من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
ذكر أوّل من نزل مصر بعد الطوفان
وأوّل من نزلها بعد الطوفان (مصريم بن بيصر) بن حام بن نوح بدعوة سبقت له من جدّه. وروي عن ابن عبّاس أنّه قال: دعا نوح ﵇ لمصريم بن بيصر بن حام بن نوح، وهو أبو القبط، فقال: اللهمّ بارك فيه وفي ذرّيته وأسكنه الأرض المباركة الّتي هي أمّ البلاد وغوث العباد والّتي نهرها أفضل (أنهار الدّنيا)، واجعل فيها أفضل البركات وسخّر له ولولده الأرض وذلّلها لهم وقوّهم عليها.
وكان السبب في نزوله إيّاها أنّ فيلمون الكاهن سأل نوحا ﵇ أن يخلّصه بأهله وولده بعد أن صدّقه وآمن بالله. فلمّا انجلى الطوفان قال له: يا نبيّ الله اجعل لي رفعة وقدرا أذكر به بعدي. فزوّج نوح بيصر بن حام من بنت فيلمون، فولدت له ولدا سمّاه فيلمون مصريم باسم جدّه.
فلمّا أراد نوح قسمة الأرض بين بنيه قال له فيلمون: يا نبيّ الله إنّ بلدي أولى الناس به ابني، فابعثه معي وأمضي به إليه وأظهره على كنوزه وأوقفه على علومه ورموزه. فأنفذه معه ومع جماعة من أهل بيته ذوي أيد وقوّة، فقطعوا الصخور وبنوا المعالم والمصانع. وقيل إنّ عددهم كان ثلاثين رجلا وبنوا مدينة سمّوها ماقة، ومعنى ماقة بلغتهم ثلاثون، وهي منف.
وكشف فيلمون عن كنوز مصر وعلّمهم خطّ البرابي و (أبان لهم المعادن من الذهب) والزبرجد والفيروزج وغير ذلك وأطلعهم على عمل الصنعة، فجعل الملك أمرها إلى رجل من أهل بيته يقال له مقيطام»
، فكان يعمل الكيمياء في الجبل الشرقي، فسمّي به المقطّم. وتزوّج مصريم امرأة من بنات الكهنة، فولدت له أربعة نفر منهم قفطيم.
وإليه عهد بعد موته، وأمره أن يحفر له تحت الأرض سربا ويفرشه بالمرمر الأبيض ويجعل جسده فيه ويدفن معه جميع ما في خزائنه. فحفروا له سربا طوله مائة وخمسون ذراعا وجعلوا في وسطه مجلسا مصفّحا
بصفائح الذهب، له أربعة أبواب على كلّ باب تمثال من ذهب عليه تاج مرصّع بالجوهر، جالس على كرسي من ذهب قوائمه من زبرجد، ونقشوا في صدر كلّ تمثال آيات عظام واسما من أسماء الله تعالى مانعة من أخذه.
وجعلوا جسده في جرن من زبرجد مصفّح بالذهب ورمزوا على مجلسه:
مات مصريم بن بيصر بن حام بعد سبعمائة سنة مضت من أيّام الطوفان ومات ولم يعبد الأصنام إذ لا هرم ولا أسقام (ولا حزن ولا اهتمام) وحصن مجلسه هذا بأسماء الله العظام لا يصل إليه إلّا ملك ولد له سبعة ملوك يدين بدين الملك الديّان ويؤمن بالمبعوث بالقرآن الداعي إلى الإيمان الطاهر في آخر الزمان. وجعلوا معه في ذلك المجلس ألف قطعة من (الزبرجد المخروط) وألف تمثال من الجوهر النفيس وألف برنية مملوءة درّا من الدر الفاخر، ووضعوا هناك الصنعة الإلهية والعقاقير السرّية والطلسمات العجيبة وأكوام سبائك الذهب بعضها على بعض، وسقفوا ذلك بالصخور العظام وجعلوا فوقها الرمال بين جبلين متقابلين بينهما علامات.
وولي ابنه قفطيم الملك بعده وأقباط مصر بنوه، وهو أوّل من عمل العجائب وشقّ الأنهار ولحق البلبلة وخرج منها بهذه اللغة القبطية، وملكهم ثمانين سنة، ودفن في سرب تحت الجبل الكبير الداخل وصفح بالمرمر وجعلت فيه (منافذ للريح، فهي تتخرّق فيه بدوىّ عظيم هائل وجعلت) أكراس نحاس مطلية بأدوية مشعّلة لا تطفأ أبدا، ولطخوا جسده بالمرّ والكافور والموميا، وجعلوه في جرن من ذهب في ثياب منسوجة بالدرّ والمرجان، وكشفوا عن وجهه، والجرن تحت قبّة عظيمة على عمد مرمر
ملوّنة، (وفي وسط القبّة جوهرة معلّقة كالسراج المضيء، وبين كلّ عمودين تمثال في يده أعجوبة، وجعلوا حول الجرن توابيت مملوءة) جوهرا ودرّا نفيسا ومصاحف الحكمة، وسدّوا على جميع ذلك الصخور والرصاص ورمزوا عليه كما رمزوا على ناووس أبيه.
