال له نكور، وكان قد وقع إليه بعض العلوم الّتي كان درابيل الملك علّمها لآدم، وعمل عجائب كثيرة

منها صورة طير على أسطوانة عالية يصفّر كلّ يوم مرّتين عند طلوع الشمس وعند غروبها تصفيرا مختلفا يستدلّون به على ما يكون من الحوادث فيتأهّبون لها، وعمل صنمين من حجر أسود في وسط المدينة، إذا نظر إليها السارق لم يقدر على الانحياز عنهما حتّى يسلك بينهما فينطبقان عليه. وعمل في مدينة برسان، وهي الّتي بناها لابنه مصرم، قبّة ذهب على منار عال لا تزال عليها سحب تمنعها من الشمس، فهلكت في الطوفان. وعمل على حدود برسان أصناما موجّهة إلى نواح مختلفة، إذا قصد (عليهم قاصد لسوء) أرسلن عليه نارا أحرقته. وملكهم مائتي سنة وثلاثين سنة، فلمّا مات أقاموا يبكون عليه ويطوفون به على أعناقهم ثلاثين سنة.

ثمّ ملكهم بعده ابنه نقراوش، وكان عابدا لزحل، وحارب أمّة من الجنّ حتّى أدخلها في طاعته بالعزائم الشداد، فبنى في صحراء الغرب مدائن معلّقات على أساطين تحيط بها مشبّكات من الذهب، وجعل فيها خزائن الحكمة، ولها أبواب تحت الأرض لا يوصل إليها إلّا منها، وجعل لها أقفالا ومفاتيح مدبّرات. وكانت ثلاث مدائن في كلّ مدينة ثلاث خزائن فيها عجائب العلم وطرائف الحكمة ورموز الصنعة وأجرام من الماء المعقود لا يتحلّل ومن الهواء المتجمّد لا يضمحلّ، وفيها مطهرة من ماء الحياة الصنعي الإلهي. وفيها صور الكواكب على أصنافها في بيوت شرفها وعلى رؤوسها أكاليل الغلبة وبإزائها صور الحكماء القيّمين بأمورها بأيديهم مصاحف الصنعة وجميع الطلسمات والعلوم. وذلك كلّه من ضروب الأحجار الرفيعة والجواهر النفيسة والأجرام العجيبة ممّا يطول الكتاب بشرحه ويخرج من حدّ ما ألفناه له باستقصائه.

وجعل تحت الأساطين الّتي هذه المدن عليها خبايا عظيمة من الجوهر النفيس والدرّ الخطير وسبائك الذهب والفضّة (والحجارة الرفيعة) والبورقات الأصلية والعقاقير والمكتومة والأدوية المؤلّفة، وصور هذه الخزائن في كلّ بربى من برابي مصر قد رمزوا عليها بخطوطهم المؤلّفة، وخبرها مشهور في جميع مصاحفهم القديمة وهياكلهم المرسومة. وبنى نقراوش مدينة عمل فيها الجنّة بزعمه وجعل لها أسرابا تحت الأرض يوصل منها إلى هذه الثلاث مدائن ويوصل من بعضها إلى بعض. وملكهم مائة سنة وسبع سنين.

ثمّ ملك بعده أخوه سورث، وكان فيما يقال مؤمنا موحّدا فأغلق هياكل الكواكب، وقلّ ماء النيل فرفضه بنو أبيه وخلعوه وملّكوا أمرهم أخاه الأصغر مصرام المتقدّم الذكر. وكان جبّارا يطلب الحكمة، فزاد في هياكل الكواكب ودخنها وقرابينها واحتفل في كساها وسندنتها، وذلّل الأسد فركبها. وكان له ربّي فأمره أن يحتجب عن الناس وسحره، فألقى على وجهه نورا لا يتمكّن أحد من النظر إليه، فادّعى الإلهية ودعا الناس إلى عبادته، وزعم أنّ الأوطمس ألقى فيه روحه وأمره بذلك. وغاب عن الناس ثلاثين سنة واستخلف عليهم رجلا من قومه يقال له اللهون، وعمل في غيبته عرشا عظيما من عظام دوابّ (البحر ودوابّ) ولدها من الوحوش والسباع وعمّره بالأبالسة وركبه، ومضى به الربي حتّى أشرف على البحر الأسود، فجعل في وسطه صنما من حجر أبيض (وزبر عليه) اسمه وجعله قربانا للشمس.

وعمل قلعة الفضّة الّتي في البحر الأسود، وذكر ذلك أليوس الكاهن في سفر ملوكهم. ورمز على كلّ صنم هناك: أنا مصرام الجبّار ومدوّخ»

الأشرار وجامع الأخيار وكاشف الأسرار والعالم القهّار، عرفت حقائق الأشياء وقدرت على تشتيت العقاقير ووضعت الطلسمات الصادقة والصور الناطقة وأظهرت الحكمة العجيبة وكشفت الأمور الغريبة ونصبت الأعلام الهائلة على البحار السائلة وأقمت أصنام القرابين من عظام التّنانين ليعلم من بعدي أنّه لا ملك مثلي. وعمل في برسان شجرة يؤكل منها كلّ فاكهة وقبّة من زجاج أحمر على رأسها صنم يدور مع الشمس، ووكل بأقرانها شياطين إذا اختلط الظلام نادى كلّ شيطان منها في الناحية الّتي تليه: لا يخرج أحد من منزله حتّى يصبح، وإلّا هلك. وهو أوّل من عمل له الحمّام وركب الوحوش الصعبة وأحبّ الناس أن ينظروا إليه بعد هذه المدّة، فاجتمعوا إلى اللهون ورغبوا إليه أن يسأله ذلك، ففعل فأمر مناديا أن ينادي في الناس وأن يوجّه إلى جميع النواحي في حشرهم وجمعهم. فلمّا حضروا جلس لهم في مجلس عال قد زيّنه بأصناف الزينة وظهر لهم في صورة هالتهم، وملأت قلوبهم رعبا، فخرّوا له على وجوههم ودعوا وشكروا إيّاه. ومات ولم يعقب.

وبمصرام هذا سمّيت مصر لمّا دعا الناس إلى عبادته بعد الآلهة الّتي كان يتعبّد لها، وعلى ذلك سمّي مصريم بن بيصر بن حام، وكان اسم مصر قبل ذلك أمسوس، وقيل إنّ اسمها كان مقدونية، وقيل إنّ اسمها كان في

القديم أباريا، وقد قيل إنّ مصرام أوّل من بناها، وهذا لا يصحّ. وبلغ مصرام بسحره وكهانته ما لم يبلغه أحد قبله ولا بعده.

وملك بعده عنقام الكاهن، فأقام فيهم. عادلا بينهم رفيقا بهم، (وكانت همّته) الإصلاح والعمارة والإحسان إلى الناس. وفي أيّامه رفع إدريس ﵇، وحدثت في وقته نار في الهواء أقامت ثلاثة أيّام.

وملكهم عنقام إحدى وتسعين سنة وهلك، فأمرهم أن يدفنوه في الهيكل الّذي عمله للشمس في جرن من حجر أحمر ويلطّخوا جسده بالموميا وتكون أكفانه من ثياب عملها من شعور ذبائح القرابين (ويجعل معه شيء من عظامها ويدفن معه سيره. وذكر أيّامه في مصحف اتّخذه من جلود حيوان القرابين) وأمرهم (أن لا يقرب) بشيء من الذهب ولا الطيب.

وملك بعده ابنه عرباق، وفي وقته نزل هاروت وماروت وعلّماه أصنافا من السحر وعملا بمصر عجائب كثيرة، وكانا في بئر هنالك يقال له ربعوة. وقال أكثر المصريين إنّ هبوطهما كان من بعد الطوفان، ثمّ انتقلا من أرض مصر إلى أرض بابل. فرفض عرباق الهياكل واستخفّ بالسدنة، وكان منهمكا في الشرب والفسوق يشرب كلّ يوم مائتي رطل ويغتصب النساء على أنفسهنّ، ولا يسمع بامرأة حسناء إلّا نقلها إليه، وقتل من رادّه (في ذلك)، وأقام يسوم قومه كلّ خسف ثمانين سنة، وكان يسكن

الجنّة الّتي عملها نقراوش الملك. فسمّته امرأة من المغتصبات يقال لها شارد، هكذا في كتاب الوراثة لهود، وفي كتاب المصريّين هرشة.