وتولّى بعده ابنه قفطويم، وكان جبّارا عظيم الخلق، وفي أيّامه هلكت عاد بالريح. وبقي ملكا أربعمائة سنة، وكان قد عمل لنفسه قبل موته سربا تحت الأرض معقودا على آزاج في الجبل الغربي قرب مدينة العمد، ونقر تحت الجبل كهيئة الدار العظيمة، وجعل تحت دورها خزائن واسعة منقورة، وجعل في أعلاها مسارب الرّياح، وبلطت جميع الدار بالمرمر. وجعل في وسط الدار مجلسا مثمنا ملوّنا مصفّحا بالزجاج الملوّن والذهب، وجعل في سقفه جوهرا وحجارة تسرج، وفي كلّ ركن من أركان المجلس تمثال ذهب بيده كالبوق الّذي يبوّق به، وجعل تحت القبّة دكّة مصفّحة بالذهب (مطوّقة بالزبرجد، وفرش فوق الدكّة فرش خزّ منسوج بالذهب)، وجعل جسده عليها بعد أن طلي بالأطلية المجفّفة وجعل حواليه آلات كافور مخروطة، وسدلت عليه ثياب منسوجة بالذهب، ووجهه مكشوف وعلى رأسه تاج مكلّل وعلى صدره من فوق الثياب سيف صاعقي قائمه زبرجد، وعلى جوانب الدكّة أربعة تماثيل مجوّفة من زجاج مسبوك في صور النساء وألوانهنّ وبأيديهنّ كالمراوح من ذهب. وجعل في تلك الخزائن من الزبرجد والياقوت والذهب المسبوك وفاخر الجوهر والدرّ وبرابي (؟) الحكمة وأصناف العقاقير والطلسمات والمصاحف الحاوية لجميع العلوم ما لا يحصى قدره كثرة. وجعل على مدخل كلّ أزج صورتين من نحاس
مشوّهتين بأيديهما سيفان كالبرق، وقدّامهما بلاطة تحتها لوالب، فمن وطئها ضرباه بسيفيهما فقتلاه. وسدّت أبواب الآزاج بالأساطين المرصّعة ورصّوا على سقف البلاط بالصخور العظام وردموا فوقها الرمال ورمزوا على باب الأزج: هذا المدخل إلى جسد الملك العظيم المهيب الكريم السيّد قفطويم ذي الأيد والفخر والغلبة والقهر، فلا يصل أحد إليه ولا يقدر عليه أفل شخصه وجسمه، وبقي ذكره وعلمه.
ثمّ ملك بعده ابنه البودشير، وهو الذي بعث هرمس المصري إلى جبل القمر الذي يخرج النيل من تحته حتّى عمل له هناك هيكل التماثيل من النحاس وعدل البطيحة التي ينصبّ إليها ماء النيل، وعدل جنبي النيل وقد كان يغيض وربّما انقطع في مواضع. والبودشير هو الّذي أمر بعمارة بلاد الواحات في المغرب وحوّل إليها جماعة من أهل بيته، فعمروها. وكانت أرضا واسعة متخرقة بالمياه والعيون كثيرة الكلأ والعشب، وأقاموا كذلك مدّة وخالطهم البربر ونكح بعضهم في بعض، ثمّ وقع بينهم تحاسد وبغي (وجرت لهم حروب)، فخرب البلد وباد أهله إلّا بقية يسيرة.
وللبودشير في السحر عجائب سيأتي ذكر شيء منها بعد هذا إن شاء الله.
ثمّ ملك بعده ابنه عديم، وهو أوّل من صلب، وذلك أنّ امرأة ورجلا زنيا فأمر بصلبهما على منارين بنيا لهما، وجعل ظهر كلّ واحد منهما إلى ظهر صاحبه، وزبر على المنارين اسميهما وما فعلا وتأريخ الوقت الذي عملا.
ذلك فيه، فانتهى الناس عن الزنى. وناووس عديم هذا من أعاجيب الدنيا، وهو في صحراء قفط على وجه الأرض، قبّة عظيمة من زجاج أخضر قطرها مائة ذراع براق معقود على ثمانية آزاج، وارتفاع القبّة في الهواء أربعون ذراعا يخضرّ بخضرتها ما حولها من الأرض، وعلى رأس القبّة طائر من ذهب منشور الجناحين موشّح بجوهر يمنع من الوصول إليها وجسده في وسط القبّة على سرير من ذهب مشبّك، وهو مكشوف الوجه عليه ثياب منسوجة بالذهب منظومة بالجوهر، وفي جنبات القبّة مائة وسبعون مصحفا من مصاحف الحكمة وسبع موائد عليها آوانيها، منها مائدة من أدرك روماني أحمر وأوانيها منها، ومنها مائدة ذهب فليموني تخطف الأبصار، وهو الذهب الذي يعمل منه تيجان الملوك وآنيتها منها، ومنها مائدة من حجر الشمس المضيء بآنيتها، ومائدة من الزبرجد الذي يخالط لونه شعاع أصفر بآنيتها. وهذا الزبرجد إذا نظرت إليه الأفاعي سالت عيونها. ومائدة كبريب أحمر مدبّر على ما ذكروه من تدبيره في مصاحف حكمتهم بآنيتها، ومائدة من ملح أبيض برّاق يكاد نوره يخطف (الأبصار بآنيتها) ومائدة من زئبق أحمر معقود)، وحافتاها وقوائمها من زئبق أصفر معقود وآنيتها (من زئبق أحمر معقود) وجعل في القبّة معه جواهر عظيمة وبرابي صنعة مدبّرة، وجعل حوله سبعة أسياف صاعقية وكاهنية، وجعل معه تماثيل أفراس من ذهب عليها سروج من ذهب وعدّة توابيت مملوءة من الدنانير التي ضربها وصوّر عليها صورته. وقد ذكر من رأى القبّة وأقاموا عليها أيّاما، فما قدروا على الوصول
إليها وأنهم إذا قصدوها وكانوا على مقدار ثمانية أذرع منها دارت القبّة عن أيمانهم وشمائلهم وقد عاينوا ما فيها. ومن أعجب ما فيها أنّهم كانوا يحاذون آزاجها أزجا أزجا فلا يرون من أزج من الآزاج إلا مثل الذي يرون من الآخر على معنى واحد لا يختلف. وذكروا أنهم رأوا وجهه في قدر ذراع ونصف بالذراع الكبير ولحيته كبيرة وقدّروا طول بدنه عشر أذرع وزيادة ورأوا بها عجائب عظيمة.
ثمّ ملك بعده ابنه شدات، وهو أوّل من اتّخذ الجوارح للصيد وولد الكلاب السلوقية من الذئاب والكلاب وعمل البيطرة وعلاجات الدوابّ، واتّخذ من الطلسمات والمصانع ما لا يحصى كثرة، وجمع التماسيح بطلسم عمله لها في بركة بناحية أسيوط وكانت تنصبّ إليها من النيل انصبابا، فيقتلها ويستعمل جلودها في السفن وغيرها. وعمل صورة صنم قائم له إحليل ظاهر، إذا أتاه المعقود والمسحور والمعترض ومن لا ينتشر فمسحه بكلتا يديه أنعظ وذهب ما به. وعمل صورة بقرة لها ضرعان كبيران إذا مسحت عليها المرأة التي لا يدرّ لبنها (درّ لبنها لحينه). فأقام شدات تسعين سنة ملكا.
وخرج يطرد صيدا فأكبّه فرسه من وهدة فقتله. وكان قبل ذلك قد خالفه بعض خدمه في أمر، فألقاه من أعلى جبل إلى أسفله فتقطّع جسده وندم على فعله ذلك، فرأى أنّه سيصيبه مثله. فكان يتوقّى أن يعلو جبلا أو شرفا، وأمر أن يجعل ناووسه في الموضع الذي يلحقه فيه ما يلحقه ويزبر عليه: ليس ينبغي لذي القدرة أن يخرج عن الواجب ولا يفعل ما لا يجوز له فعله. هذا ناووس شدات الملك، عمل ما لا يحلّ له فكوفىء عليه بمثله.
ثمّ ملك بعده منقاوش ابنه، وهو الذي نشر الحكمة في الناس وبثّ منها ما كان مكتوما، وأمر بنسخ مصاحفها بخطوط العامّة ليتعلّموها. وهو أوّل من عمل الحمّام من ملوك مصر، ويقال إنّه هو الذي بنى مدينة منف لبناته وكنّ ثلاثين بنتا، ورحلن إليها. وكان له عدّة من النساء من بنات عمّه وبنات الكهنة. وعمل تمثالا روحانيّا من صفر مذهب، فكان لا يمرّ به زان ولا زانية إلا كشف عورته بيده. فكان الناس يمتحنون بذلك، فامتنعوا من الزنى. وبنى هيكلا للسحرة على جبل القصير وقدّم عليهم رجلا منهم، وكانوا لا يطلقون الرياح للمراكب إلا بضريبة يأخذونها من أهلها.
وكان إذا ركب عملوا بين يديه التخاييل الهائلة فتعجّب الناس من أعمالهم.
وقسم خراج البلد أرباعا، وكان منتهاه حينئذ مائة الف ألف وثلاثة آلاف ألف، فربع للملك خاصّة يصرفه فيما يشاء، وربع لأرزاق جنده، وربع ينفقه في مصالح الأرضين والمدن وما يحتاج إليه من عمل جسور وحفر خليج وبناء آبار وتقوية أهلها على العمارة، وربع يكنز ويدفن عدّة للملك.
وهلك منقاوش بعد احدى وسبعين سنة من ملكه من طاعون أصابه، وقيل سمّ في طعامه، وعمل ناووسه في صحراء المغرب.
ثمّ ملك بعده ابنه مناوش؛ وهو أوّل من عبد البقر، وذكروا أنّ السبب في ذلك أنه كان اعتلّ علّة يئس فيها من نفسه، وأنه رأى في منامه صورة روحانيّ عظيم يخاطبه ويقول له: لا يخرجك من علّتك إلّا عبادتك للبقر لأنّ الطالع كان عند حلولها به في صورة ثور بقرنين. فأمر بأخذ (ثور
أبلق) حسن الصورة، وعمل له مجلسا في قصره عليه قبّة مذهّبة ووكّل به سادنا، وكان يبخّره ويطيّبه ويتعبّد له سرّا من أهل مملكته. فبرىء من علّته وعاد الى أحسن أحواله.