وملك بعده لوحيم من ولد نقراوش الملك، فأحسن السيرة وأجهد نفسه في مصالح الرعية وبدأ بإصلاح الهياكل وتجديد المصاحف، وأمر بإحضار الكهنة والعلماء من أصحاب الطبائع والطبّ والصنائع والنجامة والهندسة، فكانوا سبعة آلاف رجل ومائة (وأربعين رجلا)، منهم الكهنة ألفان وثلاثمائة، فيهم من الناظرين- وهم رؤساء الكهّان- سبعمائة، وبقية العدد حكماء في جميع الأعمال والعلم. فأمر بإثبات أسمائهم وإجراء ما يكفي كل واحد منهم، (وأمر أن يعمل له كلّ واحد) أغرب ما يقدر عليه من الأعمال، وأمر أن يبنى له بناحية وفودة- وهي الإسكندرية- مدينة ميلا في ميل من رخام ملوّن مشقوقة بجميع الأنهار، ويقال إنّ هذه المدينة مدفونة تحت الإسكندرية، وفيها حكم عجيبة. وفي وقته عملت أصنام درج الفلك ثلاثمائة وستّين صنما، وسمّاها أرباب الصناعات لأنّ في يد (كلّ واحد منهم) صناعة يعالجها. وفي وقته عمل بيت الموجة، وصوّرت فيه صورة كلّ كوكب في كلّ درجة من درج الفلك. وفي وقته عملت المدينة اللطيفة الّتي تدور عن القاصد إليها فلا يقدر على دخولها إلّا بحكمة قد عملت لها وجعلت إلى الوصول إليها. وعمل في وقته القبّة الّتي عليها الأصنام الموجّهة إلى جميع الجهات، وفي أعناقها أجراس، فإذا قصد بلدهم قاصد تحرّكت الأجراس الّتي تلي تلك الناحية وعلى قدر الزيادة والنقصان في أصواتها يكون ما يتخوّفونه من ضرر ذلك الوجه، فيتأهّبون لإزالته عنهم،

وما عملوه بتلك الصور لحق من قصدهم من المكروه مثله. (وعمل مارستانات) جعل فيها جميع الأدوية والعقاقير للمرضى، ولم يترك حالة من وجوه البرّ إلّا عمله.

وخرج إلى ناحية المغرب حتّى بلغ وادي الرمل وعمل هناك منارا، ويقال إنّه قطع الوادي بالحيلة والسحر حتّى أشرف على الفوه الّتي يعتصر ماء البحر فيها وسمع دويا عظيما أجزعه وهاله، فرجع إلى أمسوس وسكن الجنّة الّتي عملها أبوه. وقد كان زوج هرشة الّتي سمّت عرباق، فولدت له كسفون، فقلّده الملك وطاف به على الهياكل وصوّر صورته فيها.

ثمّ استتر يرصد الفلك حتّى رأى مسير الكواكب، ومات في استتاره، وكان ملكه إلى أن قلّد ابنه مائة سنة.

فلمّا ملك كسفون لم تكن له همّة إلّا الأكل والشرب والنساء، واستوزر سبعة من الكهنة يقيمون أمره، فكان أجلّهم عنده رجل يسمّى مزنة وكان له روحاني يتبعه، فأمره بوقود النار والتقرّب إليها، فأعلم بذلك كسفون وقال له: إنّ في ذلك قوام ملكك. فأطلق له فعله فبنيت بيوت النيران وعظمت وأقيمت لها الأعياد، فكانت تلك النار لا تضرّ البريء إذا دخل فيها وتحرق المذنب، فكان الناس يتناصفون قبل الوصول إليها.

وفي وقته كانت سمندارة الكاهنة وكانت تناله بصنم لها يقال له أبرنج، ولها عرش تجلس فيه، فكانت الشمس لا تصل إليه، وكانت تخبرهم بما يعملون في بيوتهم وما يجري بينهم وبين نسائهم (وتجترّ الأشياء إليها بسحرها)، ولها مع كسفون خبر طويل. وهي الّتي نفخت في إحليل فتى كانت تحبّه فهيّمته، وأخرجها قومها من بينهم إلى ناحية الشام. وهلك كسفون بعد أن ملكهم سبعا وسبعين سنة من سقطة سقطها من بناء عال فاندقّت عنقه ومات.

وملك ابنه خصليم، وكان أبوه قد شرك في الملك بينه وبين (ابنته أخت خصليم من أمّه)، وكانت من أعقل أهل زمانها. وهي التي عملت على حافة النيل بيتا من رخام وفي وسطه بركة صغيرة وفيها ماء موزون على مقدار معلوم، وعلى حافة البركة طائران من نحاس على صورة عقابين ذكر وأنثى، فإذا كان في أوّل الشهر الّذي تسمّيه القبط بونة - وهو الشهر الّذي يزيد فيه الماء- فتح الباب وأحضر أمناء الكهّان وتكلّموا بكلام لهم، فيصفّر أحد الطائرين، فإن صفر الذكر كان الماء زائدا وإن صفرت الأنثى كان الماء ناقصا، ثمّ يفتقدون الماء، فكلّ إصبع يزيد على الماء الموزون فهو ذراع من زيادة النيل، وكلّ إصبع ينقص من ذلك الماء فهو ذراع ينقص من ماء النيل، فإن رأوه زيادة مسرفة تفقّدوا الجسور وإن رأوا نقصانا زادوا في حفر التراع.

وولد خصليم من الحمر والبقر دوابّا مركوبة لها قوة شديدة وعمل عجائب. وتعشّق جارية لأخته يقال لها خولا ووقع بينه وبين أخته نفار من أجلها، فتحوّلت إلى شرقيّ النيل وبنت هناك مدينة لطيفة وهيكلا (تنفرد فيه) حتّى رأت وهي نائمة في هيكلها الّذي بنته للزهرة كأنّها بين يدي الزهرة وهي تخاطبها وتقول لها: لأيّ شيء وجدت على أخيك في جاريتك فلانة؟ قالت: لأنّي أنفت له منها ولم آمن أن تلد له فتضع من قدره. قالت: وأيّ ضعة في ذلك وأنتم معشر البشر من أب واحد وأمّ واحدة؟ وإنّما تعاليتم فاستعبد بعضكم بعضا، واعلمي أنّه لابدّ لأخيك منها وأنّه لا يولد له من غيرها، وسيولد له منها ولد ويكون مرضيّا عدلا معظّما للآلهة تنزل روحانياتها عليه ويملك الناس دهرا طويلا وتكون أيّامه سعيدة، ولا يزال الناس بعده في دون أيّامه إلى أن تكون الآية الحادثة من السّماء، وإلى كذا وكذا يكون اجتماعهما وتحمل منه بعد كذا وكذا وهو وقت مسعود، وسيراها أخوك في منامه وتشكو إليه وجدها به، فيزداد شغفه بها وسيذكر لك أمرها فلا تخالفي فيها عليه.

فلمّا كان بعد حين خاطبها أخوها فيها فعرّفته أنّها لم تكن منعته إلّا ضنّا بمثله عنها، إلى أن عرفت أنّه لا يكون له ولد إلّا منها، ولعلّ في اجتماعهما خيرا كثيرا. وزيّنت الجارية بأحسن زينة وأجلّ المتاع وبعثتها إليه، وخلا بها الملك وسرّ بها سرورا مفرطا. وعزم الملك على أخته خردادمة أن تعود

إلى موضعها وتنظر فيما يخصّ ويعمّ من أمر المملكة. وسار إليها جماعة من الكهنة فأعلموها أنّ قيامها بشأن الرعية وانقيادها لأمر أخيها أعود عليها بما تبتغيه من الأجر، فرجعت إلى دار الملك وكانت تزور موضعها ذلك وهيكلها. ووضعت خولا للملك ولدا سمّاه هرصال أي خادم الزهرة، وشبّ أحسن شباب وطلب الحكمة من كلّ فنّ فصار من أهلها. ومات أبوه من سيل أصابه بعد أن ملكهم ثمانيا وسبعين سنة.