وقال آخرون إن السبب في ذلك أنه كان أوّل من عملت له العجل ورصعت بالذهب وعملت له عليها قباب من خشب وفرشت بفاخر الفرش، وكانت البقر تجرّه، فإذا مرّ بالمكان النزه أقام فيه، وإن مرّ بالمكان الخرب أمر بعمارته، وقيل إنه نظر إلى ثور من البقر التي كانت تجره أبلق حسن الشبه، فأمر بترفيهه وسوقه بين يديه، وجعل عليه حللا من فاخر الديباج، فتفرّد به يوما ينظر إليه، فبينما هو قائم بين يديه إذ خاطبه الثور فقال: لو رفهني الملك كفيته جميع ما يريد وعاونته على أموره وقوّيته على ملكه وأزلت عنه جميع علله. فارتاع الملك لذلك وأمر به حينئذ أن يغسل ويطيّب ويدخل الهيكل، وأمر بعبادته، فأقام ذلك الثور يعبد مدّة وكانت فيه آية:
لا يروث ولا يبول ولا يأكل إلا أطراف ورق الشجر في كل شهر مرّة. فافتتن الناس به وصار ذلك أصلا لعبادة البقر.
ثم إن ذلك الثور بعد مدة من عبادته أمرهم أن يعملوا صورته من ذهب أجوف وتؤخذ من رأسه شعرات ومن ذنبه ومن لحا قرونه شيء ومن أظلافه وتجعل في ذلك التمثال، وعرّفهم أنه يلحق بعالمه، وأمرهم أن يجعلوا جسده
في جرن من حجارة وينصب في الهيكل وينصب تمثاله عليه، ويكون ذلك وزحل في شرفه والشمس مسعودة تنظر إليه من تثليث والقمر زائد، وتنقش على التمثال علامات الكواكب السبعة، ففعلوا ذلك. وعملت صورة الثور من ذهب وكلّلت بأصناف الجواهر وصنعوا سائر ما أمرهم به في الوقت الذي حدّه لهم. فكانت تلك الصورة تخبرهم بالعجائب وما يحدث وقتا وقتا وتجيبهم عن جميع ما يسألونه، وعظم أمر ذلك التمثال ونذرت له النذور وقربت له القرابين وقصده الناس من الآفاق، وكان يخبرهم بما يريدون.
وبنى في صحراء الغرب مدينة يقال لها ديماس، وقد جاز بها قوم ضلّوا الطريق، فسمعوا بها عزيف الجنّ. ورأوا ضوء نيرانهم. وأقام مناوش ملكا تسعا وثلاثين سنة وعهد إلى ابنه مرنيش، وكان مضعفا لم يعمل في وقته أعجوبة، وبقي ملكا احدى عشرة سنة.
وانتقل الملك إلى أشمون بن قفطيم أخي قفطويم، وكان ينزل الأشمونين سمّاها باسمه، وكان طولها اثني عشر ميلا في مثلها، ونقل إليها أهله وولده.
وهو اتّخذ الملاعب بأنصنا، وبنى البهنسا وغيرها من المدن وأكثر فيها من العجائب. والقبط تقول إنه أكثر ملوكهم أعجوبة وسحرا وأطول ملوكهم مدّة، ملك ثمانمائة سنة (وثلاثين سنة)، وانتزع قوم عاد الملك منه بعد ستمائة سنة (من ملكه)، فاستوبؤوا بلده وانتقلوا الى الدثنية من
طريق الحجاز الى وادي القرى، فعمّروها واتخذوا بها المنازل، فسلّط الله عليهم الذرّ فأهلكتهم. فعاد ملك مصر الى أشمون وبنى مدينة في المشرق في سفح الجبل سماها أوطيراطيس وجعل لها أربعة أبواب على كلّ باب منها طلسم، وأسكنها الروحانيين بسحره، فكانت تنطق إذا قصدها القاصد وتخبره بما يريد ولا يقدر على الدخول إليها إلّا بإذن الموكّلين بها. وجعل فيها شجرة يطلع فيها كلّ لون من الفاكهة، ومنارا في وسطها طوله ثمانون ذراعا على رأسه قبّة تتلون كل يوم لونا حتّى تمضي سبعة أيام، ثم تعود الى اللون الأول، فتكسو المدينة تلك الألوان. وأسكنها السحرة وكانت تعرف بمدينة السحرة- (وهي معنى أوطيراطس) - ومنها كانت تخرج أصناف السحر. وهو أول من عمل النيروز إكراما للكواكب، ودفن في احد الأهرام الصغار القبلية.
وملك بعده ابنه أشاد، وكان جبّارا معجبا، أكثر همه اللهو واللعب والنساء، فجمع كل مله وقصده من الأقطار كل من هذه سبيله، ورفض العلوم والهياكل والكهنة، وملك خمسا وسبعين سنة.
وملك بعده ابنه صاه. وبعض القبط يزعم أن صاه ابن مرقونيس أخي أشاد، فنفى الملهين وردّ الكهنة إلى مراتبهم، وهو بنى أكثر مدينة منف، وبنى في أقصى الواحات مدينة جعل طول سورها في الارتفاع خمسين ذراعا وأودعها أموالا وحكما كثيرة، وهي التي وقع عليها موسى بن نصير
في زمن بني أمية وغلب عليها الرمال، (وكانت تحت الأرض). وكانت مدة حياته وسنّه ست مائة سنة وسبعين سنة، وناووسه في وسط منف تحت الارض والمدخل إليه من خارج المدينة (في غربيّها)، وكان فيه أربعة آلاف تمثال من ذهب مختلفة الصور برّية وبحرية وأموال عظيمة وجوهر كثير.
وعهد الى ابنه ندراس، وكان محكما مجربا ذا أيد وقوة، وبنى غربي منف بيتا عظيما للزهرة (رمز فيه العلوم وكساه الحرير وعمل له عيدا عظيما، وكان صنم الزهرة) من لازورد مذهب متوّج بذهب يلوح، وسوّره بسواري زبرجد أخضر، وكان في صورة امرأة لها ضفيرتان من ذهب أسود مدبّر، وفي رجليها خلخلان من حجر أحمر شفاف ونعلان من ذهب، وفي يدها قضيب مرجان، وهي تشير بيدها كالمسلّمة على من في الهيكل. وحذاءها مطهرة من أخلاط الأجساد على عمود من مرمر مجزّع، وفي المطهرة ماء مدبر للزهرة يستشفى به من كلّ داء، وجعل فيه كراسي الكهنة مصفّحة بالذهب والفضّة، وكان يقرّب له ألف رأس من الضأن والوحش والطير.
وكان في قبّة منه صورة زحل راكب على فرس له جناحان ومعه حربة في سنانها رأس إنسان معلّق. وبقي هذا الهيكل إلى زمان بخت نصر وهو الذي هدمه. وعلى رأس ثلاثين سنة من ملكه طمع الزنج والنوبة في أرضه، فخرجوا إليها وعاثوا فيها، فجمع الجيوش وغزاهم في البرّ ثلاثمائة ألف وفي البحر ثلاثمائة سفينة، (في كلّ سفينة) كاهن وساحر يعمل أعجوبة (من عجائب السحر)، فلقوا جيوش السودان في زهاء ألف ألف، فهزموهم وقتلوهم (أقبح قتل) وأسرّوا منهم خلقا كثيرا عظيما.
ثم ملك بعده ماليق بن ندراس وكان موحّدا على دين قفطيم ومصريم، وكانت القبط تذمه لذلك، وكانت عبادتهم للكواكب والبقر. وكان يستعمل الغزو والجولان في البلاد ليغيب عن أهل مصر، وزعم بعض أهل مصر أن الله أيّده بملك من الملائكة يعضده ويرشده، وربما أتاه في نومه فأخبره ونهاه وأمره، وهو جمع الجيوش واتّخذ في بحر المغرب أربعمائة سفينة، وغزا جموع البربر برّا وبحرا فهزمهم واستأصل أكثرهم، وبلغ إلى إفريقية وقتل أكثر أهلها وسار منها. وكان لا يمرّ بأمّة إلّا أبادها الى أن غزا من ناحية الأندلس يريد إفرنجة، وكان بها ملك عظيم يقال له أرقيوش، فحشد عليه أمما نواحيه وأقام يحاربه شهرا، ثم طلب سلمه وأهدى إليه هدايا كثيرة فسار عنه. ودوّخ الأمم المتصلة بالبحر الأخضر وأطاعه أكثرها، وعمل أعلاما على البحر زبر عليها اسمه وخرب مدن البربر حيث كانت وألجأهم الى ذرى الجبال ورجع، فتلقاه أهل مصر بصنوف اللهو والطيب والرياحين وفرشت له الطرقات، ودخل قصره موفورا. وأمر أن يعمل له ناووس، فكان يحضره ويتعبد فيه، وأمر أن لا يدفن معه ذهب ولا جوهر، فلم يدفن معه سوى الطيب وصفيحة مكتوبة بخطّه فيها: هذا ناووس الملك ماليق، مات مؤمنا بالله لا يعبد معه غيره بريئا من الأصنام وعبادتها، مؤمنا بالبعث والحساب والمجازاة على الأعمال، فمن أحب النجاة من عذاب الآخرة فليدن بما دان به.
واستخلف بعده ابنه حريبا، وقد شرح له التوحيد وأمره أن يدين به ونهاه عن عبادة الأصنام، وكان معه على ذلك في حياته، ثمّ رجع عنه بعد وفاته الى.
دينهم. وكان سبب رجوعه الى عبادة الأصنام أن أمه كانت من بنات كبير من الكهان نقلته بعد موت أبيه الى دينها، وكان ليّنا سهل الخلق مجيبا. وكان ملك من ملوك الهند يقال له مسور خرج على عهد حريبا، فعمل حريبا مائة سفينة (على سفن الهند) وتجهّز. وحمل امرأته معه، وكانت من بنات عمّه قد غلبت عليه وهام بها يسجر قهرمانة كانت له، وكانت تسمى أسيوط، ساحرة لا تطاق، (وكانت أوحشت ما بين الملك وأمه لتستبدّ امرأته به، فآلى في غزوته أن ينصرف في البلاد ولا يرجع إلى مصر أو تموت أمه). ففعل ذلك، وغزا بلاد الهند، واستخلف على مصر ابنه كلكلن وجعل معه وزيرا من الكهان يقال له ويسموس، فخرج ومرّ على ساحل اليمن وعاث في سواحله وبلغ سرنديب، فأوقع بأهلها وغنم منها أموالا عظيمة، وحمل معه حكيما لهم، وكان لا يأخذ مدينة إلا أقام بها صنما وزبر عليه اسمه ومسيره ووقت أخذه لذلك الموضع.
وجعل ينتقل في تلك الجزائر عدّة سنين، ويقال إنه أقام في سفره سبع عشرة سنة ورجع الى مصر غانما موفورا بعد ان هلكت أمه. وهابته الملوك، وبنى عدة هياكل وأقام بها اصناما (للكواكب لأنها هي التي أيدته في سفره بزعمه. وأظهر الحكيم الذي حمل من الهند بمصر) عجائب مشهورة، وحمل معه صنمين (من أصنام الهند) من الذهب مرصعين بالجوهر ونصبهما في بعض الهياكل، وكان حكيم الهند يقوم بهما ويخدمهما ويقرب لهما على رسمه، وكان يخبرهم بما يريدونه منهما. وغزا حريبا الشام، فأدّى اليه أهلها الطاعة، وأخاف النوبة والسودان فصالحوه على خراج يحملونه اليه. وأقام في ملكه خمسا وسبعين سنة وعمل لنفسه في صحراء الغرب ناووسا على نحو ما تقدم ذكره من نواويس آبائه.