وملك (بعده ابنه) هرصال، فعمل عجائب منها صنم يدور بدوران الشمس فيمسي مغربا ويصبح مشرقا وتنكر حتّى تشقّ الأمم وتبيّن اختلاف الأهوية وأخلاق الناس وعجائب البلدان. ثمّ انصرف بعد مدّة، وفي أوّل أيّامه ولد نوح ﵇. وبعد مائة سنة من ملكه لزم بعض الهياكل متعبّدا وتجلّت عليه روحانية الكواكب فيما زعموا، فحجبته عن أعين الناس فلم يعرف له خبر ولا عمل له ناووس (وتجلّت عليه تلك القوى) بعد لزومه الهيكل عشرين سنة، وبقي الناس بعد ذلك لا يشكّون في حياته سبع سنين إلى أن تشاجر بنوه فاستبان الناس أنّه مفقود.

وكانت مدّة ملكه مائة وسبعا وعشرين سنة.

ثمّ ملك الناس بعده ابنه فدرشان بعد اختلافهم في أيّ بنيه يملّكونه، فغلبت عليه امرأة (من نسائه) من بنات الكهنة فسحرته

فانفردت به، وكان أكثر مقامها معه في جبل المقطّم في مصانع بناها أجداده على نهر هناك، فتصيّد يوما بين تلك الجبال فسقط في وهدة فهلك. وقد كان أولد الساحرة ولدا مشوّه الخلق، وكانت أمّه قد جعلته وقفا على الشمس وسادنا لصنم الشمس. وقد كان وقت هلاك أبيه صغيرا، فسترت الساحرة موته وكانت تراسل الناس عنه وتوهمهم أنّه حيّ، فأقامت على ذلك تسع سنين إلى أن تداعى إخوته بعصيانه، وقد كان غرّبهم ونفاهم، فرجعوا إليه فيمن قدروا من الناس والقائم بأمرهم شمرود بن هرصال، فكانت بينه وبين السّاحرة حروب، ثمّ غلب على أمسوس دار الملك، فكانت مدّة ملك فدرشان إلى أن ملك شمرود أربعا وثمانين سنة.

فملكهم شمرود (وأيّد وقهرهم) وغيّر معالم أخيه فدرشان وجعل لمن ورد عليه من ولده ما فعل هو بهم، واحتجبت عنه الساحرة وابنها بسحرها فلم يقدر عليها، واحتملت هي وابنها إلى مدينة كان السحرة يجتمعون بها في ذلك الزمان بناحية أنصنا، فأقامت بينهم وعرّفتهم أنّ ابنها هو الملك وأنّ أباه قلّده ولا بدّ له من الغلبة والقهر. فصدّقتها جماعتهم وبنوا للغلام بنيانا عظيما تحصّن به هو وأمّه، وحصّنت الساحرة تلك المدينة وبنت عليها الطلسمات وأظهرت الأموال ودعت الناس إلى ابنها، فاستفحل أمرها وجيّشت الجيوش إلى شمرود، فكانت بينهم حروب وضروب من السّحر من التصادم في الهواء وإظهار النيران في الجو وغير ذلك، وكانت الغلبة لها، فتعلّق شمرود ببعض البلاد هو وإخوته وظفرت هي بدار المملكة والجنّة الّتي كانت لهم، وأجلست ابنها على سرير الملك.

وكان اسمه تسيدون باسم الشمس، ولم تزل في طلب شمرود إلى أن ظفرت به، فأمرت بشدّ رأسه باسطوانة ورجليه بأخرى. وكان طوله فيما تقول القبط عشرين ذراعا، فتزعم القبط أنّ السّاحرة جعلته حجرا، وقيل أيضا إنّها كانت تجفّف منه عضوا عضوا حتّى جفّ كلّه. ووطأت الملك لابنها وخرج كاهنا عرّافا منجّما، وجلبت إبليس وكان يسعى في حوائجه وأكثر العجائب (عملت في وقته) منها قبّة الزجاج الكرّية الدائرة بدوران الفلك وفيها صور الكواكب الثابتة والنيّرة ودرجها، فكانوا يأخذون الطالع منها، وهذا من عمل الشياطين وغير ذلك ممّا لا نستجيز ذكره لخروجه عن المعقول.