وملك بعده ابنه كلكلن فعقد تاج الملك على رأسه بالأسكندرية بعد موت أبيه وأقام بها شهرا ورجع الى منف. وكان يحب الحكمة وإظهار العجائب وتقرّب أهلها، ولم يزل يعمل الكيمياء طول ملكه، فخزن أموالا عظيمة واستغنى أهل ذلك الزمان عن معادن الذهب، (فلم يثيروها) ولم يكن الذهب قطّ أكثر منه في وقته. وكان يطرح المثقال الواحد على القناطير الكثيرة فيصبغها. وتحكي القبط عنه أنه اخترع أشياء تخرج عن العقل حتى كانوا يسمونه حكيم الملوك، وغلب على جميع الكهنة في علومهم حتى كان يخبرهم بما يغيب عنهم، فخافوه واحتاجوا الى علمه.
وفي وقته كان نمرود إبراهيم ﵇. وكان جبارا مشوّه الخلق يسكن سراة العراق، وكان قد أوتي قوة وبطشا فغلب على أكثر الأرض، فاستزار النمرود كلكلن فوجه اليه كلكلن أن يلقاه منفردا عن أهله وحشمه بموضع كذا، فسار النمرود الى الموضع الذي ذكره، فأقبل كلكلن تحمله أربعة أفراس ذوات أجنحة، وقد أحاط به (نور كالنار) وصور مهيبة قد خيل بها، وهو متوشح تنّينا عظيما والتنّين فاغرفاه، ومعه قضيب آس، فكلما رفع التنّين رأسه ضربه بالقضيب. فلما رآه النمرود هاله أمره واعترف له بجليل حكمته وسأله أن يكون له ظهيرا.
فزعم القبط أن كلكلن كان يجلس على الهرم الغربي في قبّة تلوح على رأسه ويجتمع أهله وحشمه ورعيته حول الهرم، ويزعمون أنه أقام على رأس الهرم أياما لا يأكل ولا يشرب، واستتر عنهم مدة حتى توهموا أنه هلك، وهابته الكهنة هيبة لم تهبها أحدا قبله حتى صوّرته في هياكلهم. وبنى في آخر زمانه هيكلا لزحل من صوان أسود وجعل له عيدا، وجعل في وسطه ناووسه وحمل اليه ما أراد من الذهب والجوهر والحكم. وعرّفهم بموته، وجعل على الناووس طلسمات مانعة وغاب عنهم فلم يقفوا على شيء من أمره (ولا عرفوا موته).
وعهد الى اخيه ماليا، وكان همه في الأكل والشرب والرفاهية غير ناظر في شيء من الحكمة، وإنما استقام له الأمر مدة كونه فيهم لهيبة أخيه كلكلن وتقديرهم أنه لم يمت. وكان أكبر بنيه يقال له طوطيس، وكان يستجهل أباه، فأعمل الحيلة في قتله وحملته على ذلك أمه وبعض وزراء أبيه، فهجم على أبيه في رواقه وهو سكران، فقتله وقتل معه امرأة كانت له من بنات ملوك منف كانت قد غلبت عليه، وحمته النساء فقتلها وصلبها، ثم جلس على سرير الملك، وكان جبارا جريئا شديد البأس مهيبا، والقبط تزعم أنه أول الفراعنة بمصر وأنه فرعون ابراهيم ﵇ وأن الفراعنة سبعة هو أولهم. واستخف بأمر الهياكل والكهنة. وكان ابراهيم ﵇ من كوثى من سواد العراق، فلما هرب من النمرود حذر إن أقام
بالشام أن يلحقه قومه فيردوه الى النمرود، فاستمر الى مصر فجرى له ما هو مذكور عند ذكر إبراهيم، (وأخدم سارة بهاجر).
وإنما سمي فرعون لأنه أكثر القتل حتى قتل قرابته وأهل بيته وخدمه ونساءه وكثيرا من (الكهنة والحكماء)، وكان حريصا على الولد، فلم يرزق غير ابنته حوريا، وكانت تسدده كثيرا وتمنعه من أمور سوء يريدها، فلما رأت أمره يزداد فسادا خافت على زوال ملكهم فسمته بعد أن ملكهم سبعين سنة.
وتنازعوا تمليكها. ثم اجتمعوا عليها الا أهل مدينة أبريت، فانهم ملّكوا عليهم رجلا من ولد أبريت بن مصريم بن بيصر بن حام الذي سميت به المدينة يقال له أنداحس، وجرت بينهم حروب كانت الدائرة فيها على أنداحس، ففرّ، الى الشام وبها الكنعانيون من ولد عمليق، فاستغاث بملكهم وأخبره بأمره وقرّب عليه أمر مصر وسهّل تصييرها اليه، فجهز معه جيشا عظيما الى مصر واستقود عليه رجلا يقال له جيرون. (فلما قرب من مصر بعثت حوريا ظئرا لها الى جيرون) (تستجلبه وتظهر الميل اليه والمحبة فيه وأنها داخلة في طاعته)، (تعرفه وصيتها بتزويجها لانها لا تختار أحدا من أهل بيتها وأنها إن قتل أنداحس تزوجت وصيرت اليه ملك مصر ومنعت منه صاحبه). (فلما بلغ ذلك جيرون سرّ سرورا عظيما ورغب فيه وسمّ أنداحس بسمّ أنفذته اليه فقتله).