وبعد ستّين سنة من ملكه ماتت الساحرة، وقيل إنّها أمرت أن يحمل جسدها تحت صنم القمر فتخبرهم بكلّ ما يسألونه عنه، ففعلوا ذلك وكان كما قالت، وعلّمت ابنها كثيرا من علمها. ونكح ابنها أخته فولدت له ولدا سمّاه سرباق باسم أحد الأبالسة الّذين تجلّبتهم إليه. ولمّا علم بحضور وفاته أمر أن يعمل له صورة صنم من زجاج على شقّتين (ويوضع في إحداهما ويطبق عليه الأخرى ويلحم بزجاج ولا يوضع على جسده غير لطوخ (؟) الموميا والعقاقير الممسكة)، وأن يوضع ذلك الصنم في الهيكل مع الأصنام القائمة الناطقة.

وملك ابنه سرباق وعمل عجائب، منها أنّه عمل على كلّ مدينة من مدنه صورة بطّة من نحاس، فإذا جاء الغريب ليدخل إليها صرخت تلك البطّة وسفقت بجناحيها، فيعلم أنّ غريبا دخل فيطلب. وإنّما فعل ذلك لأنّ بعض الملوك أراد غدره، فظفر به سرباق وملكهم مائة وثلاث سنين.

ثمّ ملك أخوه شهلوق، وهو الّذي رتّب مراتب الناس وقسم ماء النيل أقساما، (ورتّب على أهل كلّ صناعة رئيسا)، (وأقام سحرة لقسم) الطرقات على الوحش فلا يسلك بعضها طريق بعض، وأقام لجميع أسباب الضرر طلسمات بدفعها ولم يترك شيئا فيه خير وفضل إلّا عمله.

فلمّا تفرّغ من ذلك انفرد لجمع العلوم وتخليدها في الكتب وكنز الكنوز، وكنز خمسة وأربعين كنزا. وملكهم مائة وتسع سنين.

ثمّ ملك ابنه سوريد صاحب الأهرام، وقد تقدّم ذكره.

وملك بعده أخوه هرجيت، وهو أوّل من كسا الهرمين بألف ألف ثوب في عرض كثير وطول كبير إعظاما لأبيه وأخيه، وفي زمنه ابتدأ عقم النساء لما تقارب من وقت هلاك الأمّة.

وملك بعده ابنه مناوش، فظلم وسفك الدماء واغتصب مائة وسبعين امرأة واستخرج كثيرا من كنوز أبيه، فبنى منها قصورا ورصّعها بالجوهر والياقوت وعمل فيها بركا صبّ فيها الجواهر وأرسل عليها المياه، واستجهل من مضى من آبائه، (واستعبد الناس) واستخفّ بالهياكل.

وفي زمنه كان فرناس الّذي كان يعدّ بألف رجل وحده وكان يقاتل أمّة وحده، وكان من رجاله، (وقد وفد عليه) من بقية ولد آدم، وكان يختطف الرجل بيده فيضرب به الجماعة فيقتلهم معا. وأقام مناوش ملكا ثلاثا وثلاثين سنة.

وملك بعده أخوه أفروس فترك الظلم وتحبّب إلى الناس وعمل عجائب، منها قبّة في الجنّة الّتي كانت لنقراوش لطخها بلطوخات، فإذا كان الليل اشتعلت نارا ترى على البعد واتّقدت إلى الصبح، فإذا طلعت الشمس ارتفع ذلك الوقيد. وطلب النسل من ثلاثمائة امرأة فلم يقدر عليه لأنّ أرحام النساء عقمت. وفي وقته شاع خبر نوح ﵇ وإنكاره للأصنام.

وملك أربعا وتسعين سنة ولم يكن له ولد ولا أخ.

فارتضى الناس من أهل بيت المملكة أرمالينوس فشرك في أمره فرعان بن مسور من بني عمّه، وكان أحد الجبابرة (فرعان هذا) ومن رؤساء

السحرة، فقهر له أعداءه وفتح البلاد، فبعثت فيه امرأة من نساء الملك ووافقته على أن تقتل الملك بالسمّ ويلي فرعان الملك ففعلت.

وملك فرعان وتجبّر وعلا وقهر، وأصل الفراعنة مشتقّ من اسمه. وكتب إلى فرعان درمشيل بن عويل الأكبر يذكر له خبر نوح (أنّه قد ظهر)، فكتب إليه فرعان يشير عليه بقتله، فهلك هو ودرمشيل في الطوفان، (والله بغيبه أعلم).

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.