فبعثت اليه أنه لا يجوز لي أن اتزوجك حتى تظهر في بلدي قوتك وحكمتك وتبني لي مدينة عجيبة أدخل عليك بها، فإني أكره أن أدخل عليك في مدينتي وبين أهلي وأهل بلدي، وان مدينة حصينة كانت لأوائلنا قد خربت، فاقصد موضعها واظهر حكمتك فيها. فمضى وجدّ في عمل الإسكندرية، وبعثت اليه مائة ألف ألف عامل، فأقام في بنائها مدة وأنفق جميع ما كان معه من الأموال. فلما فرغ من بينان المدينة وجه اليها يعلمها ويحثها على القدوم اليه.
فوجهت اليه (فرشا فاخرة) وآلات عجيبة وقالت: اقسم جيشك أثلاثا وانفذ الي ثلثا حتى اذا بلغت ثلث الطريق فانفذ الثلث الثاني، فاذا بلغت نصف الطريق فانفذ الثلث الثالث، فيكون من ورائي لئلا يراني أحد. فاذا دخلت اليك فلا يكون عندك الا صبية يخدمونك. ثم أقامت تنفذ اليه الجهاز والأموال حتى علم مسيرها، فوجه اليها ثلث جيشه. فعملت لهم الأطعمة والأشربة والطيب المسموم، فلما لقوها استنزلهم حشمها وأقبلوا اليهم بالأطعمة والأشربة والطيب المسموم، فلم تصبح منهم عين تطرف. فسارت ثم فعلت بالثلث الثاني كذلك، ثم بالثلث الثالث كذلك.
وهي توجّه اليه: انما أنفذت الجيش الى مصر يحفظونها، الى ان دخلت اليه هي وظئرها وجوار كنّ معها. فارتعدت مفاصله وخدرت قواه ولم يملك من نفسه شيئا فقال: من ظن أنه يغلب النساء فقد كذب نفسه، ثم فصدت عروقه وأسالت دمه حتى مات نزفا وقالت: دماء الملوك شفاء.
وأخذت رأسه فوجهت به الى قصرها فنصبته عليه وحملت (بيوت
الأموال) الى منف، وبنت منار الإسكندرية وزبرت عليه اسمها واسمه وما فعلت به وتأريخ الوقت ولما اتصل خبرها بالملوك الذين يتاخمون بلدها هابوها، وأقطعت أهل بيتها وقوادها وحشمها أقطاعا كثيرة، وبنت حصنا على حدّ مصر من ناحية النوبة وأجرت ماء النيل اليه تحت قنطرة. واعتلّت حوريا ولم يكن في زمانها أحد من ولد أبيها ولا أهل بيتها يصلح للملك، فقلدت الملك ابنة عمها دليقة بنت فاقوم ودفعت اليها مفاتيح خزائن الأموال وأطلعتها على مواضع الكنوز وأماكن الخبايا وهلكت من علّتها.
فخرج على دليقة (أيمين الأتريي) يطلب ثأر خاله انداحس، فاستنصر بملك العمالقة صاحب الشام، فجدّ في نصره لفعل حوريا بقائده، وجرت بينه وبين دليقة حروب كثيرة وأخبار طويلة كان الظهور فيها لأيمين (لأجل ساحر) كان معهم من أهل قفط (لا يقوم له أحد) غلب بسحره دليقة.
فكان أصحاب دليقة إذا هرب أصحاب أيمين أظهر بسحره نارا تحول بينهم وبين أصحاب دليقة، وتسمع أصوات تفزع القلوب وتؤلم الأسماع. فلما أيقنت دليقة بالغلبة- وقد حسرها أيمين بقوص- سمّت نفسها فهلكت.
ثم ان أمير العمالقة غلب على مملكة مصر، وهو الوليد بن دومع العملقي، وأباد الامم حتى بلغ جبل القمر (الذي ينبعث النيل منه، وانما سمي جبل القمر) لأن القمر لا يطلع عليه لأنه خارج عن خط الاستواء، وبلغ هيكل الشمس فدخله وبلغ أرض الذهب، وهو قضبان نابتة، وهي آخر بلاد علوة. واستعبد الوليد القبط وملكهم مائة وعشرين سنة. وركب في بعض الأيام متصيّدا، فوقص به فرسه فقتله، ودفن في بعض الأهرام.
وملك ابنه الريان بن الوليد، وهو فرعون يوسف ﵇، والقبط تسميه نقراوش، وكان عظيم الخلق جميل الوجه عاقلا محسنا الى الناس، أسقط عنهم الخراج ثلاث سنين وفتح الخزائن وفرّق أكثر ما فيها على الناس، فأحبّوه وشكروا أيامه، إلا أنه مال الى الراحات وغلبت عليه اللذات، وملك أمر الناس رجلا من أولاد الوزراء من أهل بيته يقال له أطفير، وهو الذي يسميه اهل الأثر العزيز. وكان عاقلا حصيف الرأي نزيه النفس مؤثرا للعدل، وأمر أن ينصب له في قصره سرير من فضة يجلس عليه ويكون الكتّاب وجميع الوزراء بين يديه. فكفى نقراوش أحسن كفاية وقام بجميع أموره، ونقراوش غير ناظر في شيء من أمور الناس وقد عملت له مجالس الزجاج الملون والبلّور المصبوغ، وأرسل (حولها المياه) ووضع فيها السمك، وكان إذا وقعت عليه الشمس أرسل شعاعا عجيبا يبهر العيون. وعملت له
عدة متنزّهات على عدد أيام السنة ينتقل كل يوم الى متنزه منها معلوم اليوم، (ثم يعود الدور في اول السنة الثانية تمّ عددها)، وفي كل موضع منها من الفرش والآنية ما ليس في غيره.
فلما اشتغل عن أمور الناس (واتصل نزهه) طمع فيه ملوك النواحي، فقصده رجل من ملوك العمالقة يقال له علكن بن شجوم ويكنى أبا قابوس، فأنفذ اليه العزيز جيشا فأقام يحاربه ثلاث سنين، ثم كان الظفر للعملقي، فدخل حدود مصر وعاث في أرضها وهدم مصانع كثيرة، فضجّ أهل مصر (واجتمعوا الى قصر الملك، فسمع ضوضاءهم وسأل عن شأنهم، فأخبر بأمر العملقي وما انتهى اليه حاله وأنه قاصد قصر الملك). فارتاع لذلك الريان واستيقظ من غفلته وانتبه من سنته، فعرض جيشه وأصلح أمره وخرج الى العملقي (في سبعمائة الف مقاتل سوى الأتباع. فالتقوا من وراء الأجواف في تلك الصحراء، فاقتتلوا قتالا شديدا)، (وانهزم العملقي) واتبعه نقراوش الى حدود الشام وقتل في أصحابه (وأسر، وقيل إنه بلغ) الى الموصل وضرب على أهل الشام خرجا. ثم انصرف واستعد لغزو ملوك المغرب فخرج في تسعمائة ألف واتصل بالملوك خبره، فمنهم من تنحّى عن طريقه ومنهم من دخل تحت طاعته. فأتى إفريقية وقرطاجنة فصالحوه على شيء يؤدونه اليه، ومر حتى بلغ مصبّ البحر الأخضر الى بحر الروم، وهو موضع أصنام النحاس، وأقام هناك صنما وزبر عليه اسمه.
وضرب على أهل تلك النواحي خرجا وعبر الى الأرض الكبيرة وإفرنجة والأندلس، وصاحبها لذريق الأصغر، فحاربه وقتل من أصحابه جماعة وصالحه على ذهب مضروب عليهم، وانصرف راجعا وجاز حتى عبر البحر مشرقا، فشقّ بلاد البربر، (فلم يمرّ بموضع إلا أهدوا اليه ودخلوا في طاعته ولا بأمة إلّا أثر فيها الى ان بلغ بلاد النوبة، فصالحهم على مال يحملونه اليه، ثم أتى) دمقلة. فأقام بها علما وزبر عليه اسمه، ثم انصرف الى منف، فهناك تلقّاه جميع أهل طاعته مع العزيز بأصناف الرياحين والطيب والملاهي والهدايا، وأقام هناك مع الناس يأكلون ويشربون أياما كثيرة في مصانع أعدّها له العزيز من الزجاج الملون مفروشة (بالفرش المذهبة) قد غرس حولها جميع الرياحين (والأشجار الطيبة).
وفي أيامه كان من أمر يوسف ﵇ ما كان وخبره مع امرأة العزيز هذا، وهي زليخا ابنة صاحب عين شمس، ثم تزوجها يوسف ﷺ بعد ذلك.
وقيل إنّ نقراوش آمن بيوسف وكتم إيمانه خوفا من فساد ملكه. وهو الذي امتحن يوسف ليعلم مبلغ علمه، فأمره بعمل الفيوم لابنته وكانت مغايض ماء النيل، والنيل لا يجري حينئذ، فأقامها وبنى اللهون وأتى بتلك الحكمة المعجزة والآية البيّنة في أربعة أشهر، وقيل في سبعين يوما، وشقّ تلك الخلج الثلاثة وكان ذلك ابتداء جري النيل. فلما نظر اليه الملك قال لوزرائه: هذا عمل ألف يوم. فسميت الفيوم. ذكر ذلك عبد الرحمان (بن عبد الله) بن الحكم عن هشام بن إسحاق.
فهلك الريان فاستخلف ابنه دريموس، وهو فرعون الرابع ويسميه أهل الأثر دارم، وكان يوسف ﷺ خليفته، أمره بذلك أبوه، وكان يوسف يسدّده إلا أنه خالف (دينه وما اعتقده من ذلك أبوه). فكان يخدم القمر لأن طالعه كان السرطان فكان يصنع له أصنام الفضة وينصبها في قصر الرخام الذي كان أبوه بناه في شرقي النيل. وقبض يوسف ﵇ بعد سنين من ولايته، فأمر دارم فكفن في ثياب الملوك وجعل في تابوت رخام ودفن في الجانب الغربي فأخصب ونقص الشرقي، فحوّل اليه فأخصب فنقص الغربي، فاتفقوا على أن يجعلوه في الغربي عاما وفي الشرقي عاما، ثم ظهر لهم رأي أن يجعلوا للتابوت حلقا وثاقا ثم شدّوه بالحبال ودلّوه (في وسط النيل). فأخصب الجانبان كلاهما.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع